السنغال والمغرب العربي في أفق 2035: من دبلوماسية التجارة إلى دبلوماسية الإنتاج

0
82

كتب الصحفي Cheikh Mbacké Sène مقالاً بعنوان: «Sénégal : quelle diplomatie économique avec le Maghreb à l’horizon 2035 ?»، يضع فيه يده على واحدة من القضايا التي ستحدد، إلى حد بعيد، موقع السنغال الاقتصادي خلال السنوات المقبلة: هل ستظل علاقاته مع بلدان المغرب العربي قائمة أساساً على التجارة وتدفق الاستثمارات، أم أن دكار تستطيع تحويل هذه العلاقات إلى شراكات إنتاجية تخلق القيمة داخل السنغال وتربط اقتصادها بسلاسل القيمة الإفريقية والمتوسطية؟

أهمية طرح Sène لا تكمن في تعداد الدول المغاربية أو استعراض حجم المبادلات معها، وإنما في تغيير زاوية النظر إلى مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية نفسها. فالدبلوماسية، وفق المنطق الذي يقترحه المقال، لا ينبغي أن تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو الزيارات الرسمية أو البيانات المشتركة، بل بما تتركه هذه العلاقات داخل الاقتصاد الوطني: مصنع، وظيفة، معرفة، شركة محلية، منتج قابل للتصدير، وسلسلة إنتاج تستمر بعد انتهاء الزيارة الرسمية.

وهذه النقطة هي التي تجعل أفق 2035 مهماً في قراءة Sène. فالمسألة ليست ماذا اشترى السنغال من المغرب أو ماذا باع له، وإنما ماذا سيكون قد تغير في بنية الاقتصاد السنغالي بعد تسع سنوات من الآن.

عندما تصبح الاتفاقيات مطالبة بالنتيجة

يشير Cheikh Mbacké Sène إلى التوجه الرسمي الجديد للدبلوماسية الاقتصادية السنغالية، خصوصاً بعد توجيه رئيس الجمهورية للحكومة، في أبريل 2026، إلى جعل الدبلوماسية الاقتصادية جزءاً من تنفيذ رؤية Senegal 2050، من خلال تعزيز جاذبية البلاد للاستثمار، وتعبئة التمويلات، وبناء شراكات استراتيجية.

لكن القراءة الصحافية الأهم هنا تبدأ بعد الاتفاقية، وليس عند توقيعها.

فالسنغال، مثل كثير من الدول الإفريقية، لا تعاني بالضرورة من نقص في الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. السؤال الأكثر صعوبة هو: كم منها يتحول فعلاً إلى مشاريع؟

لهذا يعطي Sène أهمية خاصة للاتفاقيات السبعة عشر ومذكرات التفاهم التي أُبرمت خلال المهمة السنغالية إلى المغرب في يناير 2026، والتي شملت الصناعة والمناجم والفلاحة والرقمنة واللوجستيك والتكوين.

القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات، وفق المنطق الذي يطرحه الكاتب، لن تظهر في عدد صفحاتها ولا في مستوى التمثيل الرسمي الذي رافق توقيعها، وإنما في مؤشرات قابلة للقياس: الاستثمارات التي دخلت فعلياً، الوظائف التي أُحدثت، نسبة المكوّن المحلي، نقل الخبرات، حجم الصادرات، وعدد الشركات التي انتقلت من مجرد التعاون إلى الإنتاج المشترك.

وهنا ينتقل المقال من الدبلوماسية إلى الحوكمة الاقتصادية.

فالاتفاقية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تتحول مع الوقت إلى أرشيف دبلوماسي، بينما الاتفاقية التي تنتج مشروعاً وشركة ووظائف تصبح جزءاً من الاقتصاد الحقيقي.

المغرب: من شريك تجاري إلى قاعدة صناعية محتملة

الأرقام التي يستند إليها Sène تمنح هذه القراءة وزناً خاصاً.

فقد بلغت المبادلات التجارية بين المغرب والسنغال سنة 2025 نحو 307 ملايين دولار، بينما بلغت الاستثمارات المغربية المعتمدة في السنغال خلال الفترة 2010–2025 ما مجموعه 36 مشروعاً، بقيمة 180.4 مليار فرنك إفريقي، ووفرت، وفق المعطيات الواردة في المقال، 1,856 وظيفة.

لكن الكاتب يستحضر أيضاً ملاحظة لرئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو مفادها أن هذه التدفقات ما تزال دون مستوى الإمكانات التي تتيحها اقتصادات البلدين.

وهذه الملاحظة تقود إلى لبّ القضية: المشكلة ليست بالضرورة ضعف العلاقة، وإنما طبيعة العلاقة.

إذا ظل المغرب والسنغال يبيعان ويشتريان أكثر مما ينتجان معاً، فإن سقف العلاقة سيظل تجارياً. أما إذا أصبح الاستثمار المغربي مرتبطاً بالإنتاج السنغالي، وأصبحت الشركات السنغالية شريكاً في سلاسل إنتاج مشتركة، فإن العلاقة تنتقل إلى مستوى اقتصادي مختلف.

وهذا هو معنى الانتقال من commerce إلى coproduction الذي يبرز في مقال Sène: الانتقال من بيع المنتجات إلى صناعة المنتجات، ومن استيراد القيمة المضافة إلى إنتاجها، ومن الاستثمار الخارجي المنفصل عن الاقتصاد المحلي إلى الاستثمار الذي يندمج في النسيج الصناعي الوطني.

السؤال الذي يتجاوز المغرب

يبدو المغرب في المقال نقطة الانطلاق الطبيعية، لكن Cheikh Mbacké Sène لا يقف عند العلاقة الثنائية.

فالرهان الذي يقترحه هو بناء تصور أوسع لعلاقة المغرب العربي – غرب إفريقيا، بحيث لا يصبح السنغال مجرد سوق للاستثمارات المغاربية، بل منصة يمكن من خلالها الوصول إلى فضاء غرب إفريقيا.

وهنا تظهر الجغرافيا باعتبارها أصلاً اقتصادياً.

فالسنغال يمتلك موقعاً أطلسياً، وموارد زراعية وبحرية ومعدنية وطاقية، كما ينتمي إلى فضاء اقتصادي غرب إفريقي واسع. وفي المقابل، تمتلك بلدان المغرب العربي قدرات صناعية وتمويلية وتكنولوجية ولوجستية متراكمة.

السؤال الذي يستخلصه الكاتب من هذه المعادلة هو: هل يمكن تحويل الاختلاف بين موارد وقدرات الطرفين إلى تكامل اقتصادي؟

إذا كان الجواب نعم، فإن العلاقة لا تعود محصورة في الرباط ودكار، بل يمكن أن تمتد إلى فضاء أوسع يربط شمال وغرب القارة.

القطاعات الخمسة تكشف طبيعة الرهان

اختيار Sène للقطاعات التي يمكن أن تحمل هذه الاستراتيجية ليس عابراً.

فحين يتحدث عن الصناعات الغذائية والزراعية، فهو يتحدث عملياً عن الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تحويلها محلياً.

وحين يضع الأسمدة والصناعات الكيميائية ضمن الأولويات، فإنه يفتح الباب أمام تكامل بين الموارد الفوسفاطية والخبرة الصناعية المغربية والاحتياجات الزراعية السنغالية.

أما الصناعة الدوائية والصحة فتطرح سؤال السيادة الصناعية في قطاع حساس، حيث لا تكفي القدرة على استيراد الدواء إذا كان الهدف هو بناء قاعدة إنتاج محلية.

وفي الطاقة والبنية التحتية يصبح الاستثمار مرتبطاً مباشرة بقدرة الاقتصاد على النمو، لأن الصناعة لا يمكن أن تتوسع من دون طاقة ولوجستيك وشبكات نقل.

ثم يأتي الرقمي والخدمات ذات القيمة المضافة، وهو المجال الذي يمكن أن يفتح للسنغال والمغرب العربي مجالاً للتعاون يتجاوز السلع المادية نحو المعرفة والخدمات والتكنولوجيا.

وبذلك فإن القطاعات الخمسة التي يقترحها Sène ترسم، في الواقع، تصوراً لنموذج اقتصادي: موارد محلية + استثمار خارجي + تصنيع + معرفة + تصدير.

دكار كمنصة لا كسوق

ربما تكون أكثر الأفكار دلالة في مقال Cheikh Mbacké Sène هي تلك المتعلقة بتحويل دكار من سوق ووجهة للاستثمارات إلى منصة للإنتاج والخدمات والتصدير نحو غرب إفريقيا.

الفرق بين النموذجين جوهري.

السوق تستقبل المنتج.

أما المنصة فتشارك في إنتاجه وتوزيعه وإعادة تصديره.

وهذا يفسر أهمية الإشارة إلى مشروع ممر الداخلة–دكار الذي برز خلال زيارة يناير 2026. فالممرات الاقتصادية لا تعني الطرق وحدها، بل تعيد رسم الجغرافيا التجارية: من أين تأتي السلع؟ أين تُصنع؟ أين تُخزن؟ وإلى أي أسواق تتجه؟

إذا تطور هذا التصور، فإن الأطلسي يمكن أن يتحول من مجرد فضاء جغرافي إلى فضاء اقتصادي متصل بين شمال وغرب إفريقيا.

لكن الكاتب يضع أمام السنغال شرطاً لا يمكن تجاوزه: وجود شركات وطنية قادرة على الدخول في هذه الشراكات.

وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي يوجهها المقال إلى المسؤول السنغالي.

جذب الاستثمار وحده لا يكفي

يمكن لدولة أن تنجح في جذب المستثمرين الأجانب، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء اقتصاد صناعي قوي.

الفرق تحدده قدرة القطاع الخاص المحلي على الدخول في المعادلة.

إذا جاء المستثمر الأجنبي بمصنعه وتمويله وتقنيته وإدارته وسوقه، بينما بقيت الشركات السنغالية خارج سلسلة القيمة، فقد يكون المشروع مفيداً من حيث الوظائف والاستثمار، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى التحول الاقتصادي الذي يبحث عنه Senegal 2050.

أما إذا نشأت شركات مشتركة، وانتقلت المعرفة، ودخلت الشركات السنغالية في التوريد والتصنيع والخدمات والتصدير، فإن الاستثمار الخارجي يصبح أداة لبناء قدرات وطنية.

وهنا تصبح عبارة «المحتوى المحلي» أكثر من مجرد مصطلح اقتصادي.

إنها سؤال حول: من يستفيد فعلاً من الاستثمار؟

كم من القيمة يبقى داخل السنغال؟ كم شركة سنغالية تدخل في المشروع؟ كم مهندساً وتقنياً وإطاراً يتلقى تكويناً؟ وما الذي يبقى بعد خروج المستثمر أو تغير المشروع؟

2035 ليس موعداً زمنياً فقط

أفق 2035 الذي اختاره Sène يسمح بقراءة أعمق للمسألة.

فالتسع سنوات المقبلة ليست مجرد فترة زمنية لتنفيذ مجموعة من الاتفاقيات، وإنما يمكن أن تكون فترة اختبار لنموذج اقتصادي كامل.

ولهذا يقترح الكاتب مؤشرات واضحة: عدد الاستثمارات الإنتاجية، عدد المشاريع المشتركة، الوظائف، نسبة المحتوى المحلي، عدد الشركات السنغالية التي تصدر إلى المغرب العربي، عدد الشركات المغاربية التي تنتج في السنغال، والقيمة المضافة التي تبقى داخل البلاد، ثم حجم المنتجات التي يعاد تصديرها إلى غرب إفريقيا.

هذه المؤشرات تغيّر لغة الدبلوماسية.

بدلاً من السؤال: كم اتفاقية وقعنا؟

يصبح السؤال: ماذا أنتجت الاتفاقيات؟

وبدلاً من: كم مستثمراً استقبلنا؟

يصبح السؤال: كم قيمة اقتصادية أنشأنا؟

وبدلاً من: كم بلغ حجم التجارة؟

يصبح السؤال: ما الذي ينتجه البلدان معاً؟

وهذه النقلة في طريقة القياس هي، في تقديري الصحافي المستخلص من أطروحة Cheikh Mbacké Sène، جوهر مقاله.

سؤال السنغال وسؤال المغرب العربي معاً

لكن قراءة المقال من زاوية أوسع تفتح سؤالاً آخر: هل السنغال وحده يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير؟

إذا كان المطلوب بناء فضاء اقتصادي حقيقي بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقدرة دكار على جذب الاستثمارات، بل أيضاً بقدرة الشركات والاقتصادات المغاربية على النظر إلى غرب إفريقيا باعتبارها فضاءً للإنتاج المشترك، وليس مجرد سوق للتصدير.

وهنا يمكن أن تتحول العلاقة المغربية–السنغالية إلى مختبر عملي لهذا التصور.

فنجاح مشروع واحد في الصناعة أو الزراعة أو الصحة أو اللوجستيك قد يكون أهم من عشرات الاتفاقيات، لأنه يخلق نموذجاً يمكن تكراره في بلدان أخرى.

وفي المقابل، فإن فشل تنفيذ الاتفاقيات أو بقاؤها في مستوى التصريحات قد يكشف أن الإرادة السياسية، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها لبناء تكامل اقتصادي.

من جغرافيا المصالح إلى اقتصاد الشراكة

الفكرة المركزية التي يتركها مقال Cheikh Mbacké Sène ليست أن السنغال ينبغي أن يختار بين المغرب العربي وغرب إفريقيا.

بل العكس تماماً.

هو يقترح أن يحاول السنغال تحويل موقعه بين الفضاءين إلى وظيفة اقتصادية.

وهذه الفكرة تحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز التجارة الثنائية. فالدولة التي تنجح في أن تصبح نقطة وصل بين رأس المال والتكنولوجيا والقدرات الصناعية من جهة، والأسواق والموارد وسلاسل القيمة من جهة أخرى، لا تعود مجرد طرف في التجارة؛ بل تتحول إلى عقدة في شبكة اقتصادية أوسع.

لذلك فإن السؤال الذي يمكن أن نخرج به من مقال Cheikh Mbacké Sène ليس فقط: ما حجم التجارة بين السنغال والمغرب العربي في 2035؟

السؤال الأعمق هو:

هل سيكون السنغال في 2035 مجرد سوق للاستثمارات المغاربية، أم سيكون شريكاً في إنتاج القيمة، ومنصةً للتصدير، وجسراً اقتصادياً فعلياً بين المغرب العربي وغرب إفريقيا؟

هذا هو جوهر الفكرة التي يضعها الصحفي Cheikh Mbacké Sène أمام صانع القرار والمجتمع الاقتصادي السنغالي. فالمستقبل الذي يرسمه لا يُقاس بحجم الأموال التي تدخل البلاد فقط، وإنما بقدرة هذه الأموال على تغيير بنية الاقتصاد، وخلق المعرفة والوظائف والشركات والصادرات.

وعندها فقط يمكن أن تصبح الدبلوماسية الاقتصادية أكثر من نشاط موازٍ للدبلوماسية السياسية: تصبح إحدى أدوات بناء الموقع الاقتصادي للدولة داخل إفريقيا وخارجها.