لم ينتظر سعد بنمبارك طويلاً حتى تتحول الخلافات التي رافقت تدبير الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى نقاش علني حول المسؤولية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار. المنسق الجهوي للحزب بجهة الرباط سلا القنيطرة اختار تقديم استقالته من مهامه التنظيمية، في رسالة وجهها إلى رئيس الحزب محمد شوكي، وضع فيها أسباب قراره بعبارات تتجاوز عدم الرضا عن النتائج الانتخابية، لتصل إلى طريقة اتخاذ القرار داخل التنظيم، وحدود صلاحيات المسؤولين الجهويين، ومدى إشراكهم في الاختيارات التي يتحملون لاحقاً مسؤولية نتائجها.
المراسلة، التي اطلعت جريدة «مدار21» على نسخة منها ونشرت تفاصيلها يوم 6 نونبر، تكشف أن بنمبارك سبق أن نبه قيادة الحزب إلى اختلالات مرتبطة بتدبير الترشيحات، وما يمكن أن تترتب عنها من انعكاسات على تماسك التنظيم وحظوظه الانتخابية. ويقول في رسالته إن تدخلات في شؤون التنسيقية الجهوية وقرارات اتخذت دون مراعاة كافية لمقترحاتها وتقديراتها الميدانية حدّت من قدرتها على أداء مهامها، وأثرت على التعبئة الداخلية والنتائج المحققة.
اللافت في مضمون الرسالة أن صاحبها لم يحصر اعتراضه في أسماء المرشحين أو في النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026. لقد ربط الاستمرار في المسؤولية بضرورة توفير شروط ممارستها، معتبراً أن المسؤول الجهوي ينبغي أن يكون شريكاً في القرارات التي تترتب عنها نتائج تدخل ضمن نطاق مسؤوليته. كما استند إلى تصور للعمل الحزبي يقوم على التشاور والثقة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بهذا المعنى، لم تعد الاستقالة مجرد إجراء تنظيمي يتعلق بشخص يشغل منصب منسق جهوي. إنها اعتراض صادر عن مسؤول كان في قلب الجهاز الذي يفترض أن ينفذ اختيارات القيادة على المستوى الترابي، ويقول إن المسافة بين موقعه التنظيمي وسلطة القرار جعلت استمراره في المهمة غير منسجم مع تصوره للعمل الحزبي.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن الخلاف يتعلق بطبيعة العلاقة بين القيادة المركزية والتنظيمات الجهوية: هل التنسيقيات مجرد أجهزة للتعبئة وتنفيذ التوجيهات، أم أنها تملك سلطة فعلية في اقتراح المرشحين وتقييم التوازنات المحلية والمشاركة في صياغة القرارات الانتخابية؟
الجواب عن هذا السؤال لا يوجد في رسالة الاستقالة وحدها، لكنه يفسر جانباً مهماً من مضمونها.
الرباط.. خلافات سبقت الانتخابات ولم تبدأ باستقالة بنمبارك
تاريخ الخلافات داخل تنظيم الأحرار بالعاصمة يعود إلى أشهر قبل استقالة المنسق الجهوي.
في 5 يونيو 2026، أعلنت عمدة الرباط فتيحة المودني، إلى جانب سبعة منتخبين جماعيين، مغادرة الحزب واعتزال العمل السياسي والانتخابي، وذلك بعد ساعات من إعلان اختيارات الحزب لمرشحيه في عدد من الدوائر الانتخابية بالعاصمة.
الوثيقة التي اطلعت عليها «تيل كيل عربي» حملت أسماء ثمانية منتخبين، من بينهم فتيحة المودني، وعادل الأتراسي، رئيس مجلس مقاطعة السويسي، وعدد من المنتخبين والمسؤولين داخل المجلس. وقد تحدث الموقعون عن قرار اتخذوه بعد تقييم سنوات من العمل الميداني والجماعي، دون تقديم تفاصيل كاملة عن جميع الأسباب التي دفعتهم إلى المغادرة.
تزامن القرار مع إعلان تزكية علاء الدين البحراوي بدائرة الرباط شالة، وطه الجماني بدائرة الرباط المحيط. واعتبرت الصحيفة أن هناك صلة مرجحة بين هذه الاختيارات والانسحاب الجماعي، لكنها لم تتمكن وقتها من الحصول على توضيح من سعد بنمبارك بشأن خلفيات القرار أو مدى ارتباطه بالتزكيات.
هذه الواقعة مهمة لأنها تسبق استقالة بنمبارك بخمسة أشهر، وتبين أن العلاقة بين اختيارات القيادة المركزية وبعض مكونات التنظيم المحلي كانت تعرف توتراً قبل ظهور النتائج الانتخابية.
لكن ينبغي عدم الخلط بين الحالتين: فتيحة المودني والمنتخبون السبعة أعلنوا مغادرة الحزب والاعتزال السياسي والانتخابي، بينما أعلن بنمبارك استقالته من مهمة التنسيق الجهوي. اختلاف طبيعة القرارين لا يلغي وجود خيط تنظيمي مشترك يستحق التحقيق، وهو الخلاف حول تدبير الترشيحات وموقع الفاعلين المحليين في صناعة القرار.
كما أن تزامن الانسحاب السابق مع إعلان التزكيات لا يثبت وحده أن جميع الموقعين غادروا للسبب نفسه، ولا يسمح بإسناد موقف موحد إليهم لم يعلنوه صراحة.
من التزكيات إلى صناديق الاقتراع.. ماذا أظهرت النتائج؟
جاءت انتخابات 23 شتنبر لتضع اختيارات الحزب أمام اختبار انتخابي وطني.
النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية في 25 شتنبر أظهرت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً.
بالنسبة إلى الأحرار، كانت النتيجة انتقالاً من موقع الصدارة الذي احتله في انتخابات 2021 إلى المرتبة الثانية في انتخابات 2026. وهي نتيجة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد خسارة في الترتيب، خصوصاً أن الحزب خاض الاستحقاق بعد خمس سنوات من قيادة العمل الحكومي، وأصبح مطالباً سياسياً بتقييم تجربته أمام الناخبين.
محمد شوكي نفسه تحدث يوم 24 شتنبر عن هذه المعطيات خلال ندوة صحافية، وقال إن الحزب تقدم بحصيلته الحكومية كما هي، بما تحقق خلالها وما بقي من أوراش، وترك للناخبين الحكم على التجربة. كما أشار إلى أن الحزب لا يريد التقليل من دلالة النتائج، وأن المرحلة تقتضي نقاشاً لتقييم التجربة الحكومية والتنظيمية والتواصلية.
هذه التصريحات تضع استقالة بنمبارك في إطار أوسع من الحسابات المحلية. فالتقييم الذي تحدث عنه رئيس الحزب لا يتعلق فقط بمراجعة الأداء الحكومي أو التواصل السياسي، وإنما ينبغي أن يشمل أيضاً كيفية تدبير الترشيحات، وطريقة توزيع المسؤوليات، ومدى قدرة التنظيمات الجهوية على تحويل القرارات المركزية إلى تعبئة انتخابية.
ومع ذلك، لا توجد معطيات تسمح بإرجاع التراجع الوطني كله إلى طريقة اختيار المرشحين في جهة الرباط، كما لا يمكن اعتبار استقالة مسؤول جهوي دليلاً على وجود أزمة مماثلة في جميع جهات المملكة.
ما تقوله الوقائع هو أن الحزب يواجه تراجعاً انتخابياً وطنياً، وأن بعض خلافاته التنظيمية ظهرت بشكل واضح في العاصمة، وأن أحد أبرز مسؤوليه الجهويين اختار الآن تقديم استقالته احتجاجاً على طريقة تدبير المرحلة الانتخابية.
محمد شوكي أمام اختبار العلاقة بين المركز والجهات
تولى محمد شوكي رئاسة التجمع الوطني للأحرار في مرحلة لم تكن عادية بالنسبة إلى الحزب. فقد تسلم قيادة تنظيم خرج من تجربة حكومية امتدت خمس سنوات، ثم وجد نفسه أمام استحقاق انتخابي لم يحافظ فيه على الصدارة.
وكانت إعادة ترتيب العلاقة مع التنظيمات الجهوية من بين التحديات التي تفرضها هذه المرحلة. فالحزب الذي يطمح إلى الحفاظ على حضوره الانتخابي يحتاج إلى مسؤولين محليين قادرين على التعبئة، وعلى معرفة التوازنات الاجتماعية والسياسية داخل دوائرهم، وعلى التواصل مع المنتخبين والمناضلين.
لكن رسالة بنمبارك تثير إشكالاً تنظيمياً محدداً: إذا كانت القيادة المركزية تحتفظ بسلطة حسم الاختيارات، فكيف يجري توزيع المسؤولية عن النتائج؟ وهل يُمنح المنسق الجهوي ما يكفي من الصلاحيات للتأثير في القرارات التي سيُحاسب لاحقاً على تنفيذها؟
هذه ليست مسألة شكلية في التنظيمات الحزبية. فالتزكية الانتخابية ليست مجرد اختيار اسم لوضعه على رأس لائحة؛ إنها قرار يرتبط بقدرة المرشح على استقطاب الأصوات، وبعلاقته بالمنتخبين المحليين، وبمدى قبول القواعد الحزبية به، وبالامتدادات الاجتماعية التي يستطيع التنظيم تعبئتها حوله.
وقد تكون للقيادة المركزية اعتبارات وطنية أو سياسية تبرر اختيار مرشح على حساب آخر، لكن نجاح هذا الاختيار يظل مرتبطاً بقدرة الحزب على إقناع تنظيمه المحلي به، لا بمجرد إبلاغه بالقرار.
ومن جهة أخرى، لا تعفي الخلافات حول التزكيات المسؤولين الجهويين من واجب تحمل مسؤولياتهم التنظيمية والانتخابية. فالتقييم المتوازن ينبغي أن يحدد ما إذا كانت النتائج مرتبطة بالاختيارات المركزية، أو بضعف التعبئة، أو بتراجع الثقة في الحزب، أو بعوامل انتخابية أخرى، دون تحويل كل اختلاف إلى اتهام للقيادة أو كل نتيجة سلبية إلى مسؤولية المنسقين.
من سبق بنمبارك؟ وما الذي يمكن أن يأتي بعده؟
السابقة الأوضح في الرباط هي مغادرة فتيحة المودني والمنتخبين السبعة في يونيو، لكن لا تتوفر في المصادر التي أمكن التحقق منها قائمة موثقة لاستقالات مماثلة لمسؤولين جهويين آخرين سبقت استقالة بنمبارك في هذه المرحلة.
أما الحديث عن أسماء مرشحة لتقديم استقالتها قريباً، فيحتاج إلى حذر. فلا توجد حتى الآن وثائق أو تصريحات مباشرة تثبت أن منسقاً جهوياً آخر أو عضواً في المكتب السياسي يستعد لمغادرة الحزب احتجاجاً على تدبير الانتخابات.
وتداولت بعض المنابر اسم حسن الفيلالي، المنسق الإقليمي للحزب بالخميسات وعضو المكتب السياسي، في سياق الأسماء المطروحة لخلافة بنمبارك على رأس التنسيقية الجهوية. وهذا تطور يخص تدبير الفراغ التنظيمي، ولا يجوز تحويله إلى مؤشر على استقالة الفيلالي أو خلافه مع القيادة.
المؤشر الذي يستحق المتابعة هو ما إذا كانت الاعتراضات التي تحدث عنها بنمبارك موجودة أيضاً في تنظيمات أخرى، وما إذا كان مسؤولون محليون قد وجهوا مراسلات مماثلة إلى القيادة دون أن تتحول إلى استقالات معلنة.
وإذا ظهرت حالات أخرى، فسيكون من الضروري فحص أسبابها ومضامينها، لأن تشابه التوقيت لا يعني بالضرورة وحدة الأسباب.
هل تعالج خلافة بنمبارك أصل المشكلة؟
برز اسم حسن الفيلالي ضمن المرشحين لخلافة المنسق المستقيل، وتحدثت تقارير صحفية عن فتح باب الترشح خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 12 نونبر، مع اشتراط تقديم برنامج عمل وتصور لتدبير المرحلة المقبلة.
إذا تأكد هذا المسار التنظيمي، فإن الحزب يكون قد انتقل سريعاً إلى ترتيب خلافة المسؤول المستقيل. غير أن اختيار منسق جديد لن يجيب بمفرده عن الأسئلة التي وردت في رسالة بنمبارك.
فالمسؤول المقبل سيجد نفسه أمام المهمة نفسها: التنسيق بين القيادة المركزية والتنظيمات المحلية، وإعادة بناء التعبئة، والتعامل مع آثار الخلافات السابقة، والإعداد للاستحقاقات المقبلة.
وسيكون الاختبار الحقيقي في طبيعة الصلاحيات التي ستمنح له، ومدى إشراك التنسيقيات في القرارات المرتبطة بالترشيحات، وليس فقط في الاسم الذي سيحمل صفة المنسق الجهوي.
كما أن القيادة مطالبة بتوضيح ما إذا كانت ستفتح مراجعة داخلية لطريقة تدبير انتخابات شتنبر، وما إذا كانت ستستمع إلى الملاحظات التي يقول بنمبارك إنه سبق أن وجهها إليها قبل تقديم استقالته.
لا تتوفر حتى الآن وثيقة منشورة تتيح معرفة رد محمد شوكي على مضمون تلك المراسلة، أو ما إذا كانت القيادة قد أجرت تقييماً تفصيلياً للاختيارات الانتخابية في جهة الرباط سلا القنيطرة. وهذه فجوة في المعلومات ينبغي إبقاؤها واضحة، بدل افتراض أن الخلاف حُسم أو أن القيادة رفضت مضمون الانتقادات.
ما بعد استقالة بنمبارك.. هل هي نهاية أزمة أم بداية مراجعة؟
تضع التطورات حزب التجمع الوطني للأحرار أمام أكثر من ملف متداخل: نتائج انتخابية لم تحفظ له الصدارة، ومغادرة سابقة لمنتخبين بارزين في العاصمة، وانتقادات صادرة عن منسق جهوي بشأن تدبير الترشيحات، ثم استقالة جاءت بعد أن قال صاحبها إنه لم يعد قادراً على تحمل مسؤولية لا تتوفر، بحسب تقديره، شروط ممارستها.
وقد تنجح القيادة في احتواء الوضع عبر تعيين منسق جديد وإعادة ترتيب البيت الجهوي. لكن ذلك لن يكون كافياً إذا ظلت الأسئلة المتعلقة بالتشاور والصلاحيات والمحاسبة دون إجابة.
الأيام المقبلة ستكون مهمة لمعرفة ما إذا كان ملف الرباط حالة تنظيمية محدودة، أم أن ما كشفته رسالة بنمبارك يعكس خلافاً أوسع حول أسلوب تدبير الحزب بعد انتقاله من قيادة الحكومة إلى مرحلة إعادة تقييم موقعه السياسي.
أما سؤال «من التالي؟»، فلا تسمح الأدلة المتاحة اليوم بتقديم اسم محدد. والأجدر صحافياً متابعة مواقف المنسقين والمنتخبين، وأي مراسلات أو قرارات تنظيمية جديدة، بدلاً من صناعة قائمة استقالات محتملة.
فاستقالة سعد بنمبارك أصبحت واقعة معلنة، ومضمون اعتراضه أصبح معروفاً من خلال المراسلة المنشورة. أما امتدادها إلى جهات أخرى، أو انتقالها إلى أزمة داخل القيادة المركزية، فما زال احتمالاً يحتاج إلى وقائع جديدة حتى يتحول إلى استنتاج صحافي ثابت.