بركان.. لقجع يرسم حدود مسؤوليته ويفتح ملف تعثر المشاريع في الجهة الشرقية

0
54

لم ينتظر فوزي لقجع طويلاً قبل أن يدخل في أكثر النقاط حساسية في النقاش الذي يلاحقه منذ دخوله إلى العمل السياسي: ما الذي يدخل فعلاً ضمن مسؤوليته الحكومية، وما الذي يُنسب إليه سياسياً وإعلامياً من دون أن يكون قراراً صادراً عنه؟

خلال اللقاء الحزبي الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم بركان، الخميس 3 شتنبر، وجد لقجع نفسه أمام سؤال استيراد الأغنام، وهو الملف الذي ظل حاضراً في النقاش العمومي بسبب كلفته المالية والجدل الذي رافق تدبيره. وكان رده مباشراً: «هل تقول بأنني كنت طرفاً لكي أستورد الخرفان؟».

الجملة لم تكن مجرد احتجاج على الانتقاد. لقجع كان يحاول تحديد موقع وزارة الميزانية داخل سلسلة طويلة من القرارات الحكومية. فوجود الاعتماد المالي في الميزانية لا يعني، بحسب منطقه، أن المسؤول عن رصده هو نفسه المسؤول عن اتخاذ القرار التنفيذي أو تدبير العملية على الأرض.

وهذه النقطة ستعود لاحقاً، ولكن من زاوية أخرى تماماً.

في بركان، لم يتحدث لقجع عن الأغنام فقط. تحدث عن مشاريع لديها اعتمادات مالية، ومع ذلك ظلت عالقة لسنوات. واستحضر بالاسم المركب الثقافي ببركان والمستشفى الإقليمي، باعتبارهما مثالين على مشكلة لا يكفي معها القول إن الدولة خصصت المال للمشروع.

المال موجود في الوثيقة المالية، لكن المشروع قد لا يصل إلى المواطن.

بالنسبة إلى لقجع، معالجة هذا النوع من التعثر ينبغي أن تكون من أولويات العمل الحكومي المقبل. فالمشكلة لا تبدأ دائماً من غياب التمويل، وقد لا تنتهي عند وزارة المالية. هناك مسار إداري وتقني وتنفيذي كامل بين تخصيص الاعتماد وبين فتح أبواب مشروع أمام المواطنين.

وهنا يصبح التمييز الذي ركز عليه لقجع أكثر وضوحاً: من يرصد المال ليس بالضرورة من ينفذ المشروع.

في جهة مثل الشرق، لهذه المسألة وزن خاص. فالجهة لا تعاني فقط من الحاجة إلى مشاريع جديدة، وإنما أيضاً من السؤال المتعلق بسرعة تحويل المشاريع المبرمجة إلى نشاط اقتصادي فعلي. تحدث لقجع عن الاستثمارات الكبرى التي عرفتها المنطقة، وعن البنيات التحتية والموانئ، وتوقف خصوصاً عند مشروع الناظور غرب المتوسط باعتباره ورشاً يمكن أن يغير موقع المنطقة في الدورة الاقتصادية.

لكن المشاريع المهيكلة وحدها لا تجيب عن كل الأسئلة التي تطرحها الجهة.

من بركان إلى السعيدية، ومن الناظور إلى الساحل المتوسطي، تمتد منطقة واسعة تختلف فيها الحاجيات والإمكانات. ولهذا تحدث لقجع عن ضرورة التعامل مع الجهة وفق خصوصيات أقاليمها، وعن الحاجة إلى تحويل المؤهلات السياحية والطبيعية إلى استثمارات تنتج فرص عمل ودخلاً للشباب.

كان بإمكان الخطاب أن يتوقف عند تعداد المشاريع الكبرى. لكنه ذهب إلى النقطة التي عادة ما تكون أصعب في تقييم السياسات العمومية: ماذا أنتج الاستثمار بالنسبة إلى الناس؟

الساحل المتوسطي، وفق ما عرضه لقجع، يمتلك مؤهلات سياحية كبيرة، لكن وجود المؤهلات لا يعني بالضرورة وجود اقتصاد محلي يستفيد منها بالقدر الكافي. المطلوب، في تصوره، هو مشاريع لها أثر مباشر على التشغيل وعلى حركة الاقتصاد، لا مجرد أوراش يمكن الإعلان عنها واحتسابها ضمن حصيلة الاستثمار.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم انتقاله من الحديث عن الاعتمادات المالية إلى الحديث عن تعثر المشاريع. في الحالتين، هناك مسافة بين القرار على الورق والنتيجة في الميدان.

هذا هو الجزء التنموي من خطاب لقجع في بركان. أما الجزء السياسي، فقد بدأ من مسألة شخصية أكثر.

دافع عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة عن اختياره دخول السياسة من بوابة «البام»، متسائلاً عن سبب تحول انخراط مواطن في العمل الحزبي إلى مصدر قلق لدى البعض. كما استغرب، بحسب ما عرضه في اللقاء، أن تتحول عبارات الإشادة التي كانت توجه إليه قبل دخوله الحزب إلى انتقادات بعد اختياره الانخراط السياسي.

لكن وجود لقجع في «البام» لم يعد مجرد تفصيل في سيرته السياسية. حضوره داخل الحزب يأتي في وقت يستعد فيه المشهد الحزبي للاستحقاقات المقبلة، ولذلك كان من الطبيعي أن يتداخل في خطابه ما هو حكومي بما هو حزبي.

مع ذلك، حاول لقجع أن يضع لنفسه مدخلاً مختلفاً في الحديث عن الجهة الشرقية. فهو لم يقدم ارتباطه بالمنطقة باعتباره قضية حزبية فقط، بل ربطه بانتمائه إليها وبمعرفته بحاجياتها، مؤكداً أن الدفاع عن قضاياها بالنسبة إليه يتجاوز الحسابات الحزبية.

وفي الجزء المتعلق بالبرنامج السياسي، دعا إلى نقل النقاش من «البوليميك» إلى البرامج والأرقام. واستند إلى البرنامج الانتخابي الذي قدمه «البام»، والذي يجمع، وفق عرضه، بين الاستثمار والنمو الاقتصادي والإجراءات الاجتماعية، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وضغط ملفات الصحة والتعليم.

ثم وضع رقماً كبيراً على الطاولة: نحو 70 مليار درهم إضافية سنوياً لتنفيذ التزامات الحزب.

الرقم في حد ذاته ليس وعداً قابلاً للتقييم ما لم يرتبط بمصادر تمويل واضحة وبآليات تنفيذ قابلة للقياس. ولقجع قال إن الحزب قدم تصوراً لتمويل هذه الالتزامات، معتبراً البرنامج تعاقداً مع المواطنين.

وهنا يعود النقاش، بطريقة غير مباشرة، إلى النقطة التي بدأ منها اللقاء.

المشكلة ليست دائماً في الإعلان عن الاعتماد أو البرنامج أو المشروع. الاختبار يبدأ بعد ذلك: من ينفذ؟ متى؟ وبأي كلفة؟ وماذا يصل فعلاً إلى المواطن؟

لقجع، بحكم موقعه الحكومي، اختار في بركان أن يميز بين هذه المستويات. وحين تحدث عن الأغنام، رسم حدود مسؤوليته داخل الحكومة. وحين تحدث عن المشاريع المتعثرة، نقل النقاش إلى ما يحدث بعد رصد الاعتمادات. وحين تحدث عن برنامج حزبه، وضع أمامه تحدي التمويل والتنفيذ.

أما الجهة الشرقية، التي جاء إليها في لقاء حزبي، فكانت تفرض عليه سؤالاً أكثر صعوبة من الدفاع عن موقعه السياسي: كيف تتحول الاستثمارات الكبرى والاعتمادات المرصودة والمشاريع المبرمجة إلى اقتصاد محلي قادر فعلاً على خلق فرص العمل؟

ذلك سؤال لا تجيب عنه الميزانية وحدها، ولا الحزب وحده، ولا مشروع واحد مهما كان حجمه.