بين التحوّل الهادئ والضغط الدولي: هل تعيد الجزائر رسم موقفها من الصحراء في لحظة إعادة تشكيل ميزان النفوذ الإقليمي؟

0
125

في لحظة سياسية دقيقة تعيد رسم خرائط التموقعات في ملف الصحراء، خرج الخطاب الجزائري الأخير بنبرة مختلفة عمّا اعتاده المتابعون خلال السنوات الماضية. تصريح وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف حول “الترحيب بالمسار التفاوضي” الذي انطلق مطلع هذا العام تحت إشراف مشترك بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لم يمرّ كجملة دبلوماسية عابرة، بل فُهم على نطاق واسع باعتباره إشارة إلى تحوّل تدريجي في مقاربة الجزائر لواحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة.

هذا التصريح يأتي في سياق دولي يتسم بتصاعد النقاش حول إعادة إحياء مسار التسوية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة أطراف إقليمية أساسية، في مقدمتها المغرب، الجزائر، موريتانيا، إضافة إلى طرف النزاع المتمثل في جبهة البوليساريو. الجديد في الخطاب الجزائري ليس فقط قبول مفردة “التفاوض”، بل الإقرار الضمني بأن المسار الجاري لم يعد يقتصر على الرواية التقليدية التي تحصر الملف بين المغرب والبوليساريو فقط، بل أصبح أكثر تركيبًا واتساعًا في هندسته السياسية.

وتبرز أهمية هذا التحول إذا ما وُضع إلى جانب القرار الأممي الأخير الذي أعاد التأكيد على مركزية المقترح المغربي للحكم الذاتي كأرضية واقعية للحل السياسي. هذا التطور الأممي، الذي تزامن مع حركية دبلوماسية مكثفة داخل مجلس الأمن، أسهم في إعادة ترتيب لغة الخطاب لدى عدد من الفاعلين الإقليميين، وعلى رأسهم الجزائر، التي وجدت نفسها أمام معادلة دولية جديدة لا تشبه تلك التي سادت في العقدين الماضيين.

في هذا السياق، لا يمكن فصل تصريحات عطاف عن التحولات التي يعرفها الموقف الدولي من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، والتي باتت تحظى بدعم متزايد من قوى دولية وازنة، ومعها تراجع تدريجي في زخم الطرح الانفصالي على مستوى الاعترافات السياسية. هذا التغير لا يظهر فقط في البيانات الرسمية، بل في طبيعة اللغة الدبلوماسية التي باتت تميل نحو “الواقعية السياسية” بدل الشعارات التقليدية.

كما أن تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الفترة الأخيرة، والتي اتسمت بقدر أكبر من التحفظ مقارنة بخطاب التصعيد السابق، تعكس بدورها ملامح إعادة ضبط تدريجية للنبرة الرسمية. فبدل لغة المواجهة المباشرة، بدأ الخطاب الرسمي الجزائري يتحدث عن “مسار أممي” مفتوح، في إشارة إلى إدراك متزايد بأن دينامية الملف لم تعد تُدار بنفس أدوات الماضي.

على الأرض الدبلوماسية، لعبت التطورات الأمنية في المنطقة دورًا إضافيًا في تسريع هذا التحول. فتصاعد التوترات في الساحل الإفريقي، وتزايد المخاوف من انعكاسات النزاعات غير المحسومة على الاستقرار الإقليمي، جعلا من ملف الصحراء عنصرًا مرتبطًا بشكل مباشر بمعادلات الأمن الإقليمي وليس فقط خلافًا سياديًا ثنائي البعد. هذا الترابط بين الأمن والسياسة أعاد دفع الفاعلين الدوليين إلى التشديد على ضرورة الوصول إلى حل سريع وعملي، بدل إبقاء الوضع في حالة “تجميد مزمن”.

وفي موازاة ذلك، لعبت المواقف الغربية الأخيرة، خصوصًا من الولايات المتحدة الأمريكية، دورًا لافتًا في إعادة توجيه النقاش. فالتصريحات التي أدانت بشكل واضح بعض الهجمات المنسوبة إلى جبهة البوليساريو، والتأكيد على ضرورة عدم عرقلة المسار التفاوضي، عكست تحولًا في درجة الانخراط الدولي في الملف، بات يميل أكثر نحو دعم الاستقرار والحل السياسي الواقعي، بدل إبقاء النزاع في دائرة إدارة الأزمة.

هذا التراكم في التحولات، سواء على مستوى الخطاب الجزائري أو على مستوى المواقف الدولية، يضع الجزائر أمام لحظة إعادة تموضع دقيقة. فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من خطابها الدبلوماسي على دعم الطرح التقليدي في الملف، تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي جديد يعيد تعريف موازين التأثير والقبول داخل المؤسسات الأممية.

في العمق، لا يبدو أن الأمر يتعلق بتغيير مفاجئ بقدر ما هو مسار تراكمي بطيء، فرضته التحولات الجيوسياسية، وضغط التوازنات الإقليمية، وتغير أولويات القوى الكبرى. ومع كل تصريح جديد، يتأكد أن لغة “الحسم السريع” في هذا الملف بدأت تتراجع لصالح لغة “التفاوض الممكن”، بما يحمله ذلك من إعادة صياغة لمفاهيم الصراع والحل معًا.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التحول: هل نحن أمام مراجعة استراتيجية فعلية في موقف الجزائر من ملف الصحراء، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي تفرضه لحظة دولية متغيرة؟ سؤال مفتوح يترك المشهد في حالة انتظار، حيث لا تزال حدود التحول الحقيقي غير مكتملة المعالم، لكن مؤشراته باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.