أوزين تحت ضغط الكاميرا… ومن وصفهم بـ«مكلّفين بمهمة» يفتحون مواجهة بين الخطاب السياسي وصلابة السؤال في التلفزة العمومية

0
90

في السياسة كما في الملاكمة، لا تُحسم المعارك دائما داخل الحلبة، بل أحيانا أمام الكاميرات، حين تتحول الجملة الواحدة إلى ضربة قاضية، ويتحوّل الحوار التلفزيوني إلى امتحان علني لصلابة الزعيم وقدرته على التحكم في أعصابه وصورته أمام الناس. ذلك ما بدا واضحا في الحلقة الأخيرة من برنامج “للحديث بقية” على الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، حيث دخل الأمين العام لحزب حزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، إلى الاستوديو محاطا بأسئلة سياسية ثقيلة، لكنه خرج منه محاطا أكثر بعلامات استفهام.

منذ الدقائق الأولى، لم يكن النقاش عاديا. الأسئلة جاءت مباشرة، حادة، ومبنية على ملفات ظل الرأي العام يتابعها منذ أشهر، من قانون الإضراب إلى الرقابة البرلمانية، ومن لجان تقصي الحقائق إلى طبيعة العلاقة التي تجمع الأحزاب بوزارة الداخلية خلال مرحلة التزكيات الانتخابية.

لكن الإيقاع الحقيقي للحلقة تغيّر حين انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر حساسية، مع بروز ملف مصطفى لخصم، حيث أطلق أوزين عبارة مثيرة مفادها أن الرجل “عندو خمسة ديال المتابعات القضائية”، في لحظة بدت وكأنها محاولة لإعادة رسم موازين القوة داخل النقاش السياسي في الاستوديو.

غير أن ما بدا هجوما محسوبا سرعان ما انقلب إلى وضع دفاعي متوتر. فكلما توالت الأسئلة، اتسعت الهوة بين الخطاب السياسي التقليدي وبين أسئلة الإعلام الذي لم يعد يكتفي بالعناوين الكبرى، بل يذهب مباشرة إلى التفاصيل المحرجة. وفي لحظات معينة، ظهر التوتر واضحا على أوزين، خصوصا حين طُرحت أسئلة مرتبطة بقرارات الحزب داخل البرلمان وبحدود تأثيره في الشارع والاحتجاجات، ليتحول النقاش من مجرد حوار سياسي إلى اختبار مباشر لصورة الحزب وقدرته على تقديم خطاب متماسك تحت الضغط.

وفي خضم هذا التوتر، برزت عبارة “مكلفون بمهمة” التي استعملها أوزين في توصيف الصحافيين المحاورين داخل الاستوديو، في إشارة بدت كرد فعل على طبيعة الأسئلة الحادة. لكنها في العمق فتحت نقاشا أوسع من حدود الحلقة: علاقة السياسي بالإعلام العمومي، وحدود المسافة بين من يصنع الخطاب ومن يفككه أمام الجمهور، وهل نحن أمام حوار متكافئ أم مواجهة غير متوازنة بين سلطة الخطاب وسلطة السؤال.

في خلفية هذا المشهد، كان اسم يوسف بلهيسي حاضرا، ليس فقط كمحاور يدير النقاش، بل كجزء من سياق أوسع يطبع النقاش حول الإعلام العمومي. فالرجل راكم مسارا مهنيا وسياسيا متداخلا، من تجربة الطرد من Medi1TV بعد تضامنه مع زملائه خلال إضراب داخل القناة، إلى اشتغاله لاحقا داخل دوائر حكومية خلال فترة قيادة سعد الدين العثماني، قبل أن يغادر لاحقا حزب العدالة والتنمية في سياق التحولات الداخلية بعد نهاية التجربة الحكومية. هذا المسار يجعل حضوره، لدى بعض المتابعين، جزءا من سؤال أكبر حول حدود الحياد داخل الإعلام العمومي.

لكن خلف ضجيج الحلقة، كانت هناك طبقة سياسية أكثر عمقا تتشكل بصمت داخل حزب الحركة الشعبية، خصوصا في دائرة صفرو. فالتسريبات المتداولة حول حسم التزكية لصالح محمد بوستة بدل مصطفى لخصم لم تُقرأ فقط كقرار تنظيمي داخلي، بل كإشارة إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل الحزب، في سياق يبدو فيه أن القيادة تحاول تقليص هامش شخصية سياسية صاعدة استطاعت أن تبني لنفسها حضورا مستقلا عن القنوات الحزبية التقليدية.

فمصطفى لخصم، القادم من عالم الرياضة والقتال، لم يعد مجرد منتخب محلي، بل تحوّل إلى حالة سياسية خاصة، تجمع بين الخطاب المباشر، والحضور الرقمي القوي، والقدرة على خلق تفاعل مباشر مع المواطنين خارج وساطة الحزب. وهو ما جعل اسمه يفرض نفسه داخل معادلة انتخابية حساسة، ويطرح سؤالا أعمق حول طبيعة السلطة السياسية اليوم: هل ما زالت تُبنى داخل الهياكل الحزبية، أم داخل الفضاء العام والرقمي حيث تُصنع الشعبية بشكل أسرع وأكثر تأثيرا؟

هكذا تتقاطع الحلقة التلفزيونية مع واقع سياسي أكثر تعقيدا، حيث لم تعد الأحزاب تواجه فقط خصومها التقليديين، بل تواجه أيضا تحولات في طبيعة الزعامة السياسية نفسها. فالشخصية السياسية لم تعد تُقاس فقط بمدى قربها من التنظيم، بل بقدرتها على إنتاج حضور مستقل، وبناء علاقة مباشرة مع الرأي العام.

وفي العمق، تكشف هذه الحلقة التلفزيونية وما تلاها من جدل، عن تحوّل أوسع داخل الحياة السياسية المغربية. فالأحزاب لم تعد تواجه فقط أزمة خصوم، بل أزمة ثقة، وأزمة خطاب، وأزمة قدرة على إقناع جيل جديد يتابع السياسة بعين مختلفة، لا يهتم كثيرا بالتوازنات الداخلية بقدر ما يبحث عن الوضوح والنتائج.

أما الإعلام، فقد وجد نفسه بدوره داخل قلب العاصفة. فحين تستعين القنوات العمومية بأسماء من خارج المؤسسة لإدارة الحوارات السياسية، يعود سؤال الكفاءة والحياد إلى الواجهة، خاصة في زمن أصبحت فيه المسارات الشخصية للصحافيين جزءا من التلقي العام ومؤثرة في الحكم على الخطاب الإعلامي.

في النهاية، لم تكن الحلقة مجرد سجال تلفزيوني عابر، بل مرآة لحالة سياسية وإعلامية كاملة. سياسي يغضب تحت ضغط السؤال، إعلام يُساءل عن موقعه، وحزب يحاول إعادة ضبط توازنه الداخلي في سياق انتخابي متوتر. والسؤال الذي يبقى مفتوحا بعد انطفاء أضواء الاستوديو ليس من ربح الحوار، بل من يملك اليوم القدرة على صناعة القناعة داخل مجتمع أصبح يقيس السياسة بحدة اللحظة، لا ببرودة الخطاب.