من خطاب المظلومية إلى امتحان البرلمان.. محمد الداودي يسأل: هل يصمد الخطاب الانتخابي أمام واقع التدبير؟

0
90

بقلم محمد الداودي
قراءة تحليلية في خطاب المظلومية والهجوم اللفظي كأداة لحصد الصوت الانتخابي

يضع محمد الداودي يده على واحدة من أكثر النقاط حساسية في السياسة الانتخابية: العلاقة بين ما يشعر به الناس من مظلومية اجتماعية واقتصادية، وبين الخطاب السياسي الذي ينجح في تحويل هذا الشعور إلى طاقة انتخابية. الفكرة التي ينطلق منها الداودي ليست أن الجمهور يصدق كل ما يقال له، وإنما أن الخطاب الذي يلامس إحساساً متراكماً بالحرمان أو عدم الإنصاف يستطيع، في لحظة انتخابية، أن يصبح أكثر تأثيراً من خطاب الأرقام والبرامج والتدبير.

ويستحضر الداودي في هذا الإطار كتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير»، لا باعتباره وصفة جاهزة لفهم الناخب، وإنما مدخلاً لفهم قوة الخطاب حين يخاطب الانفعال الجماعي. فالناخب، حين يشعر بأن هناك مسافة بين ما يراه من ثروة أو فرص أو نفوذ وبين ما يحصل عليه هو في حياته اليومية، يصبح أكثر قابلية للتفاعل مع خطاب يقول له إن مشكلته ليست في تعقيد الاقتصاد ولا في محدودية الموارد ولا في صعوبة تدبير المجال، وإنما في وجود آخرين يستفيدون بدلاً منه.

هذه النقطة بالذات هي التي يريد الداودي نقلها من مستوى الخطاب الانتخابي إلى مستوى السؤال الاجتماعي الأكبر.

فالأقاليم الصحراوية، رغم ما عرفته لعقود من استثمارات وبرامج عمومية ومشاريع تنموية، لا يمكن اختزال تجربتها الاجتماعية في حجم الأموال التي صرفت أو عدد المشاريع التي أنجزت. السؤال الأكثر صعوبة هو: ما الذي وصل فعلاً إلى المواطن؟ وما الذي تحول إلى فرص شغل وإنتاج ودخل مستدام وخدمات عمومية وتحسين فعلي في شروط الحياة؟

ومن هذه الزاوية، تصبح المظلومية الانتخابية أكثر تعقيداً. لأنها لا تولد بالضرورة من فراغ، كما أنها لا تعني بالضرورة أن كل ما يقال باسمها صحيح. هناك فرق بين وجود اختلالات حقيقية تستحق المساءلة، وبين تحويل هذه الاختلالات إلى مادة سياسية تستثمر في الغضب وتختزل أسبابها في أشخاص أو خصوم انتخابيين.

وهنا يلتقط محمد الداودي ظاهرة أخرى أكثر تركيباً: ظهور نخب محلية تتقاطع داخلها الانتماءات الحزبية والقبلية والجمعوية والنقابية والعائلية، بحيث يصبح من الصعب أحياناً تحديد الحدود الفاصلة بين العمل السياسي والعمل الاجتماعي والمصلحة الشخصية والحضور الانتخابي.

هذه ليست ملاحظة خاصة بمدينة أو بمرشح بعينه، بقدر ما هي سؤال حول طبيعة النخب المحلية نفسها: هل نحن أمام نخب تصنع التنمية وترافع عنها داخل المؤسسات، أم أمام نخب تنشط أساساً عندما تقترب الانتخابات أو عندما تظهر مناسبة وطنية تسمح بإعادة إنتاج الحضور السياسي والاجتماعي؟

الداودي يرى أن جزءاً من التصويت الذي حصل عليه مرشح معين يمكن قراءته من هذه الزاوية. فقد سبق الحملة الانتخابية بخطاب ركز على المظلومية والفساد والبقع الأرضية و«الكارطيات» وأموال التنمية البشرية، مع الحديث، بحسب ما أورده الداودي، عن امتلاك معطيات وبيانات تؤيد هذه الاتهامات.

وهنا ينتقل المقال من تحليل الخطاب إلى مساءلة منطقه.

إذا كانت المعطيات موجودة فعلاً، وإذا كانت الاتهامات تتعلق بأفعال قد تكون موضوعاً للمساءلة القانونية، فلماذا لا تنتقل هذه المعطيات من المنصة الانتخابية إلى المؤسسات المختصة؟

هذا السؤال هو جوهر قراءة محمد الداودي. فهو لا يناقش فقط صحة الاتهامات أو عدم صحتها، وإنما يختبر جدية الخطاب نفسه. لأن دولة المؤسسات تفترض أن الاتهام لا ينتهي بالتصفيق في تجمع انتخابي، وإنما يبدأ، إذا كان جدياً ومدعوماً بالأدلة، عند المؤسسة المخولة بالتحقيق والمساءلة.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن تظل مفتوحة: هل كان الهجوم جزءاً من خطاب انتخابي وظيفته تعبئة الغاضبين، أم أنه كان خطاب مساءلة سياسية سيستمر داخل البرلمان؟

السؤال مهم خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية سبق لها أن مارست المسؤولية الانتخابية والتنفيذية. فالترشح البرلماني لا يبدأ يوم إعلان النتائج، والتجربة السابقة لا تختفي بمجرد تغيير اللون الحزبي. تاريخ المنتخب في البرلمان والجماعة والمجالس المحلية يصبح جزءاً من الرصيد الذي سيحاسبه عليه الرأي العام.

وهذا ما يجعل محمد الداودي يستحضر تجربة حسن الدرهم السابقة، سواء في البرلمان أو في رئاسة جماعة المرسى، ويضعها في مواجهة الخطاب الجديد.

فالداودي لا يكتفي بالسؤال عما قيل أثناء الحملة، بل يعود إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا تحقق عندما كان صاحب الخطاب نفسه في موقع المسؤولية؟

وهذه النقلة مهمة صحافياً وسياسياً. لأن تقييم الخطاب السياسي لا يمكن أن يعتمد فقط على قوة العبارات التي تقال أمام الجماهير، بل يحتاج إلى مقارنة الكلام بالسجل العملي. ماذا طالب المنتخب عندما كان في المعارضة؟ ماذا فعل عندما أصبح في موقع المسؤولية؟ ماذا تغير في المجال الذي كان يدبره؟ وما الملفات التي حملها إلى البرلمان؟ وما الذي بقي مجرد مواقف انتخابية؟

لا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على تجربة شخص بعينه، وإنما بوضع قاعدة بسيطة أمام الخطاب السياسي: من يطالب الآخرين بتقديم الحساب يجب أن يقبل بأن يُقرأ حسابه هو أيضاً.

وقد عاد حسن الدرهم فعلاً إلى البرلمان بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، محققاً المقعد الثاني في دائرة العيون بـ19,526 صوتاً، وفق نتائج منشورة عقب الاقتراع.

وهنا تبدأ المرحلة التي يرى محمد الداودي أنها ستكون أكثر أهمية من الحملة نفسها.

فالخطاب الذي نجح في الوصول إلى الناخبين أصبح الآن أمام مؤسسة لها قواعد مختلفة. البرلمان ليس تجمعاً انتخابياً، والنائب لا يواجه جمهوراً يبحث فقط عن التعبير عن غضبه، بل يواجه ملفات وأرقاماً وقوانين ووزارات ومؤسسات وموازنات وأسئلة كتابية وشفوية ولجاناً ومساءلة سياسية.

ولهذا فإن السؤال الذي يتركه الداودي مفتوحاً يتجاوز شخص حسن الدرهم إلى طبيعة العمل السياسي نفسه:

هل سينتقل خطاب المظلومية إلى خطاب تشريعي؟

إذا كانت هناك اختلالات في الأراضي، فهل ستتحول إلى أسئلة برلمانية موثقة؟

إذا كانت هناك اختلالات في برامج التنمية البشرية، فهل ستظهر في طلبات المعلومات والمساءلة والاقتراحات التشريعية؟

إذا كان هناك فساد أو تبديد أو تلاعب كما يوحي الخطاب الانتخابي، فهل ستوضع المعطيات أمام المؤسسات المختصة؟

وإذا كان المواطن يشعر بأن ثمار التنمية لا تصل إليه، فهل سيقدم النائب تصوراً اقتصادياً واجتماعياً يشرح كيف يمكن الانتقال من منطق المطالبة بالنصيب إلى منطق خلق الثروة وفرص الشغل والإنتاج؟

هنا يصل تحليل محمد الداودي إلى النقطة الأكثر عمقاً في النص: مشكلة الريع ليست فقط في وجود المستفيدين منه، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الريع نفسه إلى مطلب سياسي.

حين يصبح الخطاب قائماً على فكرة أن فئة معينة حُرمت من «حقها» في الامتياز أو الاستفادة، من دون أن يكون النقاش موجهاً نحو بناء اقتصاد منتج، فإن خطاب الاحتجاج قد ينتهي paradoxalement إلى الدفاع عن المنظومة التي ينتقدها.

بمعنى آخر، يمكن أن تتحول المظلومية من أداة لمساءلة الاختلال إلى وسيلة للمطالبة بحصة داخل الاختلال نفسه.

وهذا سؤال اقتصادي قبل أن يكون انتخابياً: هل المطلوب هو إعادة توزيع الريع، أم بناء اقتصاد يقلل الحاجة إلى الريع أصلاً؟

الأقاليم الجنوبية تحتاج، في هذا المستوى، إلى نقاش يتجاوز من استفاد ومن لم يستفد، ومن يملك ومن لا يملك. التنمية المستدامة تقاس بقدرة المجال على خلق اقتصاد منتج، ومقاولات، ووظائف مستقرة، وتكوين مهني، واستثمار خاص، وربط الشباب بسوق العمل، وتحويل الموقع الجغرافي والموارد والإمكانات إلى قيمة مضافة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ومن هذه الزاوية، تصبح الانتخابات اختباراً لا للقدرة على جمع الأصوات فقط، وإنما للقدرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى سياسات عمومية.

فالخطاب الشعبوي، كما يقرأه الداودي، يستطيع أن يحقق مكاسب سريعة لأنه يختصر العالم في صورة بسيطة: هناك مظلوم وهناك مسؤول عن المظلومية. لكنه يصطدم لاحقاً بتعقيد الواقع؛ فالاقتصاد لا يعمل بالهتاف، والتنمية لا تُنجز بالاتهامات، والمؤسسات لا تشتغل بمنطق الحشد الانتخابي.

وهنا أيضاً تكمن أهمية تجربة حسن الدرهم الجديدة. فالرجل الذي سبق أن مارس العمل البرلماني والتنفيذي عاد هذه المرة إلى المؤسسة التشريعية بألوان حزب التقدم والاشتراكية، بعد غياب عن انتخابات 2021، وفق ما أوردته مصادر صحافية عند الإعلان عن ترشيحه.

أمام هذا المسار، لن يكون السؤال فقط: كيف استطاع أن يعود؟

السؤال الأهم هو: ماذا سيفعل بهذه العودة؟

هل سيحمل معه إلى البرلمان اللغة نفسها التي خاطب بها الجماهير؟

هل ستتحول الملفات التي كانت جزءاً من حملته إلى ملفات تشريعية ورقابية؟

هل سيضع الاتهامات التي تحدث عنها أمام المؤسسات؟

وهل سيقدم بديلاً عن الواقع الذي انتقده، أم سيظل الخطاب قائماً على تحديد المسؤول عن الأزمة أكثر من تقديم تصور للخروج منها؟

محمد الداودي لا يقدم في نصه إجابة نهائية عن هذه الأسئلة، وهذه نقطة قوة في الفكرة نفسها. فهو يضع التجربة أمام الزمن. لأن الانتخابات تنتهي، واللافتات تُزال، والهتافات تهدأ، لكن المؤسسة تبدأ عملها.

وقد يحصل السياسي على الصوت من خلال خطاب يلامس الجرح، لكن الاحتفاظ بالثقة يحتاج إلى شيء آخر: القدرة على إثبات أن ما قيل في الساحة الانتخابية يمكن أن يتحول إلى فعل داخل المؤسسة.

لهذا فإن عودة حسن الدرهم إلى البرلمان لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها نتيجة انتخابية؛ بل باعتبارها انتقالاً من مرحلة كان فيها هو صاحب الخطاب أمام الجمهور إلى مرحلة يصبح فيها الخطاب نفسه موضوعاً للمراقبة.

وإذا كان الهجوم قد كان، كما يقول الداودي، إحدى أدوات الدفاع الانتخابي، فإن المرحلة المقبلة ستختبر الطرف الآخر من المعادلة: هل يستطيع الهجوم أن يتحول إلى مساءلة مؤسساتية؟ وهل تستطيع المظلومية أن تتحول إلى سياسة عمومية؟

هذه المرة لن يكون الجمهور وحده هو المستمع.

سيكون البرلمان حاضراً، وستكون الملفات حاضرة، وستكون الذاكرة الانتخابية حاضرة، والأهم أن تجربة المسؤولية السابقة ستصبح جزءاً من الأسئلة الجديدة.

في السياسة، قد يمنح الخطاب صوتاً، لكن التدبير هو الذي يصنع السجل.

والسجل، في النهاية، لا يُكتب فوق منصة انتخابية.

بل داخل المؤسسات، وفي الشارع، وفي حياة الناس.

أما هل سيحمل السيد حسن الدرهم الخطاب نفسه والاتهامات نفسها إلى قبة البرلمان، أم أن لكل مرحلة خطابها وأسلوبها، فذلك سؤال تركه محمد الداودي مفتوحاً.

والجواب لن يكون في التصريحات المقبلة فقط.

ننتظر ونرى.