حين تلتقي السينما المغربية بالكورية: الثقافة تتحول إلى لغة للتقارب بين الرباط وسيول

0
71

أحياناً لا تحتاج العلاقات بين بلدين إلى اتفاقية جديدة كي تكشف عن اتجاهها. يكفي أن يجلس سفير مع مخرج، وأن ينتقل الحديث من الأفلام إلى المجتمع، ومن تجربة المخرج إلى الطريقة التي يمكن بها للصورة أن تعبر الحدود.

هذا ما حمله لقاء السفير الكوري لدى المغرب يون يونجين بالمخرج المغربي نور الدين لخماري، يوم الاثنين 24 غشت، حيث لم تكن السينما مجرد موضوع للحديث، بل بدت أقرب إلى مساحة محتملة لتوسيع علاقة ثقافية تتجاوز العروض والمهرجانات نحو إنتاج القصص وتبادلها.

اللقاء جمع بين تجربتين سينمائيتين تنتميان إلى سياقين مختلفين، لكنهما تلتقيان في فكرة أساسية: الفيلم لا يكتفي بتقديم بلد إلى الخارج، بل يكشف كيف يرى المجتمع نفسه، وما الذي يخفيه وما الذي يريد أن يقوله عن حياته اليومية.

لخماري، الذي ارتبط اسمه بأفلام مثل «كازا نيڭرا» و«زيرو» و«بيرن آوت»، تحدث عن أفلام كورية تركت لديه أثراً، وعن علاقاته وتجارب سابقة مع مخرجين كوريين، معبراً عن اهتمامه بخصوصية السينما الكورية وبالعوالم التي بنتها لنفسها. مساره نفسه يمنحه موقعاً خاصاً في هذا الحوار؛ فقد تلقى جزءاً من تكوينه السينمائي في النرويج، وظل اشتغاله مرتبطاً بمحاولة قراءة المجتمع المغربي من الداخل، وهو ما يوثقه المركز السينمائي المغربي في سيرته وفيلموغرافيته.

لكن الأهم في اللقاء ربما كان النقطة التي التقت فيها التجربتان: السينما باعتبارها وسيلة لفهم المجتمع، وليس فقط وسيلة للترفيه أو للتعريف بصورة سياحية عنه.

من الجانب الكوري، قدم السفير يون لمحة عن تطور صناعة السينما في بلاده والعوامل التي ساعدت الأفلام الكورية على الوصول إلى جمهور دولي واسع. وهذه النقطة ليست تفصيلاً عابراً. فصعود السينما الكورية جاء ضمن منظومة أوسع جعلت المحتوى الثقافي، من الأفلام إلى المسلسلات والموسيقى، جزءاً من حضور كوريا في العالم.

وتظهر هذه الصناعة اليوم وهي تبحث أيضاً عن أسئلة جديدة تتعلق بمستقبل السينما، من تمويل الأفلام متوسطة الميزانية إلى حضور الإنتاج الكوري في المهرجانات الدولية. حتى المنصات المهنية الكورية المتخصصة في الصناعة السينمائية تتابع هذه التحولات باعتبارها جزءاً من النقاش حول قدرة السينما الكورية على الحفاظ على حضورها العالمي.

في المغرب، لا تزال المعادلة مختلفة. فالصناعة السينمائية المغربية تملك رصيداً متراكماً ومخرجين يحضرون في المهرجانات والأسواق الدولية، لكنها تعمل داخل سوق أصغر وبإمكانات وبنية إنتاج وتوزيع مختلفة. لذلك فإن الحديث عن التعاون مع كوريا لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره تبادلاً للأفلام أو تنظيم أسابيع ثقافية.

المسألة الأكثر أهمية هي ما إذا كان هذا التقارب يستطيع الانتقال إلى مستوى عملي: مشاريع مشتركة، تبادل الخبرات، تكوين، تعاون بين المنتجين والمخرجين، أو حتى أعمال تعكس تقاطع التجربتين.

وهنا يكتسب توقيت اللقاء معنى إضافياً.

فالسفير يون يونجين لم يحصر تحركاته الثقافية في السينما وحدها. ففي يوليوز الماضي، التقى مدير مسرح المنصور في الرباط لبحث توسيع التعاون الثقافي بين البلدين، مع اهتمام خاص بإتاحة الثقافة لفئات مثل الأطفال والشباب والفئات الهشة.

كما أن التحرك الكوري في المغرب يشمل مجالات أخرى من القوة الناعمة، من بينها الترويج للمنتجات الكورية والثقافة المرتبطة بها. وفي يونيو، زار السفير أحد أكبر متاجر مستحضرات التجميل الكورية في المغرب، في إطار دعم انتشار «K-Beauty» وتوسيع حضور المنتجات الكورية في السوق المغربية.

الصورة التي تتشكل من هذه التحركات لا تعني بالضرورة وجود مشروع واحد يجمعها كلها، ولا ينبغي تحميل كل لقاء دبلوماسي أكثر مما يحتمل. لكنها تشير إلى اهتمام واضح باستخدام الثقافة والمحتوى كقنوات إضافية لبناء التقارب بين البلدين.

والسينما، تحديداً، تملك قدرة لا توفرها بعض أدوات التواصل التقليدية. منتج ثقافي جيد يستطيع أن يصل إلى جمهور لم يسمع من قبل عن اتفاقية ثنائية أو منتدى اقتصادي. شخصية سينمائية يمكن أن تفتح باباً للحوار أكثر مما تفعله البيانات الرسمية. وفيلم واحد قد يقدم مجتمعاً كاملاً بصورة أكثر تعقيداً من حملة ترويجية طويلة.

بالنسبة إلى المغرب، فإن الاستفادة من التجربة الكورية لا تعني محاولة نسخ النموذج الكوري. الظروف مختلفة، والسوق مختلفة، والتاريخ الصناعي مختلف. القيمة الحقيقية قد تكون في فهم كيف تحولت السينما في كوريا إلى صناعة قادرة على إنتاج قصص محلية بلغة تصل إلى جمهور عالمي.

وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية التي يفتحها لقاء السفير يون يونجين ونور الدين لخماري.

لم يعد السؤال فقط كيف يشاهد المغاربة السينما الكورية أو كيف يتعرف الكوريون على السينما المغربية. السؤال الأوسع هو: هل يمكن للبلدين أن ينتقلا من مشاهدة قصص بعضهما البعض إلى إنتاج قصص مشتركة؟

إذا حدث ذلك، فإن التعاون الثقافي لن يبقى في مستوى المجاملات الدبلوماسية والفعاليات الموسمية. سيصبح للصورة نفسها دور في بناء العلاقة بين المجتمعين.

والبداية، في هذه الحالة، لم تكن في قاعة مفاوضات، بل في حديث بين سفير ومخرج حول فيلم أعجبهما.