الدار البيضاء.. من يحمي التراث حين يدخل العقار على خط النفوذ؟ ومن يحمي الموظف حين يتحول توقيعه إلى هدف للضغط؟

0
110

في تدوينة لافتة، يفتح الصحفي مصطفى الفن، صاحب الفكرة ومصدر الوقائع والتصريحات الواردة في هذا الطرح، ملفا يتجاوز مصير عمارة بوسط الدار البيضاء، ليضع أمام الرأي العام سؤالا أكبر: هل تستطيع المؤسسات حماية التراث وحقوق السكان عندما تتقاطع المصالح العقارية مع النفوذ السياسي والإداري؟

جوهر ما يثيره الفن هو احتمال توظيف قرارات مرتبطة بسلامة المباني لإعادة تشكيل قيمة العقار ومصير السكان، مع ما يرافق ذلك، بحسب ادعاءاته، من ضغوط على موظفين عموميين وشبهات تواطؤ ومصالح مالية. وهي ادعاءات تستدعي التحقيق والتدقيق، لا الاكتفاء بتبادل الاتهامات، لأن القرار المتعلق بعمارة مأهولة قد يمس الحق في السكن والأمان، كما قد يمس حقوق الملكية ومبدأ المشروعية.

الأخطر في قراءة مصطفى الفن أن القضية، كما يعرضها، تستحضر سؤالا قديما حول الدار البيضاء: ماذا بقي من أثر الخطاب الملكي الذي أثار آمالا واسعة في ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وهل تستطيع الإدارة الترابية والمنتخبة أن تثبت أن القانون يعلو على المصالح، وأن حماية التراث ليست شعارا ثقافيا، بل التزاما مؤسساتيا لا يخضع لحسابات العقار والانتخابات؟

رسالة الفن تتجه أيضا إلى وزارة الداخلية، وإلى والي جهة الدار البيضاء–سطات، وإلى مجلس المدينة ومصالح الثقافة: من يراقب سلامة المساطر؟ من يتحقق من التقارير والخبرات التقنية التي تبرر إخلاء المباني أو هدمها؟ ومن يحمي الموظف الذي يرفض توقيع قرار يراه مخالفا للقانون؟ فالموظف الذي يعمل تحت الضغط لا يحتاج إلى خطابات عن النزاهة بقدر حاجته إلى ضمانات فعلية تحمي استقلال قراره ومسؤوليته القانونية.

السؤال الاستراتيجي الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز عمارة بعينها: هل نريد تنمية عقارية تخلق الثروة وتحترم القانون والذاكرة العمرانية وحقوق السكان، أم سوقا تتحول فيها السلطة الإدارية إلى أداة محتملة لخدمة مصالح خاصة؟

تبقى الاتهامات التي أوردها مصطفى الفن، بما فيها الحديث عن شبكة نفوذ ومبالغ مالية، في حاجة إلى أدلة وتحقيق مستقل وحق الرد لجميع الأطراف المعنية. لكن خطورة ما يثيره تفرض ألا تضيع القضية وسط السجال السياسي: المطلوب كشف الحقيقة، وحماية السكان والموظفين، والتحقق من الخبرات والقرارات، وترتيب المسؤوليات إن ثبتت المخالفات.

كامل التقدير للصحفي مصطفى الفن، صاحب هذه الفكرة ومصدر هذا الطرح، الذي يعيد النقاش إلى جوهره: هل المحاسبة في الدار البيضاء مبدأ مؤسساتي يسري على الجميع، أم أن بعض الملفات تظل معلقة عندما تتشابك المصالح والنفوذ؟