أوزين والحنودي… حين تتحول الصورة إلى رسالة انتخابية أكبر من مجرد لقاء

0
103

في السياسة، ليست كل الصور مجرد صور. أحياناً تكفي لقطة واحدة، تجمع رجلين في لحظة انتخابية حساسة، لكي تفتح أسئلة تتجاوز ما تقوله الصورة نفسها. وهذا بالضبط ما حدث مع الصورة التي جمعت محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بالمكي الحنودي، الشخصية التي صنعت لنفسها خلال السنوات الماضية حضوراً سياسياً وإعلامياً شديد الخصوصية، لتتحول اللقطة في ظرف انتخابي دقيق إلى مادة للتأويل: هل نحن أمام لقاء عابر؟ أم أمام جس نبض؟ أم أن الحركة الشعبية تعيد فتح باب قديم مع رجل سبق أن حمل ألوانها انتخابياً؟

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي من حزب الحركة الشعبية عن استقطاب الحنودي، ولا تصريح معلن منه يؤكد عودته إلى الحزب. لذلك فإن القفز من الصورة إلى إعلان «الالتحاق» سيكون استعجالاً صحفياً. لكن السياسة لا تبدأ دائماً بالبلاغات الرسمية؛ أحياناً تبدأ بالإشارات، وباللقاءات، وبالصور التي تُترك عمداً لتطرح الأسئلة قبل أن تأتي الإجابات.

واللافت هنا أن اسم المكي الحنودي ليس اسماً انتخابياً عادياً. الرجل ارتبط خلال السنوات الماضية بصورة السياسي المحلي الذي لا يخشى الخروج من المنطقة الرمادية، والذي استطاع، بتدويناته ومواقفه، أن يجعل جماعة لوطا الصغيرة بإقليم الحسيمة حاضرة في النقاش الوطني أكثر من كثير من الجماعات الأكبر منها. وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من صناعة الصورة السياسية، تحول الحنودي إلى شخصية تتجاوز حدود موقعه المؤسساتي.

القصة الأكثر شهرة بدأت خلال فترة جائحة كورونا، عندما نشر الحنودي تدوينات اعتبرت تحدياً لقرارات الحظر الليلي، معلناً لسكان جماعته السماح بالتجول وارتياد المقاهي إلى وقت متأخر خلال رمضان، قبل أن تتدخل النيابة العامة ويتم توقيفه ومتابعته في حالة سراح. وقد انتهى المسار القضائي الابتدائي بحكم بالحبس موقوف التنفيذ والغرامة، قبل أن يعلن الحنودي لاحقاً صدور حكم استئنافي ببراءته.

لكن الحنودي لم يصنع صورته السياسية من كورونا وحدها. ففي 2020 أثار الانتباه عندما أعلن تخصيص فائض من ميزانية جماعته لمساعدة الصين في مواجهة تداعيات الوباء، بل التمس الترخيص له بزيارة الصين حاملاً تلك المساعدة. كانت المبادرة، بصرف النظر عن تقييمها السياسي والقانوني، كاشفة عن شخصية لا تتحرك وفق المسارات التقليدية للتواصل السياسي، وإنما تميل إلى المبادرة المباشرة وإلى تحويل الموقف المحلي إلى قضية قابلة للانتشار وطنياً.

ثم جاء ملف آخر أكثر حساسية. ففي أعقاب استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية نهاية 2020، أعلن الحنودي وجود اتصالات من أجل توأمة جماعة لوطا مع إحدى البلدات الإسرائيلية، وربط المبادرة بفكرة تعزيز العلاقات والتنسيق مع قوى السلام اليهودية. مرة أخرى، لم يكن الأمر مجرد تدبير جماعي محلي؛ فقد وضع رئيس جماعة صغيرة نفسه داخل نقاش وطني ودولي شديد الحساسية.

وهنا تكمن إحدى أهم مفاتيح قراءة لقاء أوزين بالحنودي: الحركة الشعبية لا تلتقي فقط مع رجل له تجربة انتخابية، وإنما تلتقي مع شخصية لها قدرة على صناعة الانتباه. وهذه خاصية أصبحت لها قيمة انتخابية متزايدة في زمن لم تعد فيه الحملة الانتخابية تُقاس فقط بعدد التجمعات والملصقات، بل بقدرة المرشح أو الحزب على احتلال مساحة في النقاش العمومي.

والأهم أن العلاقة بين الحنودي والحركة الشعبية ليست جديدة أصلاً. ففي انتخابات 2021، ترشح الحنودي باسم حزب الحركة الشعبية في جماعة لوطا، بعدما كان قد غادر الاتحاد الاشتراكي وخاض تجربة سياسية متحركة بين أكثر من حزب. وخسر حينها الدائرة الرابعة بفارق خمسة أصوات فقط: 100 صوت مقابل 105 لمنافسه الاتحادي. لذلك فإن صورة اليوم لا تعني بالضرورة أن الحركة الشعبية «تكتشف» الحنودي لأول مرة؛ بل يمكن قراءتها، على العكس، باعتبارها إعادة فتح لقناة سياسية كانت موجودة من قبل.

وهذا التفصيل يغير معنى الصورة برمته. فلو كان الأمر يتعلق بشخصية جديدة تماماً، لكان السؤال هو: لماذا يريد أوزين استقطابها؟ أما والحال أن الرجل سبق أن ترشح باسم «السنبلة»، فإن السؤال يصبح أكثر عمقاً: لماذا يعود اسمه الآن إلى واجهة الحركة الشعبية؟ ولماذا في هذه اللحظة تحديداً؟

الجواب لا يمكن أن يكون منفصلاً عن طبيعة المرحلة التي يعيشها الحزب. محمد أوزين يخوض أول انتخابات تشريعية بصفته أميناً عاماً للحركة الشعبية، في استحقاق حدد موعده في 23 شتنبر 2026، وهو استحقاق يحمّله شخصياً جزءاً كبيراً من مسؤولية مستقبل الحزب السياسي. وقد جعل أوزين نفسه من «استعادة الثقة» عنواناً مركزياً لخطابه الانتخابي، مؤكداً أن الانتخابات المقبلة ليست مجرد معركة مقاعد، بل معركة لإقناع المواطن بأن السياسة ما تزال قادرة على التأثير.

ومن هنا يمكن فهم التحركات التي يقوم بها أوزين في الميدان. فالحركة الشعبية لا تبحث فقط عن برنامج انتخابي، بل عن حضور اجتماعي وانتخابي قادر على ترجمة خطاب «البديل الحركي» إلى أسماء وشبكات ووجوه محلية. والحزب أعلن بالفعل عن دينامية تواصلية واسعة مع مناضليه وفعالياته المحلية تحت شعار «جا الوقت» لبديل حركي.

لكن الصورة تحمل أيضاً رسالة أخرى، وربما أكثر أهمية: أوزين نفسه أصبح يمارس السياسة بمنطق مختلف عن الصورة التقليدية للحزب المعارض. فهو يحاول بناء حركة انتخابية تقوم على استقطاب الوجوه، وتوسيع دوائر التواصل، والاقتراب من شخصيات لها حضور ميداني أو رقمي، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب الحزبي الكلاسيكي.

وهذا يفسر جزئياً لماذا يمكن أن يكون الحنودي مفيداً للحركة الشعبية، حتى من دون أن يكون إعلان الانضمام قد حصل. فالسياسي الذي يستطيع أن يصنع الجدل يملك رأسمالاً سياسياً من نوع مختلف: ليس بالضرورة رأسمال الأصوات، وإنما رأسمال الانتباه. وفي انتخابات أصبحت فيها شبكات التواصل جزءاً من المعركة، قد يصبح هذا النوع من الرأسمال ذا قيمة انتخابية حقيقية.

لكن هنا أيضاً تبدأ الأسئلة الصعبة.

هل يستطيع الحنودي تحويل شهرته الرقمية إلى أصوات فعلية؟ تجربة 2021 تقدم جواباً يجب ألا تتجاهله الحركة الشعبية: الرجل كان معروفاً على نطاق واسع، لكنه خسر دائرته بفارق خمسة أصوات فقط. وهذا يعني أن الشهرة شيء، والامتداد الانتخابي المنظم شيء آخر. السياسة المحلية لا تُحسم دائماً بمن يثير أكبر قدر من النقاش، وإنما بمن يستطيع تحويل ذلك النقاش إلى شبكة ناخبين، وتنظيم، وحضور يومي داخل المجال الانتخابي.

ومن زاوية أخرى، فإن عودة اسم الحنودي إلى محيط الحركة الشعبية تضع أوزين أمام اختبار في إدارة التوازن بين «الجاذبية الإعلامية» و«الانضباط الحزبي». فالحزب الذي يريد أن يقدم نفسه كبديل سياسي لا يستطيع أن يبني صورته فقط على الشخصيات المثيرة للجدل، كما لا يستطيع في الوقت نفسه أن يتجاهل قيمة الشخصيات التي تستطيع تحريك النقاش العام. المعادلة الدقيقة هي كيف يستفيد من الأولى من دون أن يدفع ثمن الثانية.

وهذه ليست مسألة نظرية بالنسبة إلى أوزين. فالحركة الشعبية نفسها دخلت خلال الأشهر الماضية في نقاشات داخلية مرتبطة بالتزكيات والاستعداد للانتخابات، وتحدثت تقارير عن مقاطعة عدد من أعضاء المكتب السياسي لقاءً خصص لتقديم الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي، في مؤشر على أن مرحلة ما قبل الانتخابات ليست خالية من التوتر داخل الحزب.

لذلك، فإن لقاء أوزين بالحنودي يمكن أن يُقرأ أيضاً ضمن معركة أوسع: معركة إعادة بناء القوة الانتخابية للحركة الشعبية قبل أن تبدأ المعركة الرسمية. في هذه المرحلة، كل شخصية لها حضور محلي تصبح قابلة للحساب السياسي، وكل علاقة قد تكون بداية تفاوض، وكل صورة يمكن أن تكون رسالة موجهة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه.

لكن الرسالة لا تتجه بالضرورة إلى الناخب وحده. فقد تكون الصورة موجهة أيضاً إلى الفاعلين المحليين في الحسيمة، وإلى خصوم الحركة الشعبية، وإلى قواعد الحزب نفسها: الحركة تتحرك، وأوزين يبحث عن الأسماء، والأبواب التي كانت مغلقة يمكن أن تفتح من جديد.

أما بالنسبة إلى الحنودي، فإن العودة إلى المشهد عبر بوابة أوزين تحمل هي الأخرى أكثر من معنى. الرجل الذي خرج من تجربة سياسية إلى أخرى، والذي سبق أن حمل ألوان الحركة الشعبية في 2021، يعرف أن السياسة ليست فقط موقعاً حزبياً؛ إنها أيضاً قدرة على العودة إلى الضوء عندما تتغير موازين اللحظة.

وهنا تصبح الصورة أهم من خبر «الانضمام» نفسه. لأن السؤال الحقيقي ليس هل انضم المكي الحنودي اليوم إلى الحركة الشعبية أم لا، فهذا يحتاج إلى إعلان رسمي. السؤال الأعمق هو: هل قرر محمد أوزين أن يعيد إلى الملعب السياسي شخصيات كانت قد خرجت من دائرة الضوء، ولكنها ما زالت تملك قدرة على صناعة الضجيج والجدل والتعبئة؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن صورة أوزين والحنودي ليست نهاية قصة، بل ربما بداية تفاوض سياسي جديد.

فالانتخابات لا تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تبدأ الأحزاب في إعادة ترتيب خرائطها، واختبار الوجوه، وقياس قوة كل اسم، ومعرفة من يستطيع أن يجلب الأصوات، ومن يستطيع أن يجلب الانتباه، ومن يستطيع أن يجمع بين الاثنين.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو صورة محمد أوزين إلى جانب المكي الحنودي أقل براءة مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

إنها صورة تقول، من دون أن تصرح: في انتخابات 23 شتنبر، الحركة الشعبية لا تبحث فقط عن المرشحين… إنها تبحث عن الذين يستطيعون أن يجعلوا الناس يتحدثون عنها.