مراكش تستعد للدورة الـ23 لمهرجانها الدولي للفيلم: من استقطاب الأسماء العالمية إلى بناء جسور الصناعة السينمائية

0
133

تستعد مدينة مراكش لاحتضان الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم، خلال الفترة الممتدة من 20 إلى 28 نونبر 2026، في موعد سينمائي تتجاوز دلالاته استقطاب الأسماء الفنية اللامعة وعرض الإنتاجات الجديدة، ليكشف عن توجه متزايد نحو ترسيخ موقع المهرجان داخل المنظومة السينمائية الدولية، من خلال الجمع بين الإشعاع الفني ومواكبة المشاريع وبناء فرص التعاون المهني.

ويحمل اختيار الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار لرئاسة لجنة تحكيم هذه الدورة بعداً يتصل بمكانة المهرجان وقدرته على استقطاب شخصيات سينمائية ذات حضور دولي. غير أن أهمية هذه المشاركة لا تختزل في القيمة الرمزية للاسم، بل ترتبط أيضاً بالدور الذي تضطلع به لجنة التحكيم في تقييم الأفلام المتنافسة ضمن المسابقة الرسمية، وما يمثله ذلك من واجهة للتفاعل بين تجارب سينمائية مختلفة، في دورة تسعى إلى الحفاظ على حضور مراكش في خريطة المواعيد السينمائية العالمية.

وفي موازاة هذا الحضور الفني، تتجه الأنظار إلى ورشات الأطلس، التي اختارت المخرج البرازيلي كليبر ميندونسا فيليو رئيساً لدورتها التاسعة، المرتقبة من 22 إلى 26 نونبر. ويكتسب هذا الاختيار أهميته من طبيعة الورشات نفسها، باعتبارها فضاءً مهنياً يربط بين المشاريع السينمائية في مراحل إنجازها المختلفة وبين الخبرات والفرص التي تتيحها الصناعة الدولية.

وتكشف الأرقام المعلن عنها عن حجم المنافسة واتساع المجال الجغرافي لهذه المبادرة؛ فقد وقع الاختيار على 30 مشروعاً وفيلماً من 14 بلداً، من أصل 410 ترشيحات، تتوزع بين 14 مشروعاً في مرحلة التطوير، و11 فيلماً في مرحلتي الإنتاج أو ما بعد الإنتاج، إلى جانب خمسة مشاريع مغربية ضمن فقرة «Atlas Close-Ups». ولا تعكس هذه المعطيات مجرد انتقاء لمجموعة من الأعمال، بل تبرز حجم الطلب على منصات المواكبة المهنية، والحاجة إلى فضاءات قادرة على نقل المشاريع من مرحلة الفكرة والإنتاج الأولي إلى فرص الإنجاز والتوزيع والوصول إلى الجمهور.

ويبرز البعد المغربي بصورة أوضح من خلال برنامج «Atlas Station»، الذي اختار ثمانية مهنيين مغاربة للاستفادة من مسار للتطوير والتكوين واللقاءات مع خبراء دوليين، فضلاً عن مواكبة خمسة أفلام قصيرة مغربية توجد في مرحلة ما بعد الإنتاج، مع تركيز خاص على المونتاج النهائي والتوزيع.

وتتجاوز أهمية هذه المبادرات عدد المستفيدين منها، بالنظر إلى ما تطرحه من رهان يتعلق بموقع الكفاءات المغربية داخل الصناعة السينمائية. فامتلاك الموهبة والقدرة على الإنتاج لا يكفي وحده لضمان استمرارية المشروع أو وصوله إلى الأسواق، ما دامت المراحل اللاحقة، من استكمال العمل الفني إلى إيجاد قنوات التوزيع وبناء العلاقات المهنية، تظل من بين أكثر الحلقات تأثيراً في مستقبل الإنتاج السينمائي. ومن هذه الزاوية، تبدو مواكبة الأفلام القصيرة والمشاريع المغربية محاولة لمعالجة جزء من الفجوة بين الإنتاج المحلي وشروط التداول السينمائي خارج حدوده.

أما اللقاءات المهنية للتوزيع السينمائي، التي يرتقب أن تجمع نحو 60 مهنياً من إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، فتمنح ورشات الأطلس بعداً إضافياً، بالنظر إلى أن التوزيع يمثل إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه عدداً من الإنتاجات السينمائية، خصوصاً في الأسواق التي لا تتوفر فيها الأعمال المستقلة على شبكات واسعة للترويج والعرض. فالفيلم لا يكتمل مساره بمجرد انتهاء تصويره أو عرضه الأول، وإنما تتحدد فرص استمراره أيضاً بقدرته على الوصول إلى الموزعين والمهرجانات والمنصات والجمهور.

وتكشف هذه الاختيارات مجتمعة عن تحول تدريجي في وظيفة المهرجان، من فضاء للاحتفاء بالسينما واستقبال نجومها إلى منصة تحاول التأثير في بعض حلقات صناعتها، عبر التكوين والمواكبة وربط المنتجين والمخرجين والمهنيين بشبكات التعاون الدولي. وهو توجه يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى السينما المغربية والإفريقية، التي تحتاج إلى فرص أوسع للاندماج في سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق، لا إلى الاكتفاء بالحضور في التظاهرات السينمائية.

لكن القيمة الفعلية لهذا التوجه ستظل مرتبطة بما تستطيع هذه البرامج تحقيقه خارج أيام المهرجان، وبمدى تحول اللقاءات والتكوينات والاختيارات إلى مشاريع مكتملة واتفاقات مهنية وفرص توزيع حقيقية. فالإشعاع الدولي يمنح مراكش مكانة مهمة، غير أن استدامة هذه المكانة تقتضي أن ينعكس الحضور السينمائي على تطوير الصناعة نفسها، وأن تجد المواهب المغربية طريقها من فضاء المهرجان إلى سوق الإنتاج والتوزيع.

وبين رئاسة ماريون كوتيار للجنة التحكيم، واختيار كليبر ميندونسا فيليو لقيادة ورشات الأطلس، وتوسيع برامج مواكبة المشاريع المغربية، تبدو دورة نونبر 2026 مناسبة لاختبار قدرة مهرجان مراكش على الجمع بين صورتين متكاملتين: مهرجان يستقطب العالم إلى المدينة الحمراء، ومنصة تسعى إلى منح السينما المغربية والإفريقية أدوات أوسع للوصول إلى العالم.