ارتفع في المغرب خلال الأيام الماضية صوت المطالبة بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، وتقدم وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى واجهة هذا الموقف، مؤكداً تمسك الرباط بعودة الأطفال إلى أسرهم، ورافضاً أن يتحول القاصر إلى صاحب قرار مستقل عن عائلته. كما طالبت وزارة الداخلية المغربية إسبانيا بتسريع إجراءات إعادتهم وتجاوز ما وصفته بالعوائق الإدارية والقضائية.
لكن مدريد، في المقابل، لم تتعامل مع الملف بمنطق الاستجابة السياسية السريعة للمطالب المغربية، ولا بمنطق رفضها لمجرد الرفض. ما أعلنته اليوم الأربعاء هو العمل على نقل نحو 500 قاصر من الأكثر هشاشة من سبتة إلى مناطق مختلفة في شبه الجزيرة، في إطار خطة تشارك فيها الحكومة المركزية وحكومة المدينة والأقاليم الإسبانية. واللافت هنا أن إسبانيا لا تقدم النقل باعتباره حلاً نهائياً لوضع هؤلاء الأطفال، بل باعتباره إجراء حماية لتخفيف الضغط عن مدينة تجاوزت قدراتها الاستيعابية.
وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين الخطاب السياسي والمسار القانوني. فالمغرب يقول: هؤلاء أطفالنا، وأسرهم موجودة، فلماذا يبقون بعيداً عنها؟ وهو سؤال إنساني وسيادي مشروع. لكن القانون الإسباني، والاتفاق المغربي الإسباني نفسه، لا يضعان جنسية الطفل وحدها معياراً كافياً لإعادته. اتفاق 2007 بين الرباط ومدريد ينص صراحة على أن أي قرار بالعودة يجب أن يحترم التشريع الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، وأن تتم العودة مع مراعاة المصلحة الفضلى للقاصر وضمان لمّ شمله فعلياً بأسرته أو تسليمه إلى مؤسسة رعاية مناسبة.
لذلك، فإن عبارة «أعيدوا لنا قاصرينا» قد تكون قوية سياسياً ومؤثرة إنسانياً، لكنها لا تختصر المسطرة القانونية. إسبانيا نفسها ملزمة بأن تسأل قبل الإعادة: من هو الطفل؟ من أسرته؟ هل ثبتت صلته بها؟ هل عودته آمنة؟ ومن سيتولى رعايته؟ وهل تحقق العودة فعلاً مصلحته الفضلى؟ هذه ليست تعقيدات اخترعتها مدريد لإبقاء الأطفال في سبتة، بل هي جزء من منظومة قانونية تجعل حماية القاصر مقدمة على الرغبة السياسية في إنهاء الملف بسرعة. والقانون الإسباني الحالي يؤكد أن مصلحة الطفل هي المبدأ الحاكم، كما أن قواعد الاتحاد الأوروبي تشترط تمثيل القاصر غير المصحوب وضمان مراعاة مصلحته في الإجراءات التي تخصه.
ومن هنا يمكن فهم القرار الإسباني بنقل 500 قاصر إلى شبه الجزيرة بصورة مختلفة عن القراءة السريعة التي قد تعتبره التفافاً على المطالب المغربية. فالسلطات الإسبانية تواجه واقعاً مادياً ضاغطاً: مئات الأطفال يعيشون في ظروف وصفتها اليونيسف اليوم بأنها غير آمنة وغير صحية، فيما تعمل الحكومة على نقل الفئات الأكثر هشاشة إلى أماكن أكثر ملاءمة للرعاية. وفي السياسة العمومية، حين تصبح قدرة مدينة صغيرة مثل سبتة عاجزة عن الاستيعاب، فإن نقل القاصر داخل الدولة ليس قراراً بمنحه حقاً دائماً في البقاء، بل قراراً بإخراجه من وضع حماية متدهور إلى وضع حماية أفضل.
الأكثر دلالة أن مدريد لا تغلق باب العودة إلى المغرب، لكنها ترفض أن تجعل العودة نتيجة تلقائية للضغط السياسي. وهذا ما توضحه حتى القواعد الإسبانية الخاصة بالقاصرين غير المصحوبين: يمكن أن تتم إعادة القاصر عندما تكون في مصلحته الفضلى، كما أن اتفاق التعاون مع المغرب يجعل لمّ الشمل وإعادة الإدماج أحد أهداف التعاون بين البلدين. بمعنى آخر، الباب القانوني موجود، لكن مفتاحه ليس تصريح وزير هنا أو بيان حكومة هناك، وإنما اكتمال شروط كل ملف على حدة.
وهنا ربما يكون الدرس الأهم للمغرب نفسه: إذا كانت الرباط تريد عودة أطفالها بسرعة، فإن أقوى خطاب لا يكمن في رفع سقف التصريحات، بل في تسريع ما تستطيع هي القيام به قانونياً وإدارياً؛ تحديد الهوية، إثبات الجنسية، تحديد الأسر، وتوفير ضمانات الاستقبال وإعادة الإدماج. فالاتفاق المغربي الإسباني نفسه ينص على تعاون البلدين في تحديد هوية القاصر وأسرته، وعلى الاتفاق مسبقاً بشأن الحالات التي يمكن أن تكون موضوع عودة وعددها.
أما إسبانيا، فقد أثبتت مرة أخرى أن الدولة حين تدخل في ملف حساس كهذا لا تستطيع أن تتصرف فقط بمنطق «نحن نريد» أو «المغرب يريد». هناك قضاء، وتشريعات، والتزامات دولية، ومصالح طفل يجب أن تُفحص حالة بحالة. وقد يبدو ذلك بطيئاً أمام غضب الرأي العام، لكنه في النهاية هو الفارق بين دولة تدير قضية الأطفال بمنطق رد الفعل ودولة تضع قراراتها داخل مسطرة يمكن مساءلتها والطعن فيها.
El Gobierno trabaja en el traslado urgente de 500 niñas a la Península


