كان… بين مغربٍ يصنع لنفسه مكانة سينمائية عالمية و“نجوم سموكينغ” لا يملكون من الفن سوى صور السجاد الأحمر

0
108
صورة: الصفحة الرسمية لمهرجان كان على فيسبوك

في مهرجان “كان”، لا تُقاس قيمة الحضور فقط بعدد الأفلام المعروضة أو السجاد الأحمر الممتد على طول “لا كروازيت”، بل أيضًا بتلك اللحظات الهامشية التي تبدو في الظاهر مجرد حفلات عشاء وأمسيات احتفالية، بينما هي في العمق سوق رمزي هائل لإعادة توزيع النفوذ والصورة والاعتراف داخل الصناعة السينمائية العالمية. هناك، في الزوايا الهادئة للفنادق الفاخرة، وفي الأروقة الخلفية للأجنحة الوطنية، تُصنع التحالفات، وتُعقد الشراكات، وتُفتح أبواب التمويل والتوزيع، ويُعاد رسم مستقبل أفلام كاملة قبل أن تصل إلى قاعات العرض. لهذا لا يمكن اختزال مهرجان “كان” في مجرد منصة للفرجة أو الاستعراض، لأنه في جوهره مختبر عالمي لصناعة القوة الناعمة، ومجال مفتوح تتصارع فيه الدول والمؤسسات الثقافية من أجل تثبيت حضورها الرمزي داخل الخريطة البصرية للعالم.

وسط هذه الحركية الهائلة، تتحول الأمسيات الموازية إلى أكثر من مجرد مناسبات بروتوكولية. أمسية لمهرجان القاهرة السينمائي بحضور الفنان حسين فهمي، وأخرى يحتفي فيها المركز السينمائي السريلانكي بفيلم “ريحانة” للمخرج شاندران روتنام، ثم أمسية هندية تحتفي بالنجمة عليا بهات ورمزية ساتياجيت راي وأميتاب باتشان، وأخرى سعودية مخصصة لاستوديوهات جاكس والاحتفاء بالمخرجة الرواندية ماري كلمنتين ديزامبي جامبو… كلها لحظات تبدو احتفالية، لكنها في العمق تعكس كيف تستثمر الدول والمؤسسات الثقافية في السينما باعتبارها أداة للنفوذ والتعريف بالذات الوطنية.

لكن داخل هذا البريق العالمي، برزت الأمسية التي نظمتها مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش بتعاون مع المركز السينمائي المغربي كأنها محاولة مغربية لتأكيد أن المملكة لم تعد مجرد بلد يستضيف مهرجانًا سينمائيًا، بل مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى بناء تموقع دولي طويل النفس. حضور شخصيات وازنة مثل السيدة ميليتا توسكان دو بلونتيي، والسيد محمد رضا بنجلون، إلى جانب أسماء عالمية مثل المخرج الهندي أنوراغ كشياب والمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل رسالة تقول إن المغرب يريد أن يتحول إلى مساحة تلتقي فيها السينما بالديبلوماسية الثقافية، والفن بالرهان الجيوسياسي، والهوية الوطنية بالانفتاح الكوني.

غير أن الصورة ليست دائمًا بهذا الصفاء الذي تعكسه عدسات المصورين. لأن خلف كل هذا البريق، تتسلل ظاهرة أخرى أصبحت مع الوقت أشبه بطقس موازٍ داخل المهرجانات الدولية: أشخاص يظهرون كل سنة في “كان”، و”برلين”، و”البندقية”، وحتى في مهرجان مراكش، دون أن يكون لهم أثر حقيقي داخل الصناعة السينمائية نفسها. لا أفلام في المسابقات، لا مشاريع إنتاج معروفة، لا لقاءات مهنية مؤثرة، لا حضور داخل سوق الفيلم، لا نقاشات نقدية أو فكرية، ولا حتى تغطيات صحافية دولية تلتفت إليهم. ومع ذلك، يعودون كل مرة محملين بعشرات الصور ببدلات “السموكينغ” وربطات العنق أمام السجاد الأحمر، لتتحول صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى معرض دائم للاستعراض الرمزي، وكأن وجودهم في المهرجان هو إنجاز سينمائي بحد ذاته.

المشكلة هنا لا تتعلق بحق أي شخص في السفر أو حضور التظاهرات الثقافية، بل في طبيعة التحول الذي أصاب مفهوم “التمثيل الثقافي” نفسه. ففي عدد من المهرجانات العالمية، أصبح بعض الأشخاص يتعاملون مع الفضاء السينمائي كمنصة لإعادة إنتاج الوجاهة الاجتماعية، لا كفضاء للإبداع أو التفكير أو الدفاع عن السينما. فجأة يتحول رئيس جمعية مغمورة، أو منتج بلا إنتاج فعلي، أو “فاعل ثقافي” غير معروف داخل الصناعة، إلى نجم افتراضي بمجرد التقاط صورة قرب ممثل عالمي أو أمام شعار المهرجان. ثم تبدأ عملية التضخيم داخل الإعلام المحلي وصفحات التواصل: “حضور قوي”، “تمثيل المغرب”، “لقاءات دولية”، “إشعاع ثقافي”… بينما الواقع المهني داخل المهرجان لا يكاد يسجل وجود هؤلاء أصلًا.

الأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي معزول، بل أصبحت تكشف أزمة أعمق داخل البنية الثقافية العربية والمغربية تحديدًا. ففي الوقت الذي تتحول فيه المهرجانات العالمية إلى فضاءات شديدة الاحترافية تُقاس فيها قيمة الأشخاص بما يملكونه من مشاريع وشبكات وتأثير حقيقي، ما زال جزء من محيطنا الثقافي أسير عقلية “الصورة” و”الواجهة”. هناك من يحضر إلى “كان” كما لو أنه ذاهب إلى جلسة تصوير موسمية، لا إلى أكبر سوق سينمائي في العالم. لذلك نادرًا ما نجد أسماءهم داخل اللقاءات المهنية الكبرى، أو منصات الإنتاج المشترك، أو شبكات التوزيع، أو الورشات التي تصنع مستقبل السينما فعلًا.

هذا ما يفسر أيضًا كيف أصبح بعض هؤلاء يتحولون، بعد العودة من المهرجانات، إلى “خبراء” يتحدثون في كل شيء: السينما، النقد، الثقافة، السياسة، وحتى الجيوسياسة الثقافية، رغم أن علاقتهم الفعلية بالمجال تكاد تكون سطحية. إنها ظاهرة مرتبطة بزمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الاعتراف يُنتج فقط عبر الإنجاز، بل أحيانًا عبر كثافة الظهور البصري وإدارة الصورة الشخصية. وهنا تتحول المهرجانات من فضاءات للسينما إلى مسارح لإعادة إنتاج “النجومية الوهمية”.

لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا الاستعراض يحدث أحيانًا في وقت تعاني فيه السينما المغربية نفسها من أسئلة عميقة: أين هو التوزيع الدولي الحقيقي؟ أين الأفلام المغربية القادرة على اختراق الأسواق العالمية؟ أين الاستثمار في كتابة السيناريو؟ أين صناعة النجوم؟ أين مراكز التكوين الحديثة؟ وأين الربط الحقيقي بين السينما والاقتصاد الثقافي؟ فبينما تنفق طاقات كبيرة على صناعة الصورة الشخصية، تبقى البنية السينمائية نفسها في حاجة إلى معارك أكثر جدية تتعلق بالإنتاج والتكوين والتشريعات والتمويل والحرية الفنية.

لهذا يبدو مهرجان “كان” في النهاية أشبه بمرآة ضخمة تكشف ليس فقط قوة السينما العالمية، بل أيضًا هشاشة بعض نخبنا الثقافية التي ما زالت تخلط بين الحضور داخل الصورة والحضور داخل التاريخ. لأن السينما، في النهاية، لا تعترف بعدد الصور الملتقطة فوق السجاد الأحمر، بل بعدد الأفكار التي تستطيع أن تترك أثرها في ذاكرة العالم. والسؤال الحقيقي الذي يظل معلقًا بعد انطفاء أضواء المهرجانات ليس: “من التقط الصورة الأجمل؟”، بل: من كان هناك فعلًا ليصنع معنى جديدًا للسينما والثقافة والإنسان؟