بين المال العام والفراغ الرقابي… عزيز غالي يطرح السؤال الأخطر: من يحاسب حين تتبخر المليارات وتصمت المؤسسات؟

0
140

في صباح يبدو عادياً في ظاهره، قد يقف مواطن بسيط أمام صيدلية صغيرة في حي شعبي، يتأمل لائحة أسعار دواء يفترض أنه أساسي لعلاج مرض مزمن. لا شيء في المشهد يوحي بأنه سياسي، ولا أن هذا الوقوف الصامت أمام الواجهة الزجاجية يمكن أن يتحول إلى مدخل لفهم طريقة اشتغال دولة كاملة. لكن هذا بالضبط ما تكشفه التفاصيل الصغيرة حين تتراكم: السياسة لا تظهر دائماً في الخطب، بل في ثمن العلبة، وفي جودة الطريق، وفي جدوى المستشفى، وفي السؤال البسيط الذي يتكرر بصوت خافت: لماذا أصبح العيش اليومي أكثر كلفة وأقل وضوحاً في مبرراته؟

هذا النوع من الأسئلة هو الذي يشكل الخلفية غير المعلنة لنقاش واسع دار في سياق تصريحات مطولة للناشط الحقوقي عزيز غالي، حيث قدّم سلسلة من المعطيات والقراءات حول تدبير المال العام، وسياسات الصحة، والصفقات العمومية، وطبيعة العلاقة بين القرار السياسي والمصالح الاقتصادية. ورغم الطابع الجدلي لبعض ما ورد في حديثه، فإن القيمة الأساسية لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في الأسئلة التي يفتحها حول بنية النموذج التدبيري نفسه، وحول المسافة المتزايدة بين الأرقام المعلنة وبين الأثر الملموس في حياة المواطنين.

حين تُطرح أرقام بمئات المليارات في قطاعات مثل الطرق، أو تدبير النفايات، أو دعم مشاريع تنموية كبرى، فإن أول ما يبدو على السطح هو حجم الاستثمار. لكن التحليل الأعمق يبدأ من سؤال مختلف: كيف تتحول هذه الأرقام من مؤشرات مالية إلى أثر اجتماعي ملموس؟ هنا تحديداً تبدأ الفجوة التي تثير الجدل. فبين البرامج المعلنة، والنتائج الملموسة على الأرض، يظهر ما يشبه منطقة رمادية، لا هي فشل كامل يمكن قياسه بسهولة، ولا هي نجاح واضح يمكن تبريره بالأرقام الرسمية.

في قطاع تدبير النفايات مثلاً، تُطرح مشاريع ضخمة بكلفة مليارية تمتد على سنوات طويلة، لكن النقاش العمومي لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار، بل بمدى استدامة الأثر، وبمدى تحول هذه المشاريع إلى خدمة عمومية واضحة يشعر بها المواطن في نظافة مدينته، وجودة محيطه، وفعالية البنية التحتية المرتبطة به. وفي هذه النقطة بالتحديد، يصبح السؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام إشكال في التنفيذ، أم في الحكامة، أم في منظومة التعاقد نفسها بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين؟

الأمر نفسه يتكرر في قطاع آخر أكثر حساسية، هو قطاع الصحة والدواء. هنا لا يتعلق النقاش بالأرقام فقط، بل بالوصول الفعلي إلى العلاج. حين يصبح الفرق بين سعر دواء في دولة أخرى وسعره في السوق المحلي مضاعفاً بشكل كبير، فإن السؤال لا يعود تقنياً فقط، بل يتحول إلى سؤال سياسي بامتياز: من يحدد السعر النهائي؟ وكيف يتم تشكيل سلاسل التوزيع؟ وما هو وزن الوساطة التجارية في رفع الكلفة النهائية؟

في هذا السياق، يبرز الحديث عن ما يُوصف باللوبيات الاقتصادية كعنصر حاضر في النقاش، ليس باعتباره تفسيراً جاهزاً، بل كإطار لفهم العلاقة المعقدة بين الفاعل الاقتصادي وصانع القرار. فحين تتداخل المصالح بين شركات التوزيع، والفاعلين في الاستيراد، وبعض حلقات الإنتاج، يصبح من الصعب رسم خط واضح بين ما هو قرار عمومي وما هو تأثير غير مباشر لموازين السوق.

لكن أخطر ما في هذا النقاش ليس فقط وجود هذه التداخلات، بل ضعف القدرة على قياس أثرها بشكل مؤسساتي شفاف. فغياب المعطيات الدقيقة أو صعوبة الوصول إليها يجعل النقاش العام يتحول أحياناً إلى سجال سياسي أكثر منه تحليلاً اقتصادياً قائماً على البيانات. وهنا يظهر خلل آخر لا يقل أهمية: أزمة المعلومة نفسها، وكيف يتم إنتاجها وتداولها داخل الفضاء العمومي.

في المقابل، لا يمكن قراءة هذه الملفات بمعزل عن التحولات الأوسع التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، خصوصاً على مستوى السياسات العمومية المرتبطة بالبنية التحتية والحماية الاجتماعية. فقد تم إطلاق برامج واسعة النطاق، بعضها مرتبط بتعميم التغطية الصحية، وبعضها الآخر بتحديث الشبكات الطرقية، أو دعم قطاعات إنتاجية معينة. غير أن السؤال الذي يرافق هذه التحولات ليس فقط “ماذا تحقق؟”، بل “كيف تحقق؟” و”بأي كلفة اجتماعية ومؤسساتية؟”.

هذا النوع من الأسئلة يقودنا إلى مستوى أعمق من التحليل، يتعلق بطبيعة النموذج التدبيري نفسه. هل هو نموذج مركزي تُتخذ فيه القرارات الكبرى في مستويات عليا ثم تُنزل للتنفيذ؟ أم أنه نموذج تشاركي يسمح بتعديل السياسات بناءً على التقييم الميداني؟ الفارق بين النموذجين ليس تقنياً فقط، بل يحدد شكل العدالة الترابية، وتوزيع الموارد، وقدرة الجهات على التفاعل مع حاجياتها الخاصة.

في هذا السياق، تبرز الإشارة إلى النقاش حول المركزية مقابل الجهوية المتقدمة، ليس كخيار إداري فقط، بل كإشكال سياسي مرتبط بمفهوم الدولة نفسها: هل الدولة فاعل مباشر في كل التفاصيل، أم منظم يوزع الصلاحيات ويكتفي بالمراقبة والتوجيه؟ هذا السؤال يبدو نظرياً، لكنه في الواقع ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية: المستشفى القريب، المدرسة، النقل، والفرص الاقتصادية.

ومع تداخل هذه المستويات، يصبح من الصعب أحياناً فصل الاقتصادي عن السياسي، أو التقني عن المؤسساتي. فكل قرار في الصحة أو الاستثمار أو البنية التحتية يحمل في طياته رؤية معينة للدولة ولأدوارها. وحين تتراكم القرارات دون نقاش عمومي كافٍ، يتحول الشعور العام إلى نوع من الغموض: معرفة أن هناك استثماراً كبيراً، دون القدرة على تتبع أثره النهائي بشكل واضح.

في النهاية، ما تكشفه هذه النقاشات ليس مجرد خلاف حول أرقام أو ملفات قطاعية، بل سؤال أعمق حول معنى الفعالية العمومية نفسها: كيف يمكن لدولة تمتلك موارد وخططاً واستراتيجيات متعددة أن تضمن أن يتحول هذا التراكم إلى أثر ملموس وعادل في حياة المواطنين؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة في سياق تتداخل فيه المصالح، وتتسارع فيه التحولات، وتصبح فيه المعلومة نفسها جزءاً من الصراع حول الحقيقة؟

قد لا تكون الإجابة سهلة أو جاهزة. لكن المؤكد أن قوة أي نموذج تنموي لا تُقاس بحجم الأرقام التي يعلنها، بل بقدرته على تحويل تلك الأرقام إلى حياة يومية أكثر وضوحاً، وعدلاً، وكرامة. وفي هذه المسافة تحديداً، بين الرقم والحياة، تتحدد اليوم طبيعة الأسئلة الكبرى التي لم يعد ممكناً تأجيلها.