البيض موجود والسعر يرتفع: المواطن يدفع ثمن سوقٍ لا يفهم كيف تُصنع أسعاره

0
85

لم يحتج البيض في المغرب إلى نقص في الأسواق كي يرتفع سعره من جديد. وهذه هي النقطة التي تجعل موجة الغلاء الحالية أكثر إثارة للاهتمام من مجرد رقم جديد في سوق الجملة.

قبل أسابيع فقط، كان المشهد مختلفاً تماماً. وفرة الإنتاج دفعت سعر البيضة في بعض القنوات إلى نحو 60 سنتيماً، بعد أشهر من ارتفاعات جعلت السعر يلامس مستويات أعلى بكثير. ثم بدأ الطلب يستعيد جزءاً من قوته، فعادت الأسعار إلى الصعود، لتتراوح في عدد من المدن بين 80 و90 سنتيماً، وتصل إلى درهم أو أكثر في بعض الأسواق.

الآن، ومع اقتراب الدخول المدرسي واستمرار الحركة الصيفية، يعود السؤال نفسه ولكن من زاوية مختلفة: إذا كان البيض متوفراً، فلماذا لا ينعكس ذلك على السعر؟

المهنيون يقدمون أكثر من تفسير.

خالد الإدريسي، الكاتب العام للجمعية الوطنية لتجار وموزعي بيض المائدة بالمغرب، يربط الارتفاع الحالي بعدة عوامل متزامنة، من بينها الطلب المرتبط بعيد المولد النبوي، واستمرار العطلة الصيفية وما ترافقه من ارتفاع في الاستهلاك، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع السيولة لدى بعض المتعاملين. كما تحدث عن وجود شبهة كثافة في التصدير نحو موريتانيا.

لكن هذه النقطة الأخيرة تظل، في حدود المعطيات المتاحة، شبهة مهنية وليست واقعة مثبتة. فوجود حديث عن التصدير لا يكفي لإثبات أن السوق المغربية فقدت جزءاً من عرضها بسبب خروج كميات كبيرة إلى موريتانيا.

واللافت أن مهنيين آخرين يقدمون صورة مختلفة.

عزيز أدمو يقول إن السوق تعرف حالياً استقراراً نسبياً من حيث وفرة العرض، مع استمرار الطلب المحلي، وينفي وجود مؤشر على نشاط تصديري نحو موريتانيا في الفترة الحالية. وبحسب المعطيات التي يقدمها، فإن الإنتاج الموجود في السوق قادر على تغطية حاجيات الاستهلاك.

هنا تظهر المفارقة الأساسية: الخلاف ليس حول وجود البيض بقدر ما هو حول الطريقة التي تتحول بها الوفرة إلى سعر يصل إلى المستهلك.

في سوق الجملة، يتراوح سعر البيضة المتوسطة، وفق المعطيات المهنية الواردة، بين 93 و95 سنتيماً، بينما بلغ سعر البيضة الكبيرة نحو درهم. وهي مستويات أعلى من تلك التي عرفها السوق في مرحلة الوفرة السابقة، عندما هبطت الأسعار إلى حدود 65 و70 سنتيماً في الضيعات.

وهذا التذبذب ليس جديداً على القطاع. ففي مايو الماضي، كان المهنيون يتحدثون عن وفرة كبيرة في العرض وانخفاض ملحوظ في الأسعار، بعد أن دفعت زيادة الإنتاج إلى تجاوز الطلب. بل إن طبيعة البيض سريعة التلف جعلت المنتجين مضطرين إلى خفض الأسعار لتصريف إنتاجهم وتحمل خسائر كبيرة.

بمعنى آخر، لا يبدو أن المغرب انتقل ببساطة من «ندرة» إلى «وفرة». ما يحدث أقرب إلى سوق تتحرك فيها الأسعار بسرعة مع تغير الطلب، بينما لا يستطيع الإنتاج أن يتكيف بالسرعة نفسها.

وهنا تدخل فرضية أخرى طرحها مهنيون فضّلوا عدم الكشف عن أسمائهم: المضاربة من طرف بعض الوسطاء والشركات، عبر شراء كميات كبيرة من الضيعات وتخزينها، بما يسمح، وفق روايتهم، بالتأثير في الكميات المعروضة وفي اتجاه الأسعار.

هذه اتهامات تحتاج بدورها إلى ما يثبتها. فلا يكفي وجود ارتفاع في السعر لإثبات التخزين أو التلاعب، كما أن ارتفاع الطلب الموسمي لا يثبت وجود مضاربة.

لكن مجرد ظهور الروايتين في اللحظة نفسها يكشف مشكلة أعمق في سوق البيض: المستهلك لا يرى سلسلة التسعير، وإنما يرى السعر النهائي فقط.

فالبيض يخرج من الضيعة بسعر، ويمر عبر الجملة والتوزيع ثم يصل إلى المتجر بسعر آخر. وبين هذه المراحل توجد تكاليف حقيقية، لكن توجد أيضاً مساحة واسعة يصبح فيها تحديد المسؤول عن الفارق أكثر صعوبة.

وقد سبق أن ظهر هذا التوتر بوضوح في موجات سابقة. ففي مارس، كان المنتجون يتحدثون عن إنتاج يومي يقارب 23 مليون بيضة، مع وجود فائض في الإنتاج، في الوقت الذي كان فيه السعر للمستهلك يصل إلى 1.50 درهم في بعض الأسواق.

ثم انقلب المشهد بعد ذلك بأسابيع فقط، فتراجعت الأسعار بقوة بفعل وفرة العرض. وفي مايو، كانت البيضة تتداول بين 60 و90 سنتيماً بحسب قنوات التوزيع.

هذه الحركة السريعة تقول شيئاً مهماً عن القطاع: المشكلة ليست دائماً في كمية ما ينتجه المغرب، بل في مدى قدرة السوق على امتصاص الإنتاج وتنظيم انتقاله من المنتج إلى المستهلك.

ولهذا قد يكون الدخول المدرسي اختباراً جديداً أكثر من كونه مجرد مناسبة لارتفاع الطلب. فإذا استمر الطلب في الصعود بينما بقي الإنتاج عند مستوياته الحالية، فمن الطبيعي أن يتعرض السعر لضغط إضافي. أما إذا بقي العرض وفيراً، فقد يكون الارتفاع الحالي محدوداً زمنياً.

والفرق بين السيناريوهين لن تحسمه التصريحات وحدها، بل حركة الإنتاج الفعلية، وحجم الطلب، وتكاليف التوزيع، وما إذا كانت هناك بالفعل كميات تخرج من السوق المحلية عبر التصدير أو التخزين.

حتى الآن، لا توجد في المعطيات المتاحة قرائن كافية للقول إن السوق تعاني نقصاً حقيقياً في البيض. بل إن الصورة التي قدمها مهنيون خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى إنتاج مرتفع، مع انتقالات حادة في الطلب والأسعار.

لذلك فإن ارتفاع البيضة إلى درهم ليس وحده الخبر.

الخبر الأهم هو أن سوقاً تنتج كميات كبيرة يمكن أن تنتقل خلال أشهر قليلة من فائض يخفض الأسعار ويضغط على المنتجين إلى ارتفاع يضغط على المستهلكين. وبين الطرفين تبقى الحلقة الوسطى هي الأقل وضوحاً في نظر المواطن.

وهنا تحديداً يصبح الدخول المدرسي مهماً: ليس لأنه مناسبة أخرى لشراء البيض، وإنما لأنه سيكشف ما إذا كان الارتفاع الحالي مجرد ارتداد مؤقت بعد فترة ركود، أم بداية دورة جديدة يصبح فيها السعر أكثر حساسية للطلب من قدرة الإنتاج على الاستجابة له.

في سوق بهذه الدرجة من التقلب، لا يكفي أن نعرف كم بيضة ينتج المغرب. الأهم هو أن نعرف من يحدد سعرها، وكيف ينتقل ذلك السعر من الضيعة إلى مائدة الأسرة.