بروكسل لم تمنح فيفاس ما أراد: إسبانيا ترفع الصوت والمغرب منشغل بانتخاباته

0
55

عاد رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، من بروكسل حاملاً شيئاً من التفهم الأوروبي، لكنه لم يحمل معه ما كان يحتاجه فعلاً: تعهد أوروبي واضح بتبني الرواية الإسبانية ضد المغرب، أو موقفاً مؤسسياً يحمّل الرباط مسؤولية ما جرى في سبتة ويترتب عليه إجراء أوروبي ضدها.

الفارق بين الأمرين مهم.

أن تستمع المؤسسات الأوروبية إلى مسؤول إسباني جاء محملاً بملف الهجرة والحدود والقلق الأمني أمر طبيعي. أما أن تتحول هذه الشكاوى إلى سياسة أوروبية موجهة ضد المغرب، فذلك شيء آخر يحتاج إلى أدلة وإلى توافق سياسي داخل الاتحاد الأوروبي، وهنا يبدو أن فيفاس عاد من بروكسل من دون الغنيمة السياسية التي كان يأملها.




الرجل قال بعد عودته إنه وجد تجاوباً وتفهماً. لكنه لم يعلن عن عقوبات، ولم يعلن عن آلية أوروبية جديدة لمعاقبة المغرب، ولم يخرج من اجتماعاته بوعد أوروبي يتبنى الاتهام الذي ظل يكرره منذ أزمة 30 و31 يوليوز.

وهذه وحدها واقعة تستحق القراءة.

لأن خطاب فيفاس، كما جرى تسويقه داخل إسبانيا، حاول أن يجعل من موجة الدخول الجماعي إلى سبتة قضية تكاد تكون ثنائية: المغرب في جهة، وسبتة وإسبانيا في الجهة الأخرى. أكثر من 80 ألف شخص، وفق الرقم الذي يردده المسؤول الإسباني، لا يمكن أن يدخلوا، في تقديره، «من دون علم المغرب أو موافقته». لكن الانتقال من الاستنتاج السياسي إلى الإثبات شيء آخر، ولم يقدم فيفاس في بروكسل ما يحول هذا الاتهام إلى حقيقة أوروبية معتمدة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية للخطاب الإسباني.

فإسبانيا تعرف المغرب جيداً. تعرفه من الحدود، ومن الهجرة، ومن التعاون الأمني، ومن محاربة الإرهاب، ومن التجارة، ومن الاستثمارات، ومن المصالح المرتبطة بموانئها وشركاتها، ومن العلاقات التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أوسع بكثير من ملف سبتة ومليلية. ولذلك فإن اختزال المغرب في صورة الدولة التي تضغط بالهجرة على مدينة إسبانية قد يكون مفيداً في الخطاب المحلي، لكنه أكثر صعوبة عندما يصل إلى بروكسل، حيث تُقرأ العلاقات بمنطق المصالح الأوروبية الأوسع.

فيفاس جاء إلى أوروبا طالباً موقفاً «واضحاً» بشأن اعتبار سبتة ومليلية جزءاً من إسبانيا وأوروبا، وطالب بتعزيز حضور الوكالات الأوروبية، وتحسين الوسائل الأمنية والتقنية على الحدود، وتسريع عمليات إعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة، خصوصاً القاصرين غير المصحوبين.

وطالب أيضاً بالتعامل مع مبلغ 115 مليون يورو الذي خصصته أوروبا لسبتة باعتباره جزءاً من معالجة آثار الأزمة.

كل ذلك يمكن تفهمه من زاوية المسؤول عن مدينة واجهت ضغطاً استثنائياً. لكن ما يصعب تمريره هو محاولة تحويل هذه المطالب إلى منصة لإدانة المغرب من دون تقديم الدليل الذي يجعل الاتهام قابلاً للتبني الأوروبي.

المشكلة أن الخطاب الإسباني لم يتوقف عند المؤسسات.

هناك إعلام، وحسابات على شبكات التواصل، ومسؤولون محليون، وأصوات سياسية تعيد تدوير الصور القديمة، وتربطها بأحداث جديدة، وتقدم للرأي العام الأوروبي رواية جاهزة عن المغرب. وفي كل مرة تحدث فيها أزمة هجرة في سبتة، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، وتعود معه الاتهامات نفسها تقريباً.

وهكذا تصبح الصورة أحياناً أقوى من الواقعة نفسها.

فيديو قديم يصبح دليلاً على حدث جديد، ومشهد من منطقة ما يُستخدم لإسناد رواية عن الحدود، وتغريدة سياسية تتحول في اليوم التالي إلى «معلومة» تتداولها حسابات أخرى. ثم يأتي المسؤول السياسي ليبني على هذا المناخ، فيصبح الإعلام والسياسة في دائرة مغلقة يعيد كل طرف فيها إنتاج رواية الآخر.

لكن المغرب، في هذه المرحلة، لا يبدو في عجلة من أمره للدخول في هذه الدائرة.

الرباط أمام استحقاق تشريعي، والبلاد منشغلة بانتخاباتها، وبحساباتها الداخلية، وبمعركة سياسية ومؤسساتية لها أولوياتها. الصحافة المغربية نفسها أمام موسم ثقيل؛ عليها أن تتابع الحملات والبرامج والمرشحين، وأن تراقب النقاش الداخلي، وأن تتعامل مع سيل من الأخبار والمواقف. وقد يكون من الصعب، وسط هذا كله، أن تمنح كل تغريدة إسبانية وكل تصريح محلي في سبتة المساحة التي يطلبها أصحابها.

وهذا بالضبط ما قد يزعج بعض الذين ينتظرون رداً مغربياً سريعاً.

إسبانيا جربت خلال السنوات الأخيرة مساحات مختلفة للضغط على المغرب: الدبلوماسية، والإعلام، وملف الهجرة، والخطاب المرتبط بسبتة ومليلية، وإعادة إنتاج النقاش حول الحدود، والاستناد إلى أزمات إنسانية وأمنية لتوسيع النقاش السياسي. وفي كل مرة كانت هناك محاولة لإبقاء المغرب داخل موقع الدفاع.

لكن المغرب تغير موقعه.

لم تعد الرباط تتعامل مع أوروبا من موقع الطرف الذي ينتظر الاعتراف أو القبول، بل من موقع دولة لها ملفاتها وشراكاتها ومصالحها وأوراقها، ولها أيضاً علاقاتها المتنامية مع قوى دولية وإقليمية متعددة.

وهذه النقطة ينبغي ألا تضيع وسط الصخب الإسباني.

المغرب بالنسبة إلى أوروبا ليس سبتة فقط، ولا الهجرة فقط. إنه جار جنوبي مباشر، وشريك أمني، وفاعل اقتصادي، وبوابة إلى إفريقيا، وطرف أساسي في قضايا الساحل والهجرة والطاقة والتجارة والاستثمار. وبالنسبة إلى إسبانيا تحديداً، فإن الجغرافيا تجعل العلاقة مع الرباط أكثر تعقيداً من أن تختصر في خطاب انتخابي صادر من سبتة.

قد ينجح فيفاس في الحصول على تعاطف سياسي في مدريد، وقد يجد آذاناً صاغية لبعض مطالبه في بروكسل، وقد تستمر بعض وسائل الإعلام الإسبانية في رفع سقف الاتهامات. لكن تحويل ذلك إلى إجماع أوروبي ضد المغرب يحتاج إلى أكثر من تكرار الرواية.

يحتاج إلى أدلة.

وهذه هي النقطة التي بقيت غائبة عن رحلة بروكسل.

ثم إن هناك مسألة أكبر من فيفاس نفسه. ماذا تريد بعض الدوائر الإسبانية فعلاً من المغرب؟

إذا كان الهدف هو معالجة الهجرة، فالتعاون هو الطريق. وإذا كان الهدف هو حماية سبتة، فإن التنسيق الأمني مع الدولة المجاورة التي تتحكم عملياً في الجانب الآخر من الحدود لا يمكن تعويضه بتصريحات سياسية. وإذا كان الهدف هو الحصول على دعم أوروبي إضافي، فهذا شأن إسباني وأوروبي. أما إذا تحولت الهجرة إلى أداة ضغط سياسي على الرباط، فهنا تصبح المسألة مختلفة تماماً.

المغرب ليس مضطراً إلى قبول القاعدة التي تحاول بعض الأصوات فرضها: أن كل أزمة على الحدود يجب أن تنتهي باعتذار مغربي أو دفاع مغربي أو رد مغربي.

أحياناً يكون عدم الدخول في اللعبة هو الموقف.

والرد لا يحتاج بالضرورة إلى أن يأتي في اليوم الذي ينتظره الخصم.

هناك فرق بين الصمت السياسي وبين غياب القدرة على الرد. المغرب الذي ينشغل اليوم بانتخاباته وبأجندته الداخلية لا يعني أنه لا يرى ما يحدث في الضفة الأخرى من المتوسط. الدبلوماسية لا تعمل دائماً أمام الكاميرات، والدول لا تكشف كل أوراقها في لحظة واحدة، خصوصاً عندما تكون الملفات مرتبطة بشراكات متعددة الأطراف.

ولذلك فإن الذين ينتظرون من الرباط أن تدخل في سجال يومي مع إعلام سبتة أو مع فيفاس قد ينتظرون طويلاً.

فالانتخابات التشريعية المغربية لها موعدها، والمؤسسات المغربية لها أجندتها، والمصالح الوطنية لها ترتيبها. أما أزمة سبتة، مهما حاول البعض تضخيمها، فلن تعيد المغرب إلى الصورة القديمة التي يريد بعض الخطاب الإسباني أن يراه فيها.

وحتى الصحافة المغربية، التي يبدو أحياناً أنها مطالبة بأن تجيب عن كل شيء، عليها أن تعرف أين تضع طاقتها. ليس مطلوباً منها أن تركض خلف كل حملة إعلامية تنطلق من سبتة أو مدريد، ولا أن تحول كل استفزاز إلى عنوان رئيسي. مهمتها الأصعب هي أن تميز بين ما يستحق الرد وما يريد فقط أن يستدرجها إلى الرد.

كان الله في عون الصحافة المغربية في هذا الموسم الانتخابي.

فهي مطالبة بأن تراقب السياسيين، وتقرأ البرامج، وتتابع الانتخابات، وتحاسب المؤسسات، وفي الوقت نفسه تتابع ما يصدر من الضفة الشمالية، حيث يبدو أن بعض الأصوات الإسبانية قررت أن تجعل من المغرب مادة انتخابية وإعلامية دائمة.

لكن المغرب ليس مضطراً إلى أن يجعل من إسبانيا محور أجندته.

قد تأتي الإجابة قريباً، وقد تأتي عبر القنوات التي لا تظهر في العناوين، وقد تأتي من ملف آخر غير الملف الذي يطلب فيفاس أن يكون محور العلاقة. ولا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة تسمح بالقول إن هناك «رداً مغربياً» محدداً جاهزاً أو أن الرباط اتخذت قراراً بعينه.

المؤكد فقط أن سقف المطالب الذي حمله فيفاس إلى بروكسل لم يتحول إلى الموقف الأوروبي الذي كان يريده.

أما المغرب، فهو مشغول الآن بانتخاباته.

وهذا، بالنسبة إلى الذين اعتادوا أن يكونوا هم من يحددون توقيت النقاش، قد يكون أكثر إزعاجاً من أي تصريح غاضب.