صندوق التنمية الترابية.. حين يصبح السؤال: من يملك المال ومن يحدد الأولويات؟

0
120

المثير في النقاش حول صندوق التنمية الترابية المندمجة ليس اسمه الجديد ولا حجمه المالي فقط، وإنما التحول الذي يحدث في طريقة توزيع المسؤوليات حول المال العمومي. فالصندوق الذي حل محل صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، خُصصت له في قانون مالية 2026 اعتمادات أداء بقيمة 5 مليارات درهم، مع ترخيص بالالتزام المسبق بـ15 مليار درهم من اعتمادات 2027، فيما رُصد للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة غلاف إجمالي تقديري يبلغ نحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

هنا تبدأ القصة الحقيقية. نحن أمام برنامج لا يتحدث عن طريق قروي أو منشأة معزولة، بل عن منظومة تمتد إلى الصحة والتعليم والتشغيل والماء والتأهيل الترابي، أي إلى القطاعات التي تصنع بصورة مباشرة علاقة المواطن بالدولة. وقد أعلنت الحكومة أن إعداد البرامج انطلق من تشخيص ترابي ومشاورات على مستوى العمالات والأقاليم، وأن الأولويات يفترض أن تستمد من الحاجيات المعبر عنها محليا، بينما تتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة المصادقة على البرامج ووضع مؤشرات للتتبع والتقييم.

لكن التطور الجديد الذي يستحق التدقيق هو كيفية تحريك الاعتمادات على الأرض. فالقرار المنسوب إلى الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بتعيين الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف بالنسبة للاعتمادات المفوضة، مع إسناد مهام المحاسبة إلى الخزنة الجهويين والإقليميين، يعني أن جزءا من السلسلة المالية ينتقل من المركز إلى التراب. وهذا في حد ذاته ليس أمرا شاذا أو دليلا على تركيز السلطة؛ بل هو منطق معروف في تفويض الاعتمادات واللاتمركز المالي، وتوجد له سوابق في قطاعات حكومية أخرى.

غير أن أهمية الخطوة تكمن في حجم الأموال وطبيعة المشاريع التي ستخضع لهذا المسار. فالآمر بالصرف لا يقرر وحده السياسة العامة للصندوق، لكنه يوجد في الحلقة التي تتحول فيها البرامج إلى التزامات وصفقات وبيانات دفع وأوامر تحصيل. ومن هنا تصبح الشفافية في تحديد المشاريع، ومعايير ترتيبها، وتتبع تنفيذها، أهم من مجرد الإعلان عن تفويض الصلاحيات. المال قد يصبح ترابيا، لكن السؤال الديمقراطي يظل: من يقرر أين يذهب؟

وهنا ينبغي تصحيح صورة قد تنتشر بسهولة في الخطاب السياسي والإعلامي: القول إن فوزي لقجع أصبح المتحكم الوحيد أو الفعلي في كامل الصندوق يحتاج إلى تدقيق. فالمعطيات الرسمية المنشورة حول حكامة الجيل الجديد تقول إن اللجنة الوطنية يرأسها رئيس الحكومة، وإن والي الجهة يرأس لجنة تجمع برامج العمالات والأقاليم، بينما ستُحدث شركات مساهمة لتنفيذ البرامج يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات. أي أن البنية المعلنة متعددة المستويات، وليست صندوقا شخصيا بيد مسؤول واحد.

لكن هذا التصحيح لا يلغي السؤال السياسي، بل يجعله أكثر دقة. فلقجع يوجد في موقع مالي حساس بحكم توليه قطاع الميزانية، وهو في الوقت نفسه شخصية رياضية وسياسية صاعدة، وقد ارتبط اسمه كذلك بـ«مؤسسة المغرب 2030» التي أُحدثت لتنسيق وتتبع الأوراش المرتبطة بالاستعداد للتظاهرات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. وقد قدم لقجع بنفسه مشروع قانون المؤسسة أمام الحكومة والبرلمان، وأعلن أنه سيرأسها.

المسألة إذن ليست في جمع هذه المواقع لإنتاج حكم جاهز، وإنما في تقاطع دوائر النفوذ. عندما يجتمع الموقع الذي يتحرك داخل هندسة الميزانية مع موقع يشرف على ورش وطني متعدد القطاعات، ثم يأتي في اللحظة نفسها برنامج تنموي طويل يمتد إلى 2033 ويحتاج إلى مئات المليارات، يصبح من المشروع صحافيا طرح سؤال تضارب الأدوار، لا باعتباره اتهاما، وإنما باعتباره سؤال حكامة: كيف تُفصل الوظيفة المالية عن الاعتبارات السياسية؟ وكيف يضمن النظام أن تتحول الأولويات المحلية إلى قرارات موضوعية قابلة للقياس، لا إلى شبكات من النفوذ المحلي والانتخابي؟

وهذا السؤال أكثر إلحاحا لأن البرنامج يتجاوز عمر الحكومة الحالية. ثماني سنوات تعني أن جزءا كبيرا من المشاريع سيمتد عبر دورات سياسية وانتخابية مختلفة، ولذلك فإن نجاحه لن يقاس بمن أطلقه أو بمن دبر اعتماده الأول، وإنما بوجود قواعد تجعل المشروع قابلا للتتبع بعد تغير المسؤولين. وقد شددت الحكومة نفسها على وضع مؤشرات للتتبع والتقييم وقياس أثر المشاريع، وهي النقطة التي يفترض أن تتحول من إعلان مؤسساتي إلى آلية مساءلة فعلية.

التجربة السابقة تقدم سببا إضافيا للحذر. فقد سبق لصندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية أن خضع لتقييم برلماني، وكانت لجنة مراقبة المالية العامة بمجلس النواب قد ناقشت في 2017 و2018 توصيات تقرير حول تدبيره. كما أن تحويل مهمة الأمر بالصرف فيه إلى وزير الفلاحة ابتداء من 2016 أصبح جزءا من نقاش سياسي سابق حول حدود السلطة على هذا النوع من الصناديق.

لهذا، فإن القضية ليست: هل يملك صندوق التنمية الترابية 5 مليارات أم 20 مليارا؟ فالأرقام أصبحت معروفة. القضية هي ماذا سيحدث عندما تتحول هذه الاعتمادات إلى مشاريع موزعة على قرى ومدن وأقاليم وجهات، ومن سيملك القدرة على ترتيبها، ومن سيشرح للمواطن لماذا حظيت جماعة بمشروع ولم تحظ أخرى، ومن سيقيس بعد سنوات ما إذا كان المشروع قد خلق فرصة عمل أو حسّن مدرسة أو خفف العزلة أو بقي مجرد منشأة تحمل لوحة افتتاح.

الاختبار الحقيقي للصندوق يبدأ هنا: هل ستنجح الدولة في نقل التنمية من منطق تدبير الاعتمادات إلى منطق صناعة الأثر؟ فإذا كان المال سيذهب إلى التراب، فإن الرقابة يجب أن تذهب معه، وإذا كانت الأولويات ستُحدد محليا، فيجب أن تكون معايير الاختيار قابلة للنشر والفحص، وإذا كان التنفيذ سيُسرّع عبر تفويض الصلاحيات، فيجب أن تتقدم معه آليات التتبع والمساءلة بالسرعة نفسها. عندها فقط يصبح الحديث عن «تنمية ترابية مندمجة» تغييرا في طريقة الحكم على التنمية، لا مجرد تغيير في اسم الصندوق.