الاتحاد الاشتراكي أمام امتحان المال والتزكية: حين يصبح تمويل الحملة سؤالاً عن معنى الحزب نفسه

0
56
Le Premier Secrétaire de l’USFP, Driss Lachgar accorde une interview à la MAP

بدأت القصة من ورقة يُقال إن مرشحات طُلب منهن أن يكتبن عليها المبلغ الذي يستطعن الالتزام بالمساهمة به في الحملة الانتخابية. وانتهت، في بضعة أيام، إلى استقالة قيادية من المكتب السياسي، وإعلان قيادية أخرى تخليها عن انتمائها للحزب، وتهديد باللجوء إلى القضاء.

بين الورقة والقرار السياسي مسافة أكبر بكثير من رقم 160 مليون سنتيم.

ففي 20 غشت، وجهت مريم جمال الإدريسي، وهي محامية وعضوة بالمجلس الوطني للحزب ومرشحة لوكالة اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات، مراسلة إلى الكاتب الأول إدريس لشكر، طالبت فيها بفتح تحقيق بشأن ما قالت إنها إفادات متواترة من مرشحات سبقنها إلى مقابلات لجنة البت. وبحسب روايتها، طُلب من كل مرشحة كتابة مبلغ مالي تلتزم بالمساهمة به في الحملة، وتحدثت الإفادات التي نقلتها عن مبالغ تراوحت بين 140 و160 مليون سنتيم.

لكن الإدريسي نفسها لم تقدم هذه الأرقام باعتبارها واقعة عاينتها في وثائق مالية، بل باعتبارها معطيات بلغتها وطلبت التحقق منها. وهذه نقطة أساسية؛ لأن الحديث عن «بيع التزكيات» يفترض إثبات علاقة مباشرة بين المال ومنح التزكية، بينما المعطى المنشور حتى الآن يثبت وجود ادعاء بشأن طلب مساهمة مالية، لا ثبوت صفقة انتخابية.

والفارق بين الأمرين هو الفارق بين اتهام يحتاج إلى تحقيق وبين حكم نهائي.

المال موجود في الانتخابات، لكن أين يبدأ الخط الأحمر؟

المشكلة أن المساهمة المالية في حملة انتخابية ليست، في حد ذاتها، واقعة غريبة أو غير مشروعة. فالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية يعترف بموارد مالية متعددة للأحزاب، من بينها واجبات الانخراط والمساهمات المالية للمنتخبين والهبات والتبرعات، كما ينظم مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية.

والانتخابات التشريعية المقبلة نفسها تجري في سياق مالي لا يمكن تجاهله: فقد خصصت الدولة 400 مليون درهم لمساهمة الأحزاب في تمويل الحملات الانتخابية، إضافة إلى 50 مليون درهم موجهة للوائح المرشحين الشباب المستوفين للشروط القانونية.

إذن، لا يمكن بناء النقاش على فكرة أن «المال لا مكان له في الانتخابات». له مكان، وهو منظم قانونياً.

لكن السؤال يصبح مختلفاً عندما ينتقل المال من تمويل الحملة بعد اتخاذ قرار الترشيح إلى عنصر يدخل في المفاضلة بين المرشحين قبل اتخاذ قرار التزكية.

وهذا تحديداً هو جوهر اعتراض الإدريسي. فهي قالت في مراسلتها إن استعدادها للمساهمة المالية كان، من وجهة نظرها، مساهمة نضالية طوعية، لكنها اعترضت على أن تتحول إلى التزام محدد يطلب من المرشحة تقديمه قبل الحسم في التزكية، وتساءلت عن السند القانوني والتنظيمي لذلك.

هنا توجد المسألة التي تستحق التحقيق فعلاً.

ليس: هل يجوز لمرشح أن يمول حملة حزبه؟

بل: هل كان حجم المساهمة المالية معياراً للمفاضلة بين المرشحات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فالموضوع يتغير جذرياً.

الحزب يقول إن المسطرة لم تُطعن فيها

في الجهة المقابلة، لم تتعامل قيادة الاتحاد الاشتراكي مع الأمر باعتباره مجرد سوء فهم قابل للتوضيح.

المكتب السياسي، في اجتماعه المنعقد في 22 غشت، صادق بالإجماع على نتائج لجان البت في الترشيحات الجهوية، وقال إن المسطرة الخاصة التي وضعها الحزب أُعلنت للاتحاديات والاتحاديين، وإنها لم تكن موضوع طعن منذ بدايتها.

ثم ذهب أبعد من ذلك.

فقد أعلن قبول استقالة رجاء البقالي الطاهري، كما أعلن أن مريم جمال الإدريسي تخلت عن انتمائها للحزب، متهماً إياها بالتنكر لنتائج لجنة البت وترويج «ادعاءات باطلة» تمس بمصداقية مؤسسات الحزب، مع احتفاظه بحقه في اللجوء إلى القضاء.

بهذا أصبحت القضية مواجهة بين روايتين متعارضتين.

رواية تقول إن المال ربما دخل إلى قلب عملية المفاضلة على التزكية.

ورواية الحزب تقول إن المسطرة كانت معلنة، وإن النتائج اتخذت وفق قواعدها، وإن الاعتراض جاء بعد صدور النتائج.

لكن ما ينقص المشهد حتى الآن هو الحلقة الأكثر أهمية: التحقق المستقل من طبيعة الطلب المالي، ومن الجهة التي طلبته، ومن الغرض منه، ومن مدى ارتباطه فعلاً بقرار التزكية.

من دون هذه الحلقة، لا يمكن مهنياً الانتقال من «شبهة المال» إلى «بيع التزكيات».

استقالة رجاء البقالي تفتح ملفاً آخر

قبل أن تدخل قضية مريم جمال الإدريسي مرحلة المواجهة العلنية، كانت رجاء البقالي الطاهري قد أعلنت، في 20 غشت، استقالتها من المكتب السياسي ومن المنظمة النسائية للحزب، منتقدة طريقة تدبير الترشيحات ومعايير اختيار المرشحات، ومتحدثة عن غياب الشفافية وعدم الكشف عن المعايير الفعلية المعتمدة.

استقالة البقالي لا تثبت بدورها صحة الاتهام المالي، لكنها تجعل القضية أكبر من واقعة منفردة.

فحين تتقاطع، في التوقيت نفسه، انتقادات تتعلق بالشفافية والمعايير مع اتهام منفصل بشأن المال، فإن المشكلة التي تظهر أمام الحزب تصبح مشكلة ثقة في مسطرة الاختيار.

وهذا أكثر خطورة سياسياً من مجرد خلاف حول اسم مرشحة.

لأن الحزب يستطيع الدفاع عن قرار واحد، ويمكنه تفسير استبعاد مرشح أو ترشيح آخر. لكنه يجد صعوبة أكبر في إقناع قواعده والرأي العام بأن المسطرة عادلة إذا أصبح الاعتراض منصباً على المعايير نفسها.

ماذا تغير في معنى التزكية؟

التزكية الحزبية ليست مجرد ورقة تسمح لشخص بخوض الانتخابات. إنها في الأصل إعلان أن الحزب يرى في هذا الشخص تمثيلاً سياسياً له، وأنه مستعد لوضع اسمه ورصيده التنظيمي خلفه.

لهذا تصبح المسألة حساسة عندما تتقدم القدرة المالية إلى الواجهة.

فالمرشح الذي يملك موارد كبيرة يستطيع، بطبيعة الحال، أن ينفق أكثر في حملته. وهذا واقع انتخابي لا يخص حزباً واحداً. لكن تحويل القدرة على الإنفاق إلى شرط سابق للحصول على التزكية يمكن أن يغير طبيعة المنافسة نفسها: من يمتلك مشروعاً سياسياً وقدرة انتخابية إلى من يمتلك، أيضاً، قدرة مالية أعلى.

ولا توجد، في المعطيات المنشورة حتى الآن، أدلة تسمح بالقول إن الاتحاد الاشتراكي اعتمد رسمياً هذا المعيار.

لكن مجرد ظهور الاتهام داخل لجنة للبت في الترشيحات يفرض سؤالاً تنظيمياً لا تستطيع البيانات السياسية وحدها إغلاقه: ما هي المعايير المكتوبة التي اعتمدتها اللجان؟ وهل كان التمويل عنصراً من عناصر التنقيط أو التقييم؟

إذا كان الجواب بالنفي، فإظهار هذه المعايير للرأي العام يمكن أن يحسم جزءاً كبيراً من الجدل.

وإذا كان هناك معيار مالي، فسيكون على الحزب أن يوضح أساسه القانوني والتنظيمي وحدوده وكيفية تطبيقه.

من حزب المناضلين إلى حزب المرشحين؟

هنا تلامس الأزمة شيئاً أقدم من انتخابات 23 شتنبر.

الاتحاد الاشتراكي الذي قاد عبد الرحمن اليوسفي إلى حكومة التناوب سنة 1998، بعد أن تصدر الحزب نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1997، يحمل إرثاً سياسياً يجعل النقاش حول التزكية أكثر حساسية من مجرد نزاع داخلي.

ذلك الإرث قام، في جزء منه، على فكرة الحزب الذي يصنع السياسة من داخل التنظيم، ويمنح للمسار النضالي والكفاءة والارتباط الاجتماعي قيمة سياسية.

أما الأحزاب في مرحلة الانتخابات الحديثة فتواجه واقعاً مختلفاً: المنافسة على المقاعد أكثر ارتباطاً بالقدرة على استقطاب الأصوات، وبالحضور المحلي، وبالقدرة على إدارة حملة انتخابية مكلفة، وبشبكات العلاقات.

وهنا حدث تحول لا يخص الاتحاد الاشتراكي وحده.

لكن خصوصية الاتحاد أن المسافة بين صورته التاريخية وهذا الواقع الجديد أصبحت أكثر وضوحاً.

فكلما أصبحت التزكية مرتبطة بالقدرة على خوض حملة مكلفة، يصبح الحزب معرضاً لأن يتحول تدريجياً من تنظيم يصنع مرشحيه إلى تنظيم يبحث عن مرشحين قادرين على تمويل حضورهم الانتخابي.

وهذا لا يعني أن كل مرشح ميسور هو «دخيلاً» على السياسة، ولا أن كل من يملك المال يشتري موقعه. مثل هذه الخلاصة ستكون تبسيطاً غير مبرر.

لكنها تضع أمام الأحزاب سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل المال يمول السياسة، أم بدأ المال يحدد من يحق له ممارسة السياسة من داخل الحزب؟

160 مليون سنتيم: الرقم الذي يحتاج إلى وثيقة

أكثر ما جذب الانتباه في هذه القضية هو رقم 160 مليون سنتيم.

لكن الرقم، في حد ذاته، لا يثبت شيئاً.

إنه يعادل 1.6 مليون درهم، وهو مبلغ كبير بلا شك، لكنه لا يصبح دليلاً على بيع تزكية إلا إذا أمكن إثبات مصدره، وطريقة طلبه، والجهة التي طلبته، وطبيعة الالتزام به، وموقعه من قرار التزكية.

وهذه ليست تفاصيل تقنية.

إنها جوهر القضية.

فإذا كان المبلغ تقديراً شخصياً لحجم الحملة التي تعتزم مرشحة تمويلها، فهذه رواية.

وإذا كان تعهداً مالياً مكتوباً يطلبه الحزب من كل مرشحة، فهذه رواية أخرى تحتاج إلى أساس قانوني وتنظيمي واضح.

أما إذا ثبت أن مبلغاً محدداً كان شرطاً للحصول على التزكية، فنحن أمام واقعة مختلفة تماماً.

حتى الآن، لا نملك ما يكفي للانتقال إلى المرحلة الثالثة.

الأزمة الحقيقية قد تكون في الشفافية

لهذا ربما يكون وصف الاتحاد الاشتراكي بـ«الدكان السياسي» سابقاً لأوانه، بل قد يكون مضللاً.

فالكلمة تحسم القضية قبل التحقيق فيها.

والقضية التي أمامنا أكثر تعقيداً: حزب تاريخي يخوض انتخابات في زمن أصبحت فيه تكلفة السياسة مرتفعة، ويجد نفسه مطالباً بتفسير الطريقة التي يختار بها مرشحيه، فيما تتهمه قياديات من داخله بأن المال والمعايير غير المعلنة دخلا إلى المسطرة.

في المقابل، تملك القيادة رواية واضحة: هناك مسطرة أُعلنت، ولجان اشتغلت، وقرارات صودق عليها، ومن شارك فيها قبل نتائجها لا يمكنه، وفق منطق الحزب، رفضها بعد صدورها.

لكن حتى هذه الرواية لا تجيب عن كل شيء.

فالقول إن المسطرة لم تكن موضوع طعن لا يحسم تلقائياً ما إذا كانت الممارسة داخلها مطابقة لما أعلن عنها.

كما أن الطعن في النتائج لا يثبت تلقائياً صحة الاتهامات الموجهة إلى اللجنة.

ما بين الأمرين توجد منطقة تحتاج إلى وثائق، لا إلى البيانات.

وربما يكون أفضل اختبار لمصداقية الحزب الآن بسيطاً: أن يكشف، في حدود ما يسمح به القانون وحقوق المعنيين، المعايير التي اعتمدتها لجان البت، وكيف تعاملت مع المساهمات المالية، وما إذا كان أي مبلغ مالي قد دخل فعلاً في تقييم المرشحات أو في قرار التزكية.

عندها فقط يمكن أن ينتقل النقاش من الكلام عن «بيع التزكيات» إلى الوقائع.

أما الخطر الأكبر على حزب بحجم الإرث الذي يحمله الاتحاد الاشتراكي، فلا يكمن بالضرورة في رقم 160 مليون سنتيم.

إنه يكمن في أن يصبح المال، حتى من دون أن يكون ثمناً معلناً للتزكية، شرطاً غير مكتوب للقدرة على دخول المنافسة السياسية من باب الحزب.

إذا حدث ذلك، فالمسألة لا تعود خلافاً بين مرشحات ولجنة.

تصبح سؤالاً عن الحزب الذي يريد الاتحاد الاشتراكي أن يكونه في الانتخابات المقبلة: حزباً يستمد قيمة مرشحيه من تنظيمه ومرجعيته وقدرتهم السياسية، أم حزباً يتعين عليه، قبل أن يطلب من الناخب أن يختار مرشحه، أن يثبت أولاً أن لديه القدرة على تمويل الطريق إلى صندوق الاقتراع.

وهذا السؤال لا تجيب عنه بيانات المكتب السياسي، ولا استقالات القياديات، ولا رقم 160 مليون سنتيم.

تجيبه الوثائق.