بلفقيه يستحضر القدرة الشرائية في أول ندوة حكومية… لكن هل تغيّرت لغة الحكومة أم عادت إلى خطاب الوعود؟

0
95

في أول ندوة صحافية أسبوعية للحكومة الجديدة، اختار سمير بلفقيه، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والناطق الرسمي باسم الحكومة، أن يجعل القدرة الشرائية للمواطنين في صدارة رسالته التواصلية، مقدماً مجموعة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية التي قال إن الحكومة تعتمدها لمواجهة غلاء الأسعار وتحسين مداخيل الأسر.

غير أن قراءة هذا التصريح لا تتوقف عند ما أعلنه الناطق الرسمي، وإنما تمتد إلى طبيعة الخطاب الذي اختارت الحكومة أن تبدأ به علاقتها مع الصحافة والرأي العام، وإلى المسافة بين الالتزامات الاجتماعية المعلنة والتجربة اليومية للأسر التي تواجه تكاليف المعيشة، وأعباء السكن والتنقل، وتداعيات زلزال الحوز، وارتفاع أسعار المحروقات.

فالمواطن الذي يسمع اليوم حديثاً عن حماية القدرة الشرائية لا يستقبل هذه الرسالة من نقطة الصفر. إنه يحمل معه تجربة سنوات من الوعود والتدابير والدعم، ويقيس الخطاب الحكومي بما يلمسه في السوق وفي فاتورة النقل والسكن والمواد الأساسية، لا بعدد الإجراءات التي تُستعرض في الندوات الصحافية.

الوعود الاجتماعية تعود إلى الواجهة… والأرقام تحتاج إلى ما يثبت أثرها

ما قدمه بلفقيه في الندوة يحمل عناصر من البرنامج الاجتماعي والاقتصادي الذي سبق أن عرضته الحكومة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2027. فرفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم ابتداء من السنة المقبلة، في أفق بلوغ 3000 درهم سنة 2031، ورفع معاشات الأرامل إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى، ليست إجراءات ظهرت للمرة الأولى في هذه الندوة. إنها تدابير سبق أن قدمها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع أمام البرلمان عند عرض مشروع الميزانية.

وتشير المعطيات المنشورة حول المشروع إلى أن رفع معاشات الأرامل يستهدف نحو 431 ألف مستفيدة، بكلفة مالية مقدرة في 7.3 مليارات درهم، فيما يستهدف رفع الحد الأدنى للمعاشات نحو 500 ألف مستفيد.

لكن هناك تفصيلاً يستحق التوقف عنده: مشروع قانون المالية لسنة 2027 ما زال، في تاريخ هذه الندوة، مشروعاً معروضاً على المسطرة البرلمانية، ولم يكن قد اكتسب بعد صفة قانون نافذ. وقد كان مجلس النواب قد برمج التصويت على التعديلات والجزء الأول منه يوم 11 نونبر. لذلك فإن تقديم هذه التدابير باعتبارها التزامات حكومية مبرمجة يختلف عن الحديث عنها كما لو أن المستفيدين بدأوا بالفعل يتوصلون بمبالغها الجديدة.

والأمر نفسه ينطبق على الدعم الاجتماعي المباشر. فقد تحدث الناطق الرسمي عن انتقاله تدريجياً من 600 درهم إلى 1000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية. والتدقيق هنا ضروري: يتعلق الأمر بمبالغ شهرية، وليس سنوية، كما ورد خطأ في النص الصحافي المنشور عن الندوة. كما أن المعطيات المرتبطة بمشروع المالية تشير إلى أن الحد الأدنى الحالي البالغ 500 درهم شهرياً سيرتفع إلى 600 درهم خلال سنة 2027، قبل مواصلة الرفع التدريجي في السنوات التالية.

هذه ليست مسألة تحريرية بسيطة؛ فالفرق بين 600 درهم شهرياً و600 درهم سنوياً يغير بصورة جذرية معنى الإجراء الاجتماعي.

غير أن المواطن لا يعيش على أرقام مشروع الميزانية وحدها. فالمتقاعد الذي ينتظر رفع معاشه يريد معرفة تاريخ بداية الصرف وشروط الاستفادة، والأرملة تريد معرفة كيفية احتساب المعاش الجديد، والأسرة التي تتلقى الدعم المباشر تريد أن تعرف متى سينعكس الرفع على حسابها البنكي. هذه التفاصيل التنفيذية هي التي تحول الإعلان المالي إلى حق اجتماعي قابل للقياس.

المحروقات: الحكومة تشرح لماذا ترفض التدخل المباشر

الجزء الأكثر حساسية في تصريحات بلفقيه يتعلق بالمحروقات.

فالناطق الرسمي أعلن استبعاد تسقيف أرباح شركات المحروقات أو تخفيض الضرائب المرتبطة بها، مبرراً ذلك بأن العودة إلى نظام المقاصة ستكلف خزينة الدولة أعباء كبيرة، وقد تؤثر في تمويل الأوراش الاجتماعية.

وفي توضيح أكثر تفصيلاً نشرته SNRT News في اليوم نفسه، ربط بلفقيه العودة إلى المقاصة بكلفة قال إنها بلغت 70 مليار درهم، مقابل 62 مليار درهم مخصصة لورش حماية القدرة الشرائية وفق مشروع قانون المالية لسنة 2027.

هذا موقف حكومي واضح، لكنه يقدم جانباً واحداً من المعادلة: كلفة تدخل الدولة في أسعار المحروقات، دون أن يقدم في المقابل تفصيلاً كافياً عن أثر استمرار الأسعار المرتفعة على ميزانيات الأسر، أو عن هوامش أرباح الفاعلين في السوق، أو عن الخيارات الضريبية البديلة التي يمكن أن تخفف العبء دون العودة الكاملة إلى نظام المقاصة.

والسؤال الاقتصادي الذي يستحق النقاش ليس محصوراً في العودة إلى المقاصة أو رفضها. هناك خيارات تتعلق بالضريبة على الاستهلاك، ومراقبة المنافسة، وشفافية تكوين الأسعار، وتقييم هوامش التوزيع والتسويق. ولكل خيار كلفته وانعكاساته، وهو ما يستدعي عرض المقارنات المالية والاقتصادية التي بنت عليها الحكومة موقفها.

لقد سبق للحكومة أن اعتمدت الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل منذ مارس 2022، واستمرت في تمديده خلال سنة 2026 لمواجهة تقلبات أسعار المحروقات. وفي 2 أكتوبر 2026 أعلنت وزارة النقل واللوجستيك رفع قيمة الدعم المباشر المخصص للمهنيين، استجابة لارتفاع أسعار المواد البترولية.

لكن هذا الدعم يفتح ملفاً آخر: هل وصل فعلاً إلى المستفيدين النهائيين؟ وهل انعكس على استقرار تسعيرة النقل؟ وما حجم عمليات المراقبة التي أجرتها السلطات، وما عدد المخالفات التي سجلتها، وما الإجراءات الزجرية التي اتخذت بشأن الزيادات غير القانونية؟

بلفقيه تحدث عن استمرار المراقبة والزجر، لكنه لم يعرض في التصريحات المنشورة حصيلة رقمية لهذه المراقبة، ولا عدد المخالفات أو العقوبات. وهذه فجوة بين الإعلان عن وجود آلية رقابية وبين تقديم نتائج تسمح للرأي العام بتقييم فعاليتها.

فالراكب الذي يؤدي زيادة في ثمن الرحلة لا يحتاج إلى سماع أن المراقبة مستمرة فقط؛ إنه يريد أن يعرف من يراقب، وأين يراقب، وماذا يحدث عندما يثبت تجاوز التسعيرة.

الوسطاء وشركات التوزيع: رقم 70 في المائة يحتاج إلى تفكيك

ومن بين التصريحات التي تستحق التوسع، حديث الناطق الرسمي عن أن الوسطاء يستحوذون على ما يقارب 70 في المائة من السعر النهائي للمنتجات، مع إعلان التوجه نحو إعداد إطار تشريعي لإحداث ست شركات جهوية خلال السنة المقبلة لتنظيم الأسواق وضبط التوزيع.

الرقم كبير، وإذا ثبتت دقته وشموليته فإنه يعكس اختلالاً يستحق معالجة مؤسساتية. لكن لا يكفي الإعلان عنه حتى يصبح حقيقة اقتصادية عامة تنطبق على جميع المنتجات والأسواق.

ما مصدر هذه النسبة؟ هل تتعلق بالمنتجات الفلاحية وحدها أم بالمواد الغذائية عموماً؟ وهل تم احتسابها انطلاقاً من أسعار البيع في الضيعات والأسواق الوسيطة وأسواق الجملة والتقسيط؟ وهل تختلف النسبة بين الخضر واللحوم والأسماك والمواد المصنعة؟

هذه الأسئلة مهمة لأن الوساطة التجارية ليست نشاطاً واحداً. هناك النقل والتخزين والتبريد والتوضيب والتمويل والعمولات والخسائر الناتجة عن تلف المنتجات، إلى جانب الممارسات الاحتكارية المحتملة. والتمييز بين الكلفة التجارية المشروعة والريع الناتج عن اختلال المنافسة ضروري حتى لا يتحول الإصلاح إلى مجرد إعادة توزيع للأدوار بين الوسطاء.

أما الشركات الجهوية الست، فإن نجاحها لن يقاس بمجرد إحداثها قانونياً، وإنما بمدى قدرتها على التدخل في مسالك التسويق، وتوفير بنية لوجستية فعالة، وضمان وصول المنتج إلى الأسواق بكلفة أقل، مع نشر معطيات منتظمة عن الأسعار وهوامش التوزيع.

والأهم أن الحكومة مطالبة بتوضيح طبيعة هذه الشركات، ورأسمالها، ومصادر تمويلها، والجهات التي ستدبرها، وعلاقتها بالأسواق القائمة والقطاع الخاص. فالإصلاح الذي لا تتضح حكامته قد ينتهي بإضافة حلقة مؤسساتية جديدة إلى سلسلة التوزيع التي يراد تقليص تكلفتها.

ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية بالنظر إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن بالفعل مليار درهم لإعادة أسعار المواد الغذائية إلى مستويات معقولة، مع التوجه نحو إحداث ست شركات جهوية أو منصات مهنية، وتحديث 12 سوقاً للجملة، وإصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك. وهي تفاصيل مالية وبرنامجية تضع تصريحات بلفقيه ضمن مشروع أوسع سبق تقديمه أمام البرلمان.

زلزال الحوز… الأرقام الرسمية لا تلغي أسئلة الأسر التي تنتظر استكمال التأهيل

حين يتحدث الناطق الرسمي عن القدرة الشرائية، يصعب فصل الملف عن الأسر التي ما زالت تعيش آثار زلزال الحوز، وما خلفه من خسائر مادية واجتماعية، خصوصاً في المناطق التي تتطلب إعادة البناء والتأهيل واستعادة شروط العيش الطبيعية.

والإنصاف الصحافي يقتضي عرض ما تحقق أيضاً. فقد أعلنت رئاسة الحكومة، في حصيلة مؤرخة في 17 مارس 2026، استكمال أشغال بناء وتأهيل 54.425 مسكناً، ووجود أكثر من 3 آلاف مسكن في طور الإنجاز، وتجاوز الدعم المالي المقدم للأسر المتضررة 7.2 مليارات درهم. كما أفادت بأن أكثر من 63 ألف أسرة استفادت من المساعدة الاستعجالية المحددة في 2500 درهم شهرياً.

هذه أرقام رسمية مهمة، لكنها لا تقدم بمفردها صورة كاملة عن وضع كل أسرة. فهناك فرق بين مجموع المساكن التي اكتملت أشغالها، وعدد الأسر التي تسلمت مساكن صالحة للاستقرار، وبين تقدم البرنامج على المستوى الوطني ووضع الحالات التي تعترضها صعوبات تقنية أو إدارية أو مالية.

كما أن انتهاء المساعدة الاستعجالية أو توقفها لا يعني بالضرورة انتهاء الأعباء التي تحملتها الأسر المتضررة. لذلك فإن أي حديث حكومي عن تحسين القدرة الشرائية ينبغي أن يتضمن تقييماً ميدانياً لما تبقى من ملفات إعادة الإعمار، والآجال المحددة لاستكمالها، ومآل الأسر التي لم تستعد بعد ظروف سكنها السابقة.

ليس المطلوب التشكيك في الأرقام الرسمية، وإنما استكمال قراءتها بمعطيات مفصلة عن نسب الإنجاز حسب الأقاليم والجماعات، وعدد الملفات العالقة، والأسباب التي أخرت بعضها، والآليات الموضوعة لمعالجة الحالات الخاصة.

السكن القروي والتعمير… وعود جديدة تنتظر الإطار التنفيذي

في الشق الذي يدخل ضمن اختصاص الوزارة التي يتولاها بلفقيه، أعلن الناطق الرسمي التحضير لقانون جديد للتعمير في العالم القروي خلال سنة 2027، إلى جانب تخصيص دعم بقيمة 40 ألف درهم للوحدة لفائدة 100 ألف سكن قروي عبر صندوق التضامن للسكن، مع توفير المواكبة والدراسات التقنية المجانية.

إذا نُفذ هذا البرنامج وفق الأعداد والمبالغ المعلنة، فإن غلاف الدعم المباشر للوحدات المستهدفة سيصل حسابياً إلى أربعة مليارات درهم.

لكن الإعلان يترك أسئلة تنفيذية مهمة: ما معايير اختيار المساكن المستفيدة؟ هل يشمل الدعم البناء الجديد أم إعادة تأهيل المساكن القائمة؟ ما الشروط التقنية والقانونية؟ وكيف ستتم معالجة وضعية الأراضي التي لا تتوفر على وثائق عقارية مكتملة أو التي تخضع لقيود التعمير؟

أما القانون الجديد للتعمير القروي، فالأهمية الحقيقية فيه ترتبط بقدرته على معالجة إشكالات ظلت تعيق السكن والاستثمار في العالم القروي، من بينها التوسع العمراني، والربط بالبنيات الأساسية، والولوج إلى التراخيص، وتفاوت الإمكانات بين الجماعات.

ولا ينبغي أن يتحول الدعم إلى مجرد مساهمة مالية في البناء، إذا لم تصاحبه مساطر مبسطة، ومواكبة تقنية حقيقية، وضمانات تتعلق بجودة السكن وسلامته.

وفي الزيارات الميدانية التي تحدث عنها بلفقيه إلى السمارة والعيون وطرفاية، أشار إلى مساهمة بقيمة 300 مليون درهم في تأهيل مدينة العيون ضمن برنامج إجمالي يناهز 680 مليون درهم، وإلى تسريع إعادة إيواء قاطني مخيمات السمارة، وتوفير سكن ملائم لبحارة طرفاية.

هذه ملفات ذات طبيعة مختلفة، ولا يكفي جمعها تحت عنوان التنمية الترابية. فإعادة الإيواء تقتضي تحديد المستفيدين والآجال، وتأهيل مدينة العيون يحتاج إلى بيان المشاريع المنجزة والمتبقية، أما سكن البحارة فيرتبط بخصوصية مهنية واجتماعية تتطلب حلولاً تتلاءم مع طبيعة نشاطهم ومواقع عملهم.

والأرقام المعلنة ستكتسب معناها عندما تصبح مرتبطة بمشاريع محددة، وجداول زمنية، ومؤشرات إنجاز يمكن تتبعها.

التواصل الحكومي… امتحان يبدأ من حق الصحافة في السؤال

اختار بلفقيه أن يفتتح أول ندوة له بالتأكيد على مرحلة جديدة من التواصل المؤسساتي الشفاف، واعتبار الصحافيين شركاء أساسيين في نقل الخبر، مع التشديد على أن الحق في الحصول على المعلومة حق دستوري.

هذا الإعلان مهم من حيث المبدأ، لكنه يضع الناطق الرسمي أمام مسؤولية تتجاوز تقديم حصيلة مجلس الحكومة واستعراض مواقف الوزراء. فوظيفة الناطق الرسمي لا تكتمل بتكرار البلاغات الحكومية، وإنما بقدرته على تفسير القرارات، وتوضيح ما لم يُحسم فيها، والجواب عن الأسئلة التي لا تكون أجوبتها مريحة بالضرورة.

والحق في الحصول على المعلومات يجد أساسه في الفصل 27 من الدستور، الذي يضمن للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، مع مراعاة الاستثناءات التي يحددها القانون.

كما يؤطر القانون رقم 31.13 هذا الحق، ويحدد قواعد طلب المعلومات وآجال الاستجابة والتظلم عند رفض الطلب.

وعليه، فإن الحديث عن الشفافية ينبغي أن يقترن بإتاحة الوثائق والمعطيات التي تسمح للصحافة بمراجعة التصريحات، وليس الاكتفاء بتقديم الأرقام دون مراجعها أو تفاصيلها المنهجية.

ومن حق الصحافة، مثلاً، أن تسأل عن الدراسة التي استندت إليها الحكومة لتحديد نسبة 70 في المائة المتعلقة بالوسطاء، وعن كلفة المقاصة التي جرى الاستناد إليها في رفض تسقيف أرباح المحروقات، وعن نتائج مراقبة تسعيرات النقل، وعن الجدول الزمني لإخراج الشركات الجهوية الست إلى حيز التنفيذ.

كما أن من حقها مساءلة الوزراء عن المشاريع التي تعلنها قطاعاتهم، والعودة إلى الوعود السابقة ومقارنتها بما تحقق منها.

أما بقية أشغال المجلس الحكومي، فقد تضمنت المصادقة على مشروع المرسوم رقم 2.26.470 المتعلق بتطبيق القانون رقم 52.23 الصادر في 31 دجنبر 2025 لتنظيم مهنة التراجمة المحلفين، وثلاثة مشاريع مراسيم تتعلق بتفويض صلاحيات الاقتراض وتغطية حاجيات الخزينة إلى نهاية دجنبر 2026، فضلاً عن تعيينات في مناصب عليا وفق الفصل 92 من الدستور. وهي ملفات تندرج ضمن العمل التنظيمي والمؤسساتي للحكومة، وتحتاج بدورها إلى متابعة آثارها العملية، لا مجرد تسجيل المصادقة عليها.

من خطاب الحملة إلى مسؤولية التدبير

ما يلفت الانتباه في هذه الندوة أن الحكومة اختارت العودة إلى مجموعة من الوعود الاجتماعية التي شكلت جزءاً من خطابها السياسي والانتخابي، وقدمتها الآن باعتبارها أولويات للمرحلة المقبلة. وهذا أمر مشروع من حيث المبدأ، لأن البرامج الانتخابية يفترض أن تتحول إلى سياسات عمومية، لكن الانتقال من مرحلة الالتزام السياسي إلى مرحلة التدبير يفرض تغييراً في طبيعة الخطاب.

ففي الحملة الانتخابية، يستطيع الحزب أن يقدم الوعود ويحدد الأهداف. أما بعد الوصول إلى الحكومة، فإن المواطن ينتظر حصيلة التنفيذ، ومواعيد الإنجاز، والموارد المالية، والجهات المكلفة، والنتائج التي يمكن قياسها.

لا يكفي أن يُعاد تذكير الأسر بالزيادات الموعودة في المعاشات أو الدعم الاجتماعي، بينما تظل كلفة المعيشة حاضرة في تفاصيل حياتها اليومية. ولا يكفي الإعلان عن مراقبة أسعار النقل إذا استمرت شكاوى المسافرين من الزيادات. كما لا يكفي الحديث عن إصلاح أسواق التوزيع دون نشر المعطيات التي تفسر أين تتشكل الأسعار، ومن يتحمل مسؤولية ارتفاعها.

والحكومة الجديدة لا تبدأ علاقتها بالمواطن من صفحة بيضاء؛ فهي تتولى تدبير ملفات قائمة، وتتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذتها الدولة، كما أنها مطالبة بتقديم أجوبة عن الملفات التي لم تصل بعد إلى نهاياتها.

لقد كانت الندوة فرصة لتقديم تصور الحكومة بشأن القدرة الشرائية، لكنها كشفت أيضاً أن جزءاً كبيراً من الرسالة التواصلية ما زال يدور حول الوعود المعلنة والبرامج المنتظرة، أكثر مما يدور حول نتائج قابلة للقياس.

ولعل الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في عدد الندوات الصحافية ولا في حجم التصريحات، وإنما في قدرة الناطق الرسمي على العودة إلى هذه الملفات بعد أسابيع وأشهر، حاملاً أرقاماً محينة، ووثائق، وحصيلة للمراقبة، وتفسيرات واضحة لما تحقق وما تعثر.

فالمواطن الذي ينتظر تحسناً في دخله، والأسرة التي لا تزال تواجه تبعات زلزال الحوز، والمتقاعد الذي ينتظر معاشاً يضمن له الحد الأدنى من العيش، والمسافر الذي يؤدي تعريفة النقل من جيبه، لا يحتاجون إلى تذكيرهم مرة أخرى بما سمعوه خلال الحملة الانتخابية. إنهم ينتظرون أن تتحول تلك الوعود إلى واقع يمكنهم معاينته.