حين تبدأ القيادات في إعادة ترتيب الذاكرة قبل إعادة ترتيب المكاتب… ماذا يريد عبد السلام أحيزون من آخر قراراته داخل جامعة ألعاب القوى؟

0
52

في عالم تدبير المؤسسات، لا تحمل القرارات الكبرى أهميتها في مضمونها فقط، بل في توقيتها أيضاً. فهناك فرق كبير بين مسؤول يعيد هيكلة مؤسسته وهو في بداية مشروعه، ومسؤول يقوم بالأمر نفسه بينما تقترب نهاية مرحلة كاملة من قيادته. ومن هنا، فإن قرار رئيس الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، عبد السلام أحيزون، إنهاء مهام مدير الجامعة، لا يبدو مجرد تغيير إداري عابر، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز الشخص المُعفى إلى مستقبل القيادة نفسها، وإلى الطريقة التي تُدار بها نهاية المراحل داخل المؤسسات الرياضية.

القراءة الأولى التي راجت مباشرة بعد القرار ربطته بالاختلالات التي صاحبت تنظيم نهائي كأس العرش، وهو تفسير يجد ما يدعمه في حجم الانتقادات التي رافقت ذلك الحدث. فمن الطبيعي أن تبحث أي مؤسسة، عندما تتحول مناسبة رياضية إلى مصدر للجدل، عن مسؤولية إدارية مباشرة، في محاولة لإظهار أن هناك محاسبة وتصحيحاً للمسار.

غير أن الاكتفاء بهذا التفسير يجعل القرار يبدو وكأنه رد فعل ظرفي، بينما تشير مؤشرات أخرى إلى أن ما يجري قد يكون جزءاً من مشهد أكبر بكثير.

فداخل الأوساط الرياضية، تتردد منذ أشهر أحاديث عن مرحلة انتقالية قد تعرفها الجامعة، وعن تغييرات محتملة على مستوى القيادة نفسها. وإذا وُضع قرار إنهاء مهام مدير الجامعة داخل هذا السياق، فإنه يكتسب معنى مختلفاً تماماً. إذ لم يعد السؤال هو: لماذا غادر المدير؟ بل أصبح: لماذا يحدث ذلك الآن؟

هنا تنتقل القراءة من الإدارة إلى السياسة المؤسساتية.

فالعديد من القيادات، عندما تقترب نهاية دورة تدبيرها، لا تبدأ فقط في إعادة ترتيب الهياكل، بل تعمد أيضاً إلى إعادة ترتيب الذاكرة الجماعية للمؤسسة. فالهدف لا يصبح إدارة الحاضر وحده، وإنما إدارة الكيفية التي ستُروى بها المرحلة بعد انتهائها. وفي هذه اللحظة، تتحول بعض القرارات إلى أدوات لإعادة رسم المسؤوليات، بحيث لا تبقى الحصيلة مرتبطة بشخص القائد وحده، بل تتوزع على مستويات إدارية متعددة.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاستغناء عن أسماء رافقت أحيزون لسنوات طويلة. فالأمر قد لا يعكس فقط رغبة في تجديد الإدارة، وإنما أيضاً محاولة لإغلاق صفحة كاملة بكل رموزها، حتى تبدو المرحلة المقبلة وكأنها امتداد لقطيعة مع الماضي، لا استمراراً له.

وهنا تظهر الرسالة الضمنية الأكثر حساسية.

فعندما يغادر المسؤولون الذين كانوا جزءاً من المنظومة نفسها لسنوات طويلة، فإن المؤسسة لا تعلن فقط عن تغيير الأشخاص، بل تعيد تعريف المسؤولية عن الماضي. ويصبح السؤال الذي يفرض نفسه: هل يعني ذلك أن الاختلالات كانت مرتبطة بالأفراد الذين غادروا، أم أنها كانت نتيجة نموذج كامل في التدبير ظل قائماً طوال سنوات؟

وهذا هو الفارق بين الإصلاح الحقيقي وإدارة الإرث.

فالإصلاح يبدأ بتغيير قواعد الحكامة، وآليات اتخاذ القرار، ومنظومة المحاسبة والشفافية. أما إدارة الإرث، فتركز غالباً على إعادة توزيع المسؤوليات وإعادة تشكيل الصورة التي ستبقى في ذاكرة المتابعين بعد انتهاء المرحلة.

ولذلك، فإن قيمة القرار لن تُقاس بعدد المسؤولين الذين سيغادرون مواقعهم، وإنما بالإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: هل ستتغير طريقة إدارة ألعاب القوى المغربية، أم سيتغير فقط الأشخاص الذين يديرونها؟

إن المتابعين اليوم لا ينتظرون مجرد حركة في المناصب، بل يريدون معرفة ما إذا كانت الجامعة بصدد بناء مرحلة جديدة فعلاً، أم أنها تعيد ترتيب المشهد الأخير قبل إسدال الستار على واحدة من أطول فترات القيادة في تاريخ ألعاب القوى المغربية.

وفي النهاية، قد يكون القرار الإداري هو الحدث الظاهر، لكن الحدث الحقيقي قد يكون في مكان آخر تماماً. فالمعركة لم تعد حول من غادر المكتب، بل حول من سيكتب الرواية الأخيرة لمرحلة امتدت سنوات طويلة. وبين إعادة الهيكلة وإعادة كتابة الذاكرة، ستتحدد الطريقة التي سيدخل بها عبد السلام أحيزون تاريخ الجامعة: كرئيس بدأ الإصلاح في لحظاته الأخيرة، أم كقائد انشغل، قبل المغادرة، بإدارة إرثه أكثر من إدارة المستقبل.