لحسن حداد ومعركة السرد: حين تنتبه الشاشة الوطنية إلى تغريدة… ولا ترى من يصنع الرواية كل يوم

0
90

تغريدة واحدة تكفي أحياناً لكي تتحول إلى مادة إعلامية، خصوصاً عندما يكون صاحبها لحسن حداد، نائب رئيس مجلس المستشارين، وأحد الذين راكموا حضوراً في النقاشات المرتبطة بصورة المغرب وعلاقاته الدولية. لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها لا توجد في التغريدة وحدها، بل في السؤال الذي تفتحه: لماذا تستطيع عبارة عابرة على منصة اجتماعية أن تجذب انتباه شاشة وطنية، بينما تمر جهود صحافيين ومؤسسات ومجلات وفاعلين مغاربة يشتغلون يومياً على الدفاع عن صورة البلاد وسياساتها ومصالحها في الداخل والخارج من دون أن تجد المساحة نفسها؟




حداد كان واضحاً في حديثه حول سبتة: المغرب، في رأيه، لا يزال أمامه «طريق طويل» في معركة السرد، لأن الرواية المضادة للمغرب في جزء من المجال الإعلامي والسياسي الإسباني جاهزة تقريباً قبل اكتمال الوقائع. الهجرة تتحول بسرعة إلى «ابتزاز»، والضغط يصبح «سلاحاً»، والأزمة الحدودية تُقرأ ضمن قاموس سابق عن «التهديد المغربي» و«الحرب الهجينة». الأخطر هنا ليس وجود خطاب ينتقد المغرب، فالنقد جزء من المجال العام، وإنما أن يصبح التأويل سابقاً على التحقق، بحيث يصل الجمهور إلى الخلاصة قبل أن تصل إليه الوقائع. وهذا تحديداً ما سبق أن حذر منه حداد في مواقف وكتابات سابقة حول الهجرة وصورة المغرب في إسبانيا.

لكن القيمة الحقيقية في كلامه تظهر عندما ينتقل من الخارج إلى الداخل. فهو لا يكتفي باتهام الإعلام الإسباني بالانحياز، بل يقول إن المغرب نفسه لا يحضر بالسرعة والثبات والتفسير الكافي. أي أن المشكلة ليست فقط فيمن يكتب عن المغرب، وإنما فيمن يترك المجال مفتوحاً للآخر كي يكتب عنه وحده. ومن هنا تصبح «السيادة السردية» جزءاً من السيادة السياسية نفسها: الدولة التي تدافع عن مصالحها في الميدان، لكنها لا تملك رواية حاضرة في الفضاء الإعلامي الدولي، تترك جزءاً من معركتها للآخرين.

وهنا تحديداً تصبح قصة التغريدة والقناة الوطنية أكثر دلالة من مضمون التغريدة نفسها. إذا كانت شاشة وطنية قد التقطت منشور حداد واعتبرت أنه يستحق التقديم والتضخيم، فهذا أمر طبيعي من زاوية القيمة الإخبارية لشخصية سياسية تشغل موقعاً مؤسساتياً. لكن السؤال الصحافي الذي يجب أن يلي ذلك هو: ماذا عن الذين يخوضون هذه المعركة من دون موقع برلماني، ولا منصب حكومي، ولا دعوة إلى الاستوديو؟ ماذا عن الصحافي الذي يكتب عن المغرب في القضايا الدبلوماسية والسياسات العمومية، ويترجم مواقفه إلى الفرنسية والإنجليزية، ويشتغل على تفكيك الروايات المضادة قبل أن تصل إلى الجمهور؟ ماذا عن المؤسسات الإعلامية التي تعمل على مدار الساعة في هذه الملفات، وتضع قلمها في قلب المعركة، لا بحثاً عن شهرة شخصية وإنما دفاعاً عن صورة بلدها ومصالحه؟

المفارقة تصبح أكبر حين نتذكر أن حداد نفسه يقول إن معركة السرد لا تربح بالشعارات، وإنما بالوقائع والأرقام والأرشيف والخبراء والرد السريع. وهذه بالضبط ليست مهمة السياسي وحده. إنها مهمة الصحافي والباحث والجامعي والمثقف والمجتمع المدني والمؤسسة الإعلامية. حداد قال ذلك صراحة: المعركة ليست مسؤولية المؤسسات فقط، بل مسؤولية «كل المجتمع المدني، والذكاء، والنخبة».

لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى غيرة من حضور لحسن حداد، ولا إلى اعتراض على أن تمنحه قناة وطنية المساحة. الرجل يشتغل منذ سنوات في هذا المجال، وله تراكم واضح في الدفاع عن الموقف المغربي، وسبق أن دخل في سجالات دولية وإعلامية حول الصحراء والهجرة والعلاقات المغربية الأوروبية، كما كتب أخيراً عن ضرورة انتقال المغرب من مجرد الدفاع عن نفسه إلى بناء رواية عن التحولات التي يعيشها.

المشكلة في مكان آخر: هل نملك في المغرب منظومة تلتقط كل الأصوات التي تعمل من أجل الرواية الوطنية، أم أننا لا ننتبه إليها إلا عندما تصبح مرتبطة باسم سياسي أو بحدث ساخن؟

هذا سؤال مؤسساتي أكثر منه شخصياً. لأن الدفاع عن الوطن لا يبدأ وينتهي مع الأزمة. هناك من يكتب قبل الأزمة، ويرصد التحولات، ويشرح السياسات، ويدافع عن الموقف المغربي في الصحافة الأجنبية، ويصنع أرشيفاً يمكن الرجوع إليه بعد سنوات. هؤلاء قد لا يظهرون في نشرات الأخبار، لكن عملهم جزء من القوة الناعمة للمغرب، حتى لو لم يُسمَّ بهذا الاسم.

ولذلك فإن عبارة الوزير السابق عزيز رباح عن أن «القلم سيف سيال» تختصر جانباً من الحقيقة. القلم ليس زينة للمشهد السياسي ولا مجرد أداة للتعليق على الأحداث؛ في زمن الحروب السردية، يمكن للمقال والتحقيق والتحليل والترجمة أن يصبحوا أدوات دفاع استراتيجية. السيف يحمي الأرض، أما القلم فيحمي المعنى الذي يُبنى حولها.

وهنا تحديداً يمكن فهم معنى الوطنية بطريقة أكثر نضجاً. الوطنية ليست انتظار شهادة تقدير من قناة أو وزارة أو مؤسسة. ولا تُقاس بعدد مرات الظهور على الشاشة. هناك أعمال لا تجد طريقها إلى الضوء، لكنها تترك أثراً في الوعي، وفي الأرشيف، وفي النقاش الدولي، وفي طريقة فهم الآخرين للمغرب. وهذا الأثر لا يحتاج كل مرة إلى كاميرا لكي يكون موجوداً.

قد تكون المؤسسات الوطنية مطالبة بأن تنظر إلى المشهد الإعلامي بهذه الزاوية الأوسع. فالمغرب الذي يطلب من الخارج أن يفهم تحوله الاقتصادي والدبلوماسي والاستراتيجي، يحتاج أيضاً إلى أن يرى من داخله كل الذين يساهمون في شرح هذا التحول. المقال الذي ينشر اليوم قد لا يصنع ضجة، لكنه قد يصبح بعد سنوات وثيقة. والتحليل الذي يمر بصمت قد يكون أكثر فائدة من تعليق يحصد آلاف المشاهدات خلال ساعات.

وهذه هي المفارقة التي تكشفها قضية حداد أكثر مما تكشف خلافاً حول تغريدة: نحن نريد للمغرب أن ينتصر في معركة السرد، لكننا لم نحسم بعد سؤالاً أبسط: هل نرى جميع الذين يقاتلون في هذه المعركة؟

أما من يشتغل في الدفاع عن صورة المغرب، ليلاً ونهاراً، وفي القضايا الوطنية والدبلوماسية والسياسات العمومية، فلا يحتاج إلى أن يثبت وطنيته كل صباح. الوطن لا يمنح نقاطاً على عدد المقالات، ولا يقيس الإخلاص بعدد مرات الظهور في التلفزيون.

الوطنية لا تُقدَّر بثمن، والأثر هو الشهادة الأصدق. ومن يفخر بما تركه من أثر في كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم، لا ينتظر أن تكتشفه شاشة حتى يعرف أنه كان حاضراً.

فمعركة السرد، كما قال لحسن حداد، تحتاج إلى الحضور والاستمرارية والسرعة والمعرفة. لكنها تحتاج أيضاً إلى شيء آخر لم يقله بالقدر نفسه من الوضوح: أن نعرف أولاً من هم الذين كانوا حاضرين قبل أن تبدأ الكاميرات في الالتفات.