هناك جملة تتردد في النقاش العام المغربي أكثر مما تظهر في البيانات الحزبية: «ليس لنا كمواطنين حظ أو فرصة، لأنهم هم من لهم الحق والمال والسلطة… ولنا الله أفضل مما لهم».
قد تبدو هذه العبارة مجرد تعبير عن غضب أو إحباط انتخابي. لكنها، في الحقيقة، تختصر مشكلة أكبر من نتائج دائرة أو مصير حزب. فحين ينزل الوزراء أنفسهم إلى الميدان الانتخابي، ومعهم أجهزة حزبية وشبكات سياسية ورصيد تدبيري ووجاهة عمومية، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز في 23 شتنبر؟ بل: كيف يقيس المواطن حصيلة حكومة شارك هؤلاء في صنعها، وكيف يترجم رضاه أو غضبه إلى صوت؟
الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر دخلت بالفعل مرحلة مختلفة مع انطلاق إيداع الترشيحات يوم 31 غشت. وفي الساعات الست الأولى وحدها، أعلنت وزارة الداخلية إيداع 702 لائحة ترشيح مقدمة من 27 حزباً، مع تغطية الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية.
لكن الرقم الأكثر دلالة يوجد داخل لوائح الأغلبية نفسها.
حتى الآن، يخوض 15 عضواً من الحكومة الحالية السباق الانتخابي، موزعين بين ستة عن الأصالة والمعاصرة، وخمسة عن التجمع الوطني للأحرار، وأربعة عن حزب الاستقلال. وبالنظر إلى أن عدد أعضاء الحكومة المنتمين حزبياً إلى هذه المكونات يبلغ 26 عضواً، فإن نحو 57.7 في المائة منهم اختاروا مواجهة الناخبين مباشرة.
إنها ليست نسبة عابرة.
فمن بين الأسماء التي ستظهر في الدوائر الانتخابية فاطمة الزهراء المنصوري، وعبد اللطيف وهبي، ومحمد المهدي بنسعيد، وعز الدين ميداوي، وأديب بن إبراهيم، وهشام صابري عن الأصالة والمعاصرة؛ ومصطفى بايتاس، وأحمد البواري، وكريم زيدان، ولحسن السعدي، وزكية الدريوش عن التجمع الوطني للأحرار؛ ونزار بركة، ورياض مزور، وعبد الصمد قيوح، وعمر حجيرة عن حزب الاستقلال. وتؤكد المعطيات المنشورة بشأن الترشيحات أن عدداً من هؤلاء يخوضون دوائر لها حساباتها الانتخابية الخاصة، وبعضهم يدخلها في مواجهة منافسة سبق أن أظهرت نتائجها السابقة أن الفوز فيها ليس مضموناً.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
الوزير، عندما يكون داخل الحكومة، يمتلك مساحة واسعة للظهور العمومي. قراراته وتصريحاته ومشاريعه تمنحه حضوراً يومياً في الإعلام، كما أن موقعه السياسي يضعه في قلب النقاش العمومي. لكن كل ذلك يتغير عندما ينزل إلى الدائرة الانتخابية.
هناك يصبح الوزير مرشحاً مثل غيره.
قد تكون لديه شهرة وطنية، لكن الشهرة لا تساوي بالضرورة أصواتاً. وقد تكون لديه حصيلة حكومية، لكن الحصيلة الوطنية لا تعني تلقائياً قبولاً محلياً. وقد يكون الحزب جزءاً من الأغلبية الحكومية، لكن الناخب في دائرة بعينها قد يصوت على أساس الاعتبارات المحلية، والعلاقات الانتخابية، والتنظيم الحزبي، والوجاهة الاجتماعية، وليس على أساس تقييم شامل للولاية الحكومية.
لهذا فإن انتخابات 23 شتنبر تحمل بالنسبة إلى هؤلاء الوزراء امتحاناً مزدوجاً: امتحان الشخص، وامتحان الحكومة التي ينتمي إليها.
وهذا ما يجعل توزيع الترشيحات داخل الأغلبية أكثر أهمية من مجرد عددها.
الأصالة والمعاصرة يدفع بستة من أعضاء الحكومة، بينهم منسقته الوطنية فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير العدل عبد اللطيف وهبي، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد ووزير التعليم العالي عز الدين ميداوي. والحزب كان قد بدأ مبكراً في إعداد خريطة ترشيحاته، مع رهان واضح على عدد من الوجوه الوزارية في دوائر محلية.
التجمع الوطني للأحرار يدخل بخمسة أعضاء، بينهم الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس ووزير الفلاحة أحمد البواري والوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان، إضافة إلى لحسن السعدي وزكية الدريوش.
أما الاستقلال، فيدفع بأمينه العام نزار بركة إلى دائرة العرائش، إلى جانب رياض مزور في بنسليمان، وعبد الصمد قيوح في تارودانت الجنوبية، وعمر حجيرة في وجدة أنكاد.
وفي الجهة الأخرى من الصورة، هناك وزراء اختاروا عدم خوض السباق. والأكثر إثارة للانتباه أن فوزي لقجع، الذي التحق رسمياً بحزب الأصالة والمعاصرة وبمكتبه السياسي في 25 يوليوز، لن يكون ضمن المرشحين، بعدما ذُكر اسمه في وقت سابق في سياق إمكانية الترشح بدائرة بركان.
وهذه المفارقة تستحق التوقف.
فالانضمام إلى حزب قبل أسابيع قليلة من الانتخابات لا يؤدي بالضرورة إلى خوض الانتخابات. وقد يكون الحضور الحزبي جزءاً من إعادة تموضع سياسي أوسع، بينما يبقى القرار الانتخابي منفصلاً عنه. لذلك لا ينبغي قراءة عدم ترشح لقجع باعتباره مجرد غياب اسم من لائحة، ولا تحويله في المقابل إلى إشارة سياسية أكبر مما تسمح به الوقائع.
الأهم هو أن الأغلبية اختارت، في جزء معتبر من تركيبتها الحكومية، أن تجعل وزراءها جزءاً من المعركة الانتخابية.
وهذا يحمل مخاطرة سياسية واضحة.
إذا فاز معظم هؤلاء، تستطيع أحزاب الأغلبية أن تقدم النتائج باعتبارها تجديداً للثقة في جزء من الفريق الذي تولى تدبير الولاية الحكومية. أما إذا خسر عدد مهم منهم، فسيصبح من الصعب التعامل مع الهزيمة باعتبارها مجرد حادث انتخابي محلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادات حزبية ووزراء معروفين.
لكن حتى هذا الاستنتاج يحتاج إلى حذر.
فالخسارة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن الناخب رفض أداء الوزير في الحكومة، كما أن الفوز لا يعني بالضرورة أنه صادق على حصيلته الوزارية. الدائرة الانتخابية لها منطقها الخاص، والانتخابات المغربية لا تختزل في استفتاء وطني على الحكومة.
مع ذلك، ستمنح النتائج مؤشراً لا يمكن تجاهله.
فوزير العدل سيعود إلى تارودانت الشمالية، ووزير التجهيز والماء إلى العرائش، ووزير الصناعة والتجارة إلى بنسليمان، ووزير النقل واللوجستيك إلى تارودانت الجنوبية، ووزير التعليم العالي إلى الرحامنة. هنا ستخرج أسماء كانت تُرى عادة من خلف مكاتب الدولة إلى مواجهة مباشرة مع مواطنين يستطيعون أن يقولوا لهم، بالصندوق، ما إذا كانوا يريدون استمرارهم في الحياة السياسية البرلمانية أم لا.
وهنا تحديداً تعود العبارة الأولى.
«ليس لنا حظ أو فرصة لأنهم هم من لهم الحق والمال والسلطة».
المشكلة أن الانتخابات لا تصبح عادلة فقط لأن الصندوق موجود. العدالة الانتخابية تبدأ قبل الصندوق: في تكافؤ الفرص، وفي قدرة المرشحين على الوصول إلى الناخبين، وفي قوة التنظيمات، وفي شفافية التمويل، وفي قدرة المواطن على اتخاذ قراره بعيداً عن الإكراه والحاجة والزبونية، وفي شعوره بأن صوته يمكن أن يغير شيئاً.
ولا توجد في المعطيات الحالية قرينة تسمح بالقول إن مجرد ترشح الوزراء يعني أن العملية غير عادلة. لكن كثافة الحضور الوزاري تضع سؤال تكافؤ الفرص في قلب النقاش السياسي، لا باعتباره اتهاماً جاهزاً، وإنما باعتباره معياراً ينبغي أن تظل العملية الانتخابية كلها خاضعة له.
فالوزير يدخل الانتخابات محملاً برصيد المنصب، والحزب يدخلها محملاً بشبكته، والمرشح المحلي يدخلها محملاً بعلاقاته وموقعه الاجتماعي. المواطن، في المقابل، لا يدخل إلا بورقة تصويت واحدة.
وهنا تكمن المفارقة التي ستختبرها انتخابات 23 شتنبر.
ليس المطلوب أن يكون كل مرشح فقيراً حتى تكون الانتخابات عادلة، ولا أن يُمنع الوزير من الترشح لأنه وزير. الديمقراطية تفترض أن يحق للمسؤول المنتخب أو الحكومي أن يعود إلى الناخبين. لكن الديمقراطية نفسها تفترض أن تكون قيمة الصوت مستقلة عن حجم النفوذ الذي يقف خلف المرشح.
ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست فقط بين «البام» و«الأحرار» و«الاستقلال»، ولا بين الوزراء ومنافسيهم.
إنها أيضاً معركة على معنى الثقة السياسية.
هل يستطيع الوزير أن يحول ما أنجزه في الحكومة إلى أصوات؟
هل يستطيع الحزب أن يقنع الناخب بأن الولاية المقبلة تستحق استمراره؟
وهل يستطيع المواطن، الذي يقول إنه لا يملك المال ولا السلطة ولا النفوذ، أن يشعر للمرة الأولى بأن لديه شيئاً يملكه فعلاً؟