البام «ساحر» في استقطاب السياسيين.. من عبو إلى قشيبل وبوصوف، هل تغيّرت قواعد اللعبة؟

0
95

في السياسة الانتخابية، لا تقاس قوة الحزب فقط بعدد المنخرطين فيه، بل أحياناً بقدرة الحزب على جعل أسماء كانت محسوبة على خصومه تظهر إلى جانبه في اللحظة التي تبدأ فيها الخريطة الانتخابية بإعادة ترتيب نفسها.

هذا ما يفعله حزب الأصالة والمعاصرة هذه الأيام. فبعد استقطاب برلمانيين من التجمع الوطني للأحرار في تاونات، جاء الدور على اسم أكبر: محمد عبو، الوزير السابق والقيادي التجمعي الذي ارتبط اسمه لسنوات بالإقليم وبحزب «الحمامة».

في 2 شتنبر، أعلن عبو رسمياً التحاقه بـ«البام» خلال لقاء احتضنه منزله في فاس، بحضور فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي للحزب، وعدد من قياداته. ولم يكن اختيار المكان والتوقيت تفصيلاً ثانوياً. فالانتخابات التشريعية ستجرى يوم 23 شتنبر، أي أن أمام الأحزاب أسابيع قليلة قبل الدخول في الحملة الانتخابية الرسمية التي تنطلق في 10 شتنبر.

محمد عبو ليس وافداً سياسياً عادياً. انتُخب نائباً برلمانياً عن إقليم تاونات منذ 1997، وترأس الفريق البرلماني للتجمع الوطني للأحرار خلال الولاية 2002-2007، كما شغل منصب نائب رئيس مجلس النواب وعضوية المكتب السياسي للحزب. وفي الحكومة، تولى حقيبتين في مرحلتين مختلفتين، الأولى في حكومة عباس الفاسي والثانية في حكومة عبد الإله بن كيران.

لهذا، فإن قيمة انتقاله إلى «البام» لا تختصر في سؤال: كم صوتاً يمكن أن يضيفه للحزب؟

الأهم هو أن الرجل يحمل معه ذاكرة سياسية وشبكة علاقات وتجربة انتخابية تمتد لما يقارب ثلاثة عقود، فضلاً عن ارتباط اسمه بإقليم تاونات، حيث تدور الآن واحدة من أكثر عمليات إعادة التموضع وضوحاً في جهة فاس-مكناس.

تاونات.. حيث بدأ الخيط

قبل عبو، كان «البام» قد فتح الباب أمام نور الدين قشيبل وبوشتى بوصوف، وهما برلمانيان ارتبطا بدورهما بالتجمع الوطني للأحرار.

قشيبل، البرلماني عن دائرة القرية-غفساي، كان من أبرز الأسماء التي انتقلت من محيط «الأحرار» نحو «البام». أما بوشتى بوصوف، البرلماني عن دائرة تاونات-تيسة، فقد التحق هو الآخر بالحزب خلال غشت. وكانت هذه التحركات قد أعطت مؤشرات مبكرة على أن الأمر لا يتعلق بانتقال فردي، وإنما بمحاولة لإعادة تركيب التوازنات الانتخابية داخل الإقليم.

ثم جاء عبو.

وهنا تتغير دلالة المشهد.

فالانتقال من استقطاب برلمانيين إلى استقطاب وزير سابق وقيادي حزبي سابق يعني أن «البام» لا يبحث فقط عن مرشحين، بل عن أسماء قادرة على حمل نفوذ انتخابي ورمزية سياسية من حزب إلى آخر.

وهذا بالضبط ما يجعل تاونات أكثر من مجرد دائرة انتخابية في هذه المرحلة.

إنها مختبر صغير لظاهرة أكبر: هل أصبحت الأحزاب المغربية، قبل انتخابات 2026، تراهن على استقطاب الشخصيات ذات الامتداد المحلي أكثر مما تراهن على بناء النفوذ من داخل التنظيم؟

لا توجد إجابة نهائية بعد، لكن الوقائع في تاونات تعطي مؤشراً لافتاً.

البام لا يستقطب الأسماء فقط.. بل يرسل رسالة

التحاق عبو يأتي في لحظة يحاول فيها «البام» أيضاً إعادة تقديم نفسه على المستوى الوطني.

في فاتح شتنبر، قدم الحزب برنامجه الانتخابي تحت شعار «من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة»، واضعاً خمسة مواثيق في صلب عرضه: القدرة الشرائية، إدماج الشباب، المواطنة، الأمان، ثم النمو والاستدامة.

واللافت أن البرنامج لا يكتفي بعناوين عامة، بل يقدم 20 التزاماً ويحدد كلفة إجمالية تبلغ 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع هدف خلق مليون منصب شغل صاف خلال الولاية المقبلة.

هنا تلتقي القصتان.

في جهة فاس-مكناس، يستقطب الحزب أسماء سياسية لها تجربة انتخابية وحكومية. وعلى المستوى الوطني، يقدم وثيقة انتخابية مفصلة بالأرقام والالتزامات والكلفة.

كأن الحزب يريد أن يخوض الانتخابات بوجهين في الوقت نفسه: تنظيم انتخابي قادر على المنافسة في الدوائر، وعرض سياسي يريد أن يخاطب الناخب خارج منطق الأسماء والتحالفات المحلية.

لكن هذا لا يعني أن الاستقطاب وحده يكفي.

فالانتخابات لا تُحسم دائماً بالأسماء التي تنضم إلى الحزب، كما أن انتقال شخصية سياسية لا يعني بالضرورة انتقال كل قواعدها الانتخابية معها. قوة الاسم تحتاج إلى اختبار حقيقي أمام صناديق الاقتراع، خصوصاً في دوائر تعرف علاقات محلية معقدة تتجاوز الانتماء الحزبي.

لماذا يبدو «البام» جذاباً الآن؟

من السهل وصف ما يحدث بأنه «نزيف» داخل حزب التجمع الوطني للأحرار أو «انتصارات» متتالية للبام. بعض التغطيات الإعلامية ذهبت في هذا الاتجاه فعلاً.

لكن القراءة الأهدأ تكشف شيئاً آخر.

الأحزاب قبل الانتخابات لا تتحرك فقط بمنطق البرامج. هناك أيضاً سؤال من يملك القدرة على خوض المعركة في كل دائرة، ومن يملك اسماً معروفاً، ومن يستطيع بناء لائحة تنافسية، ومن يستطيع جمع شبكة انتخابية حوله.

لهذا تصبح عملية الاستقطاب جزءاً من المعركة نفسها.

والبام يبدو، في هذه المرحلة، أكثر نشاطاً في هذا الجانب، خصوصاً عندما يذهب إلى أسماء كانت إلى وقت قريب جزءاً من المجال الانتخابي للأحرار.

غير أن المفارقة أن الحزبين يوجدان في الحكومة نفسها. لذلك فإن انتقال شخصيات من «الأحرار» إلى «البام» لا يعني بالضرورة انتقالاً بين معسكرين سياسيين متخاصمين على مستوى الحكومة، بقدر ما يعكس احتدام المنافسة داخل المشهد الحكومي نفسه على المواقع الانتخابية المقبلة.

وهذه نقطة تستحق الانتباه.

فوزي لقجع.. الحضور الذي يلفت النظر

حضور فوزي لقجع في لقاء إعلان التحاق عبو ليس تفصيلاً عابراً، خصوصاً أن وسائل إعلام مغربية ربطت بين لقجع ولقاءات سابقة مع عائلة عبو قبل الإعلان الرسمي عن الانتقال. لكن هذه المعطيات تبقى في نطاق ما أوردته مصادر صحافية، ولا تكفي وحدها لبناء استنتاج قطعي حول طبيعة المفاوضات أو تفاصيلها.

المؤكد هو أن لقجع كان حاضراً عندما أصبح الانتقال رسمياً.

وهذا يمنح الصورة السياسية ثقلاً إضافياً: شخصية حكومية بارزة وعضو في المكتب السياسي للبام تظهر إلى جانب وزير سابق وقيادي سابق في الأحرار، في لحظة يستعد فيها الحزبان لخوض الانتخابات المقبلة.

الصورة تقول ما يكفي من دون الحاجة إلى تفسير زائد.

البرنامج أولاً أم الاستقطاب أولاً؟

هنا تكمن المفارقة التي قد تحدد موقع «البام» في الأسابيع المقبلة.

الحزب قدم برنامجه الانتخابي يوم 1 شتنبر، بعد أن كان حزب الاستقلال قد عرض برنامجه في 29 غشت، ولذلك فعبارة «أول حزب يقدم برنامجه» لا تصح في هذه الانتخابات.

لكن البام ربما كان من أوائل الأحزاب التي حاولت الجمع، في وقت متقارب جداً، بين تقديم برنامج انتخابي مفصل وتكثيف عمليات الاستقطاب السياسي.

وهذا أكثر أهمية من السبق الزمني نفسه.

فالبرنامج يخاطب الناخب الوطني، بينما عبو وقشيبل وبوصوف يخاطبون خرائط انتخابية محددة. الأول يبني صورة الحزب، والثاني يحاول بناء قدرته على المنافسة.

وبين الاثنين تظهر استراتيجية انتخابية واضحة المعالم، حتى وإن كان من السابق لأوانه القول إنها ستنجح.

ما الذي ينتظر في 23 شتنبر؟

من الآن إلى موعد الاقتراع، لن يكون السؤال فقط: كم شخصية ستلتحق بالبام؟

السؤال الأصعب سيكون: هل يستطيع الحزب تحويل هذا الزخم السياسي إلى أصوات ومقاعد؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

فالاستقطاب يلفت الانتباه، لكنه لا يضمن الفوز. والبرنامج الانتخابي يمكن أن يكون قوياً على الورق، لكنه لا يصبح قوة انتخابية إلا عندما يجد طريقه إلى الناخب.

في تاونات، بدأ «البام» بتحريك أسماء لها تاريخ انتخابي. وعلى المستوى الوطني، وضع أمام المغاربة برنامجاً يقول إنه يريد من خلاله «تغيير المسار». وبين الخطوتين توجد معركة واحدة: إقناع الناخب بأن الحزب لا يكتفي بتغيير الوجوه حوله، وإنما يستطيع أيضاً تغيير موقعه في الخريطة السياسية بعد 23 شتنبر.

عندها فقط سيعرف المغرب إن كان «سحر الاستقطاب» الذي يظهره البام في الأسابيع الأخيرة مجرد ضجة انتخابية قوية، أم أنه كان بالفعل جزءاً من عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوى.