«أخنوش هرب قبل الانتخابات… هل سقطت ثقة رئيس الحكومة في الصندوق قبل أن تسقط ثقة المغاربة في السياسة؟»

0
97

أخنوش هرب قبل الانتخابات… أم أن السياسة المغربية دخلت مرحلة الخوف من لحظة الحساب؟

في الأنظمة الديمقراطية لا تُقاس قوة المسؤول بما يملكه من سلطة وهو في الحكم، بل بقدرته على مواجهة الناس عندما يحين موعد الحساب. فالانتخابات ليست مجرد آلية لتجديد المؤسسات، بل هي لحظة أخلاقية وسياسية يُسأل فيها من حكم: ماذا وعد؟ وماذا أنجز؟ وماذا أخفق في تحقيقه؟ لذلك تبدو الأسئلة التي أثارها النقاش السياسي الأخير حول غياب عزيز أخنوش عن واجهة المواجهة الانتخابية أكثر عمقاً من مجرد جدل حزبي عابر، لأنها تلامس جوهر العلاقة بين السلطة والمساءلة، وبين المواطن والصندوق.

في الحوار الذي جمع الصحفي يونس مسكين بالأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين، برز توصيف سياسي حاد مفاده أن رئيس الحكومة “هرب من لحظة المساءلة”. وبغض النظر عن الحمولة السياسية لهذا الوصف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز الأشخاص والأحزاب: لماذا أصبح جزء متزايد من المغاربة يشعر بأن السياسة لم تعد قادرة على تقديم أجوبة مقنعة على أزماتهم اليومية؟ ولماذا تتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة رغم كل الإصلاحات الدستورية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين؟

الواقع أن هذا السؤال لا يمكن عزله عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. فمنذ سنوات والمواطن المغربي يواجه موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وازدياد الضغوط المعيشية على الأسر. صحيح أن جزءاً من هذه الأزمات مرتبط بتحولات دولية كبرى، من تداعيات جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، لكن المواطن البسيط لا يقيس الأمور بمعايير الاقتصاد الدولي، بل بما يجده في جيبه وفي السوق وفي فاتورة معيشته اليومية.

ومن هنا اكتسب ملف الدعم العمومي للمواد الأساسية وللقطاعات المختلفة حساسية استثنائية. فكلما ارتفعت الأسعار، ارتفعت معها أسئلة المواطنين حول جدوى مليارات الدراهم التي تُصرف تحت عنوان الدعم والتحفيز والحماية الاجتماعية. وحين لا يلمس المواطن أثراً مباشراً لذلك في حياته اليومية، تتحول الأرقام إلى مصدر للشك بدل أن تكون مصدر طمأنة.

في هذا السياق تحديداً برز الجدل حول دعم استيراد الأغنام واللحوم الحمراء. فبينما أكدت الحكومة أن الهدف كان حماية السوق الوطنية وتخفيف الضغط على الأسعار وضمان وفرة العرض، استمرت المعارضة وأصوات عديدة في المطالبة بمزيد من الشفافية والتدقيق والتقييم. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمن استفاد ومن لم يستفد، بل بسؤال أكبر: هل أصبحت آليات الرقابة البرلمانية والمؤسساتية قادرة فعلاً على إقناع الرأي العام بأن المال العمومي يُصرف وفق معايير واضحة وقابلة للمحاسبة؟

هذه النقطة تقود إلى جوهر الأزمة السياسية الحالية. فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود اختلاف بين الحكومة والمعارضة، لأن الاختلاف هو جوهر الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى أزمة ثقة عامة في قدرة المؤسسات نفسها على إنتاج الحقيقة. فعندما يطالب جزء من الرأي العام بلجان تقصي الحقائق، أو بمزيد من الشفافية في ملفات الدعم والاحتكار والأسعار، فهو لا يطالب فقط بمعرفة الوقائع، بل يبحث أيضاً عن استعادة الثقة في المؤسسات التي يفترض أنها تمثله وتحمي مصالحه.

ولعل أخطر ما كشفه النقاش الدائر اليوم ليس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل تزايد الشعور لدى بعض المواطنين بأن أصواتهم الانتخابية لم تعد قادرة على تغيير واقعهم المعيشي. هنا بالضبط تبدأ أزمة الديمقراطية الحديثة. فالعزوف السياسي لا ينشأ من غياب الانتخابات، بل من غياب الإيمان بجدواها. وعندما يصبح السؤال المطروح داخل المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي ليس “من سننتخب؟” بل “هل ما زال للانتخابات معنى؟”، فإن الأمر يتحول من أزمة حكومية إلى أزمة ثقة مجتمعية أوسع.

لقد قام دستور 2011 على فلسفة واضحة تتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز مكانة رئيس الحكومة والمؤسسات المنتخبة. وكان الرهان آنذاك أن يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي قادر على التأثير في القرار العمومي. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص الدستورية وحدها، بل في قدرتها على إنتاج أثر ملموس في حياة الناس. فالدساتير لا تُختبر في الكتب، بل في الأسواق والمدارس والمستشفيات وفرص الشغل.

ومن هنا يمكن فهم الخلفية العميقة للانتقادات الموجهة للحكومة الحالية. فالمعارضة لا تهاجم فقط سياسات معينة، بل تحاول بناء سردية تقول إن الأزمة الحالية هي نتيجة لفشل نموذج تدبير كامل. وفي المقابل تدافع الحكومة عن حصيلتها بالاستناد إلى مشاريع الحماية الاجتماعية والاستثمارات الكبرى وبرامج الدعم والإصلاحات الهيكلية. وبين الروايتين يقف المواطن حاملاً هموماً أكثر بساطة: كم أصبح ثمن الغذاء؟ أين فرص الشغل؟ ولماذا لم تنخفض الأسعار كما وُعد؟

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الأزمة لا تخص الحكومة وحدها. فالنقاش الذي أثاره يونس مسكين في الحوار يضع المعارضة أيضاً أمام مرآة صعبة. فإذا كانت الحكومة مطالبة بالدفاع عن حصيلتها، فإن المعارضة مطالبة بدورها بتقديم بديل واضح ومقنع. فالديمقراطية لا تقوم فقط على نقد السلطة، بل على القدرة على إقناع الناس بأن هناك طريقاً أفضل ممكناً. وعندما يفشل المواطن في رؤية الفارق بين البدائل المطروحة، تتسع مساحة اللامبالاة السياسية.

لهذا يبدو أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان أخنوش قد “هرب” أم لم يهرب، لأن هذا توصيف سياسي يخضع للاختلاف والتقدير. السؤال الأهم هو: لماذا أصبح جزء من الرأي العام مستعداً لتصديق هذه الرواية أصلاً؟ لماذا تجد مثل هذه الاتهامات صدى واسعاً في المجتمع؟ الجواب لا يوجد في الحملات الانتخابية وحدها، بل في تراكمات سنوات من الانتظارات المؤجلة والوعود غير المكتملة والتوتر المتزايد بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي.

إن الديمقراطية لا تنهار عندما تختلف الأحزاب، بل عندما يفقد المواطن اهتمامه بخلافاتها. ولا تصبح الانتخابات بلا معنى عندما يفوز هذا الحزب أو ذاك، بل عندما يشعر الناخب أن النتائج لن تغيّر شيئاً في حياته اليومية. وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية: فالمعركة الحقيقية ليست بين الحكومة والمعارضة، بل بين الثقة واللامبالاة.

ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، لن يكون التحدي الأكبر أمام الأحزاب هو كسب الأصوات، بل استعادة الإيمان بالعملية السياسية نفسها. لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة أو معارضة أقوى، بل يحتاج قبل كل شيء إلى مواطن يقتنع بأن صوته ما زال قادراً على صناعة الفرق.

ويبقى السؤال الذي سيطارد الجميع، حكومة ومعارضة ومؤسسات: إذا كان المواطن قد بدأ يفقد ثقته في الوعود، فمن سيقنعه غداً بأن الذهاب إلى صناديق الاقتراع ما زال يستحق العناء؟