من «كلنا سبتة» إلى موانئ المغرب.. حملة في الليغا يقود خيطها رجل أعمال له مصالح بعشرات الملايين مع الرباط

0
118

في 11 شتنبر، ظهرت مبادرة جديدة حول سبتة في إسبانيا تحت اسم «Todos somos caballas». الجمعية التي أطلقتها لم تكن وزارة ولا حزباً سياسياً، وإنما Asociación Valenciana de Empresarios (AVE)، وهي شبكة لرجال الأعمال في منطقة فالنسيا، يرأسها رجل الأعمال الإسباني فيسنتي بولودا فوس.

الجمعية قالت إن المبادرة تهدف إلى التعبير عن التضامن مع سكان سبتة، وإلى نقل رسالة «التضامن والقرب والتماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا»، ودعت رجال الأعمال والمواطنين إلى نشرها عبر الوسمين #TodosSomosCaballas و#EmpresariosConCeuta.

“Todos somos caballas”: AVE muestra su solidaridad y compromiso con Ceuta

بعد أربعة أيام فقط، انتقلت العبارة من صفحات جمعية رجال الأعمال إلى أرضية الدوري الإسباني.

في 15 شتنبر، ظهر لاعبو إلتشي وريال مدريد قبل مباراة الفريقين في ملعب مانويل مارتينيز فاليرو بقميص يحمل «Todos somos caballas». وتكررت المبادرة في مباريات أخرى، بينها مباراة فياريال وريال بيتيس، حيث ارتدى اللاعب المغربي عبد الصمد الزلزولي القميص نفسه، قبل أن يوضح لاحقاً أن المشاركة، من وجهة نظره، كانت تضامناً مع سكان سبتة وليست ذات هدف سياسي.

الصورة التي وصلت إلى ملايين مشاهدي الليغا تبدو، في ظاهرها، حملة تضامن اجتماعي. لكن عبارة «التماسك الترابي» التي استخدمتها الجهة صاحبة المبادرة تمنحها معنى أوسع في حالة مدينة توجد في قلب خلاف مغربي إسباني قديم حول السيادة.

وهنا يبدأ الخيط الذي يستحق التتبع.

فالجهة التي أطلقت الحملة هي AVE، ورئيسها فيسنتي بولودا فوس ليس اسماً عابراً في الاقتصاد الإسباني. الموقع الرسمي لمجموعته يعرّفه رئيساً تنفيذياً ومساهمًا وحيداً في Boluda Corporación Marítima، كما يرأس الجمعية نفسها إلى جانب مواقع أخرى في القطاع البحري ورجال الأعمال الإسبان.

والأهم بالنسبة إلى المغرب أن بولودا لا يدير أعمالاً بعيدة عن الضفة الجنوبية للمضيق.

مجموعة Boluda موجودة في النشاط المينائي المغربي منذ سنوات. مجلس المنافسة المغربي وثّق في يوليوز 2025 إنشاء منشأة مشتركة بين Marsa Maroc وBoluda Towage France لتقديم خدمات القطر والمساعدة البحرية حصرياً في ميناء الناظور غرب المتوسط، وعرّف الشركة الفرنسية باعتبارها تابعة لـBoluda Corporación Marítima، التي كانت تدير أكثر من 600 سفينة في 148 ميناء عبر 50 دولة.

في الناظور، لا يتعلق الأمر بحضور عابر. المشروع الذي جمع Marsa Maroc وBoluda يتعلق بنشاط مينائي أساسي داخل ميناء استراتيجي جديد، فيما تُظهر الوثائق المنشورة من Marsa Maroc أن الشركة المغربية تملك 49 في المائة من West Med Towage، مقابل 51 في المائة للطرف المرتبط بـBoluda. كما أدرجت Marsa Maroc هذه الشراكة ضمن توسعها الدولي.

ثم جاءت صفقة أكبر حجماً.

في دجنبر 2025 أعلنت Marsa Maroc وBoluda Corporación Marítima اتفاقاً تستحوذ بموجبه شركة Marsa Maroc International Logistics، التابعة للمجموعة المغربية، على 45 في المائة من Boluda Maritime Terminals مقابل 80 مليون أورو. وتقول Marsa Maroc إن العملية توسع نطاق حضورها إلى الضفتين الشمالية والجنوبية لمضيق جبل طارق.

وفي التقرير السنوي لسنة 2025، أصبحت النسبة ظاهرة ضمن محفظة مساهمات Marsa Maroc: 45 في المائة في Boluda Maritime Terminals، إلى جانب 49 في المائة في West Med Towage.

هذه الأرقام تضع القصة في مكان مختلف.

فنحن لا نتحدث عن رجل أعمال إسباني يملك موقفاً من سبتة فحسب، ولا عن شركة إسبانية لها نشاط تجاري محدود في المغرب. نحن أمام علاقة اقتصادية ممتدة بين مجموعة بولودا ومشغل موانئ مغربي كبير، تشمل نشاط القطر في الناظور، ثم مساهمة رأسمالية بقيمة 80 مليون أورو في شركة تابعة لمجموعة بولودا.

وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى طبيعة الشريك المغربي.

بيانات بورصة الدار البيضاء تظهر أن Tanger Med Dev Log تملك 35 في المائة من Marsa Maroc، بينما تملك الدولة المغربية مباشرة 25 في المائة من رأسمال الشركة، إلى جانب مساهمين مؤسساتيين آخرين.

بالتالي، فإن العلاقة التجارية بين بولودا والمغرب لا تمر عبر شركة خاصة مجهولة الصلة بالقطاع العام. إنها علاقة مع أحد أكبر مشغلي الموانئ في المملكة، ذي مساهمة للدولة المغربية بنسبة 25 في المائة، ومرتبط بمنظومة طنجة المتوسط.

وفي الوقت نفسه، يرأس صاحب مجموعة بولودا جمعية رجال أعمال اختارت، في سبتمبر 2026، إطلاق حملة عامة حول سبتة، قبل أن تنتقل الحملة إلى ملاعب الليغا.

هذا هو الجزء الذي يمكن إثباته بالوثائق.

أما ما لا يمكن الجزم به من هذه المعطيات فهو أكثر أهمية من أن يُملأ بالافتراضات.

لا توجد في الوثائق المتاحة التي تم التحقق منها أدلة تثبت أن الاستثمارات المغربية لبولودا كانت مرتبطة بالحملة، أو أن قرارات شركاته التجارية صيغت على أساس موقف سياسي من المغرب. ولا توجد، في المصادر التي جرى الرجوع إليها، وثيقة تثبت أن بولودا شخصياً أصدر توجيهاً للشركات التابعة له لاتخاذ موقف ضد المملكة.

المؤكد هو التزامن وازدواج المواقع: رجل أعمال له مصالح تجارية كبيرة في المغرب، ويرأس في الوقت نفسه جمعية أطلقت مبادرة ذات مضمون يتعلق بـ«التماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا» في ملف سبتة.

وهذا يفتح سؤالاً أكثر دقة من اتهام جاهز.

كيف تتعامل الشركات والمؤسسات المغربية مع مخاطر الحوكمة والسمعة عندما يكون الشريك الأجنبي نفسه فاعلاً مؤثراً داخل شبكة رجال الأعمال في بلده، وتتحول إحدى المؤسسات التي يقودها إلى طرف في نقاش سياسي حساس بالنسبة إلى المغرب؟

السؤال لا يتعلق فقط ببولودا.

إنه يتعلق أيضاً بالقواعد التي تحكم العلاقة بين رأس المال والسياسة عندما يعمل رأس المال نفسه على جانبي الحدود.

Marsa Maroc تقول إن تحالفها مع Boluda جزء من استراتيجية التوسع الدولي، وإن الصفقة الخاصة بـBoluda Maritime Terminals ستمنح المجموعة المغربية حضوراً أوسع على ضفتي المضيق.

وهذا منطق تجاري واضح.

لكن السياسة لا تتوقف دائماً عند حدود العقود. ولهذا يصبح من المشروع، من زاوية الحكامة، السؤال عما إذا كانت اتفاقيات الشراكة تتضمن آليات للتعامل مع تضارب المصالح أو المخاطر السياسية والسمعة، وما إذا كانت اتفاقيات المساهمين في الشركات المشتركة تتناول حالات النزاع التي قد تتجاوز المجال التجاري.

لا تظهر هذه التفاصيل في البيانات العامة المنشورة التي أمكن التحقق منها.

أما الحملة نفسها فقد حققت شيئاً لا يحتاج إلى تفسير طويل: خرجت من بيان جمعية رجال أعمال في فالنسيا يوم 11 شتنبر، ثم ظهرت بعد أيام على قمصان لاعبي أندية في الدوري الإسباني، ووصلت إلى صور ريال مدريد وفياريال وريال بيتيس وغيرها.

ومن هنا تصبح الوثيقة الأهم في هذه القصة ليست القميص وحده، ولا الصفقة وحدها.

إنها المسافة القصيرة التي قطعتها عبارة سياسية في معناها الإسباني، من مؤسسة رجال أعمال إلى واحدة من أكثر المنصات الرياضية انتشاراً في البلاد، بينما رئيس المؤسسة نفسها شريك تجاري في منظومة موانئ مغربية تمتد مصالحها من طنجة إلى الناظور.

ما إذا كان ذلك مجرد تزامن بين مسارين مختلفين، أم أنه يفرض على الجانب المغربي قراءة أوسع لمخاطر الشراكات العابرة للحدود، تظل مسألة مفتوحة على الوثائق والعقود وردود الأطراف المعنية.

وهنا تحديداً يبدأ التحقيق التالي: ماذا تقول اتفاقيات الشراكة نفسها عن تضارب المصالح، وحقوق الاعتراض، والخروج من الاستثمار، وتسوية النزاعات عندما تتداخل التجارة مع السياسة؟