الاتحاد الاشتراكي الذي يعرفه محمد الداودي.. حين يصطدم تاريخ الحزب بواقع الانتخابات

0
115

هناك نصوص انتخابية تنتهي بانتهاء الحملة، وهناك نصوص تفتح بعد الانتخابات سؤالاً أكبر من نتائج الصناديق. نص محمد الداودي، الذي اختار له عنواناً شديد الدلالة: «الاتحاد الاشتراكي الذي أعرفه والذي لا أعرفه»، ينتمي إلى النوع الثاني.

فالداودي لا يكتب عن حزب يعرفه من الخارج، ولا عن تجربة سياسية قرأ عنها في الكتب أو تابعها من بعيد. هو يتحدث عن مرحلة كان فيها عضواً ومسؤولاً محلياً ووطنياً داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعن سنوات اشتغل خلالها في العيون داخل بيئة سياسية واجتماعية يعتبرها شديدة الحساسية. ولذلك فإن قيمة شهادته لا تأتي فقط من موقفه الحالي، وإنما من المفارقة التي يبني عليها مقاله كله: الرجل الذي غادر الاتحاد تنظيمياً يقول إنه لم يغادر المدرسة الاتحادية، ثم عاد إليها من باب حملة انتخابية، ليكتشف، بحسب وصفه، أن الحزب الذي عرفه لم يعد هو الحزب الذي وجده.

هذه ليست مجرد حكاية انسحاب قديم وعودة مؤقتة. إنها محاولة من محمد الداودي لقياس المسافة التي تفصل بين الحزب باعتباره مدرسة سياسية، والحزب باعتباره تنظيماً انتخابياً.

والفارق بين الأمرين هو جوهر مقاله.

من صداقة المرشح إلى امتحان الحزب

بدأت الحكاية، كما يرويها الداودي، من ترشح صديقه محمد مولود الكيرع باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. بالنسبة إليه، لم يكن هذا الترشيح مجرد مناسبة انتخابية عابرة، بل كان سبباً أعاده عملياً إلى مساحة كان قد ابتعد عنها تنظيمياً لسنوات.

الداودي يقول بوضوح إن الضرورة، والصداقة، والمحبة، والإيمان بقدرة الشاب المرشح على تقديم قيمة مضافة للمشهد السياسي، دفعته إلى الانخراط إلى جانبه.

لكن ما يهم في شهادته هو أنه لم يعد إلى الاتحاد من موقع الباحث عن موقع أو عودة تنظيمية. عاد، كما يروي، من موقع مختلف: موقع رجل يحمل ذاكرة سياسية كاملة، ويضع تلك الذاكرة في مواجهة ممارسة حزبية معاصرة.

وهذا ما يجعل تجربته الانتخابية أكثر من مجرد دعم لصديق.

لقد دخل حملة انتخابية، لكنه وجد نفسه أمام سؤال أقدم: ما الذي يبقى من الحزب عندما تتغير الأجيال، وتتغير اللغة، وتتغير طريقة إدارة الانتخابات؟

محمد الداودي لا يدافع عن الماضي فقط

قد يكون من السهل قراءة كلام الداودي باعتباره حنيناً إلى زمن سياسي مضى. لكنه يقدم في مقاله شيئاً أكثر تعقيداً من الحنين.

فهو يتحدث عن عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الرحمن اليوسفي، ونوبير الأموي، ومحمد الساسي، ليس لكي يستعيد أسماء تاريخية فحسب، وإنما لكي يضع معياراً يقيس به معنى الانتماء السياسي.

في نظره، المدرسة الاتحادية التي عرفها لم تكن مجرد بطاقة عضوية أو لون انتخابي. كانت طريقة في التفكير، وموقفاً من السياسة، واستقلالية في الاختيار، وعلاقة مختلفة بين المناضل والحزب والمجتمع.

وهذا هو السبب الذي يجعل عبارته الأخيرة: «هذا الاتحاد الاشتراكي الحالي لا أعرفه، ولست منه وليس مني» أكثر من عبارة غضب.

إنها، في بنيتها العميقة، قطيعة سياسية مع تصور معين للحزب.

فالداودي لا يقول إنه لم يعد يعرف الأشخاص فقط، وإنما يقول إنه لم يعد يتعرف على الثقافة السياسية التي يرى أنها كانت تمنح الاتحاد الاشتراكي معناه.

من القبيلة إلى الحزب.. معركة الخطاب قبل أن تكون معركة الصندوق

واحدة من أهم النقاط التي تستحق التوقف عندها في شهادة الداودي هي حديثه عن إدارة الخطاب الانتخابي في العيون.

هو يقول إنه لم يجد صعوبة في صياغة خطاب الحملة لأنه، بحسب تعبيره، ابن المدرسة الاتحادية. لكنه يذهب أبعد من ذلك حين يقول إنه حاول فرض صيغة تجعل الخطاب السياسي يتجاوز الشعارات المبنية على القبيلة والعشيرة، نحو خطاب يجعل الحزب نفسه إطاراً سياسياً قادراً على جمع مكونات اجتماعية مختلفة.

هذه النقطة تكشف شيئاً مهماً في تجربته.

فالداودي لا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد عملية جمع أصوات. بالنسبة إليه، الانتخابات أيضاً اختبار للخطاب السياسي.

هل يخاطب الحزب المواطن باعتباره مواطناً؟ أم يخاطبه باعتباره عضواً في جماعة اجتماعية أو قبلية؟

هل الحزب هو الذي يجمع الناخبين حول فكرة وبرنامج؟ أم أن المرشح هو الذي يحتاج إلى شبكات اجتماعية سابقة على الحزب كي يصل إلى البرلمان؟

وهذا السؤال يتجاوز الاتحاد الاشتراكي وحده.

إنه سؤال مطروح على الحياة الحزبية المغربية كلها، خصوصاً في الدوائر التي تتداخل فيها السياسة مع البنية الاجتماعية والعائلية والقبلية.

ولهذا يعتقد الداودي أنه نجح، أو على الأقل قطع شوطاً، في نقل خطاب الحملة من منطق القبيلة والعشيرة إلى منطق الحزب والفكرة.

وهذه في حد ذاتها رسالة موجهة إلى السياسيين: إذا كان الحزب لا يستطيع أن يكون بديلاً سياسياً عن العلاقات الاجتماعية التقليدية، فما الذي يبقى من وظيفته؟

اللحظة التي تغير فيها كل شيء

لكن نقطة التحول الأساسية في شهادة محمد الداودي لم تكن داخل تجمع انتخابي، وإنما في مقر الحزب المركزي بالرباط.

يحكي أنه انتقل من العيون إلى الرباط بتكليف رسمي لجلب التزكيات الحزبية الخاصة بمرشحي الجهة. كان يتوقع، كما يقول، إجراءً إدارياً عادياً: وضع الملفات، الانتظار، ثم تسلم التزكيات.

لكن ما حدث، بحسب روايته، جعله يعيد النظر في صورة الحزب التي يحملها.

يقول إن الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، أراد لقاءه شخصياً، وأبلغه أنه سيتكفل بتسليم التزكيات لشخصية أخرى في حزب آخر، وطلب منه أن يبلغ تلك الشخصية بأنه يريد رؤيتها.

لا يقدم الداودي هذه الواقعة كحادث إداري عابر. هو يضعها داخل ذاكرته السياسية، ويقول إن اللحظة كانت كافية لكي يشعر بأنه أمام اتحاد اشتراكي مختلف عن الاتحاد الذي عرفه.

والأهم أنه يروي الواقعة من موقع الرجل الذي وجد نفسه فجأة بين الذاكرة السياسية والممارسة الحزبية اليومية.

فالمشكلة، في قراءته، لم تكن في التزكية وحدها، ولا في الشخص الذي طُلب منه التواصل معه. المشكلة كانت في المعنى الذي حملته الواقعة بالنسبة إليه.

وهنا يصبح المقال أكثر حساسية: لأن محمد الداودي لا يقدم وثيقة إدانة إدارية، وإنما يقدم تجربة شخصية يقرأ من خلالها تحولاً في الثقافة الحزبية.

وهذا فرق يجب الحفاظ عليه صحافياً.

ما يرويه الداودي هو شهادته وتفسيره لما حدث، وليس حكماً قضائياً على الواقعة ولا حقيقة عامة يمكن تعميمها على كل أعضاء الحزب.

«الدكان السياسي».. العبارة التي تختصر غضب المقال

أقسى ما في نص محمد الداودي هو توصيفه للاتحاد الاشتراكي الحالي باعتباره، بحسب تعبيره، أقرب إلى «دكان سياسي انتخابي»، وإلى «ماكينة مصالح» تغير معها الحس النضالي إلى ما يسميه «زبائن مصالح وترضيات».

هذه ليست عبارة تفصيلية في المقال؛ إنها مركز غضبه.

فالداودي يرى أن الخطر لا يبدأ عندما يخسر الحزب مقعداً انتخابياً، وإنما عندما يفقد، في نظره، المعنى الذي يجعل الانتماء إليه اختياراً سياسياً وفكرياً، لا مجرد وسيلة للوصول إلى موقع انتخابي.

وهنا تتحول المسألة من نقد حزب إلى سؤال عن الأحزاب نفسها:

ما الذي يجعل المواطن ينتمي إلى حزب؟

هل البرنامج؟

هل المرجعية الفكرية؟

هل التاريخ؟

هل الأشخاص؟

أم القدرة على الوصول إلى التزكية والمقعد والنفوذ؟

إذا أصبحت الانتخابات هي الغاية، ماذا يبقى من الحزب بين انتخاب وآخر؟

وإذا أصبح المرشح أقوى من التنظيم، فهل ما زلنا أمام حزب سياسي بالمعنى الكامل للكلمة، أم أمام شبكة انتخابية تستخدم اسم الحزب ومرجعيته؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها الداودي نظرياً. هو يتركها داخل تجربته، وهذا بالضبط ما يمنحها قيمتها الصحافية.

الاتحاد في انتخابات 2026.. الرقم يضيف طبقة جديدة إلى الشهادة

جاءت شهادة الداودي في لحظة انتخابية لا يمكن فصلها عن نتائج 23 شتنبر 2026.

فالنتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية أبقت حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، بينما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً. وأكدت وزارة الداخلية أن النتائج النهائية طابقت النتائج العامة المؤقتة التي أعلنت بعد الاقتراع.

والكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، وصف نتيجة الحزب بأنها تمثل تراجعاً عن النتائج السابقة، معتبراً أن الحزب سيتعامل معها داخل مؤسساته.

لا يمكن، بطبيعة الحال، تحويل شهادة محمد الداودي إلى تفسير كامل لهذه النتيجة. الانتخابات أكثر تعقيداً من تجربة حملة واحدة، والنتائج تصنعها عوامل متعددة: المرشحون، الدوائر، التحالفات، التنظيم، الخطاب، المنافسة، المشاركة، والسياقات المحلية.

لكن شهادة الداودي تضع أمام الاتحاد سؤالاً لا علاقة له بعدد المقاعد وحده:

هل المشكلة في قوة الحزب الانتخابية، أم في صورة الحزب داخل المجتمع، أم في الاثنين معاً؟

ذلك أن الحزب يمكن أن يربح مقاعد ويخسر جزءاً من هويته، كما يمكن أن يخسر مقاعد ويظل محتفظاً بمرجعيته. والخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح التراجع الانتخابي متزامناً مع شعور جزء من أبناء المدرسة السياسية نفسها بأن الحزب لم يعد يشبه ما كان عليه.

الرسالة ليست فقط إلى الاتحاد

القراءة الدقيقة لنص الداودي تكشف أن رسالته لا تتوجه إلى الاتحاد الاشتراكي وحده.

هناك رسالة إلى السياسيين: لا يكفي أن تحمل اسم حزب تاريخي كي ترث تلقائياً رصيده الرمزي.

وهناك رسالة إلى المسؤول الحزبي: طريقة تدبير التزكيات والمرشحين والانتخابات ليست مجرد تفاصيل تنظيمية؛ فهي تكشف للممارسين والمرشحين ما إذا كان الحزب لا يزال يؤمن بمنطق المؤسسة أم أصبح محكوماً بمنطق العلاقات والمصالح.

وهناك رسالة إلى المجتمع: لا ينبغي اختزال السياسة في الأشخاص والعائلات والقبائل والشبكات الانتخابية، لأن ذلك يفرغ الحزب من وظيفته الأساسية باعتباره إطاراً لإنتاج الأفكار والبرامج والبدائل.

وهناك رسالة، ربما هي الأهم، إلى الأجيال الجديدة: التاريخ الحزبي ليس ديكوراً يوضع خلف المنصة الانتخابية. إما أن يكون له أثر في السلوك السياسي، أو يتحول إلى مجرد ذاكرة تستخدم في المناسبات.

ما الذي يعنيه أن يغادر المناضل الحزب ولا تغادره المدرسة؟

هذه هي المفارقة الأكثر قوة في نص محمد الداودي.

لقد غادر التنظيم، كما يروي، لكنه لم يغادر المدرسة الاتحادية. وعندما عاد إلى الحملة الانتخابية، وجد نفسه يحاول، بحسب شهادته، إعادة شيء مما يعتبره خطاباً أصيلاً إلى التجمعات واللقاءات.

أي أن التنظيم بقي في مكان، بينما بقيت الفكرة في مكان آخر.

وهذا يفتح سؤالاً استراتيجياً أكبر من الاتحاد الاشتراكي:

هل يمكن للفكرة السياسية أن تعيش خارج التنظيم الذي أنشأها؟

وهل يمكن لحزب أن يحتفظ باسمه التاريخي بينما تتحول الثقافة السياسية داخله إلى شيء آخر؟

ثم ماذا يحدث عندما يصبح أبناء المدرسة السياسية السابقة خارج التنظيم، بينما يوجد داخل التنظيم جيل جديد لا يحمل بالضرورة الذاكرة نفسها؟

هل المشكلة في الأجيال الجديدة لأنها لا تعرف التاريخ؟ أم أن المشكلة في الأحزاب لأنها لم تنجح في نقل تاريخها إلى أجيالها الجديدة بوصفه ثقافة سياسية حية؟

انتخابات تنتهي.. وأسئلة لا تنتهي

انتهت انتخابات 23 شتنبر، وتوزعت المقاعد، وبدأت مرحلة جديدة من الحسابات السياسية والمؤسساتية. لكن نص محمد الداودي يقول، بطريقة مختلفة، إن الانتخابات لا تنتهي فعلاً بإعلان النتائج.

هناك انتخابات أخرى تجري داخل الأحزاب نفسها: انتخاب المعنى، والهوية، والمرجعية، وطريقة ممارسة السياسة.

وإذا كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة قد أعادت ترتيب الخريطة البرلمانية، فإن شهادة الداودي تضع أمام الأحزاب سؤالاً موازياً: ماذا تفعل لكي تعيد ترتيب علاقتها بالمجتمع؟

في النهاية، لا يقول محمد الداودي إنه نادم على مشاركته في حملة صديقه. بالعكس، يؤكد أنه غير نادم، لأنه يرى أنه ساهم في الدفاع عن خطاب سياسي يعتبره أصيلاً، وأن مشاركته كانت بالنسبة إليه وفاءً لقناعة وليس عودة إلى التنظيم.

لكن المفارقة التي يبني عليها نصه تبقى قائمة:

عاد إلى الاتحاد من أجل مرشح، فوجد نفسه أمام سؤال الحزب.

عاد ليخوض معركة انتخابية، فخرج منها بمعركة حول معنى الانتماء السياسي.

عاد إلى تنظيم غادره منذ سنوات، فاكتشف، بحسب شهادته، أن المسافة لم تعد بينه وبين الحزب فقط، بل بين الاتحاد الذي يتذكره والاتحاد الذي وجده.

ولهذا فإن عبارة «هذا الاتحاد الاشتراكي الحالي لا أعرفه، ولست منه وليس مني» لا تبدو في نهاية مقاله مجرد خاتمة غاضبة. إنها خلاصة مسار كامل: رجل غادر التنظيم، لكنه ظل يحمل مدرسته؛ ثم عاد إلى التنظيم من باب الانتخابات، ليقول إن المدرسة، في نظره، لم تعد هي التي وجدها.

ويبقى السؤال الذي يتركه محمد الداودي مفتوحاً، ولا يجيب عنه نيابة عنه:

هل يستطيع الاتحاد الاشتراكي أن يستعيد المسافة بين اسمه وتاريخه من جهة، وممارسته السياسية والانتخابية من جهة أخرى؟ أم أن الزمن الحزبي الجديد فرض على الحزب أن يصبح شيئاً آخر، وأن ما يراه الداودي فقداناً للهوية يراه آخرون مجرد تكيف مع شروط السياسة الحديثة؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يجعل شهادة محمد الداودي تتجاوز تجربته الشخصية، وتتحول إلى نقاش حول مستقبل الحزب، ومعه مستقبل فكرة الحزب السياسي نفسها في المغرب.