أوزين يرفع سقف التفاوض: الحركة الشعبية لا تريد دخول الحكومة بأي ثمن

0
80

لم ينتظر محمد أوزين نهاية الانتخابات ليحدد موقع الحركة الشعبية في الحكومة المقبلة، لكنه لم يمنح نفسه أيضاً ترف إعلان تحالف مسبق. في حواره ضمن برنامج «ساعة الصراحة» على القناة الثانية، اختار الأمين العام لحزب الحركة الشعبية أن يضع المسألة في صيغة أكثر تعقيداً: الحزب منفتح على التحالفات، لكن ليس على حساب برنامجه، ولا يريد أن يدخل حكومة جديدة ليجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن حصيلة لا يتحمل مسؤوليتها.

هذه النبرة بدت واضحة عندما سئل أوزين مباشرة عن إمكانية التحالف بعد انتخابات 23 شتنبر. لم يقل إن الحركة ستتجه إلى المعارضة، ولم يعلن استعدادها للانضمام إلى أي أغلبية تتشكل. قال، في المقابل، إن التحالفات جزء من السياسة، لكن لها شروطها، وإن الحزب سيبحث عن «الحد الأدنى» الذي يمكن الاتفاق عليه مع شركائه، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج والالتزامات.

العبارة تبدو بسيطة، لكن توقيتها ليس عادياً. فالحركة الشعبية تدخل الانتخابات وهي تحاول تجاوز صورة الحزب الذي يتأرجح بين المشاركة الحكومية والمعارضة بحسب موازين المرحلة. وفي انتخابات 2021 حصل الحزب على 32 مقعداً في مجلس النواب، ليأتي خامساً وفق المعطيات التي قدمتها الحلقة. أما الآن، فإن أوزين يتحدث عن طموح أكبر، من دون أن يحدد رقماً انتخابياً.

وهذا ربما هو الجزء الأكثر واقعية في حديثه: لم يقدم نتيجة قبل أن تبدأ الانتخابات.

بدلاً من ذلك، ركز على ما سماه إعادة الثقة بين السياسي والمواطن. ومن هذه الزاوية انتقل الحوار سريعاً من حساب المقاعد إلى سؤال المرشحين أنفسهم.

أوزين تحدث عن رفع نسبة الشباب والنساء في الترشيحات، لكنه لم يقدم المسألة باعتبارها شعاراً انتخابياً منفصلاً عن الحسابات الانتخابية. قال بوضوح إن الحزب لا يريد أن يضع شاباً أو شابة في دائرة يعلم مسبقاً أن فرص الفوز فيها ضعيفة فقط من أجل تحسين الصورة. بالنسبة إليه، الواقعية السياسية تفرض اختيار مرشحين قادرين على المنافسة، مع العمل في الوقت نفسه على بناء جيل جديد داخل الحزب.

هذه النقطة تكشف شيئاً من طبيعة المعركة التي يخوضها الحزب. فالتجديد داخل الأحزاب لا يحسمه الإعلان عن نسبة الشباب أو النساء، بل السؤال الأصعب: من يحصل فعلاً على الدائرة القابلة للفوز؟

وفي هذا السياق جاء الحديث عن امحند العنصر، الأمين العام السابق للحركة الشعبية، وإمكانية ترشحه في بولمان. أوزين لم يقدم الأمر كحسم نهائي، بل تحدث عن احتمال نزول العنصر إلى الميدان وعن ضرورة انتظار ما ستسفر عنه العملية الانتخابية. وهي إجابة تكشف أن الحزب نفسه لا يزال يتعامل مع بعض الترشيحات باعتبارها جزءاً من الحساب السياسي الجاري، لا ملفاً مغلقاً.

لكن أكثر أجزاء الحوار حساسية كان حين انتقل أوزين إلى حصيلة الحكومة.

هنا ترك الرجل موقع الأمين العام لحزب يستعد للانتخابات، وتحدث بلغة المعارضة التي تريد أن تجعل من الحصيلة الحكومية محوراً للمحاسبة. انتقد ما اعتبره ضعفاً في حماية القدرة الشرائية، وتساءل عن أثر الدعم العمومي وعن استفادة المواطنين منه، وربط ذلك بارتفاع الأسعار وبطريقة تدبير المنافسة والأسواق.

غير أن أوزين لم يكتف بالانتقاد العام. تحدث عن ضرورة أن يكون الدعم مرتبطاً بأهداف قابلة للقياس وبالمسؤولية والمحاسبة، وضرب مثالاً بمواد أساسية قال إن أسعارها ارتفعت رغم تدخل الدولة.

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة والضعف في الخطاب نفسه: القوة في نقل النقاش من شعار «الدعم» إلى سؤال ماذا حصل المواطن فعلاً، والضعف في أن عدداً من الأرقام والأمثلة التي وردت في الحديث تحتاج إلى تدقيق مستقل قبل التعامل معها باعتبارها معطيات نهائية.

الأمر نفسه ينطبق على حديثه عن الدعم العمومي لبعض القطاعات. أوزين قال إن حزبه، من موقع المعارضة، طلب من لجان برلمانية تقصي الحقائق، وانتقد ما وصفه بغياب الشفافية في بعض أوجه الاستفادة من الدعم. لكنه لم يقدم في الحوار أسماء المستفيدين الذين سئل عنهم، مفضلاً القول إن الكشف عن الحقيقة يجب أن يتم عبر المؤسسات.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن الخطاب الانتخابي عادة ما يميل إلى تسمية الخصم وتحميله المسؤولية. أوزين اختار في هذه الحالة أن يبقي الاتهام في مستوى النظام وطريقة التدبير، لا في مستوى اتهام أشخاص بأسمائهم.

وفي ملف آخر، أكثر التصاقاً بحياة الشباب، كان موقفه أكثر وضوحاً: رفض سقف سن موحداً ومنخفضاً للتوظيف العمومي، وانتقد تحديد أعمار في بعض المباريات عند 30 أو 35 سنة، بينما السن القانوني العام للوظيفة العمومية أعلى من ذلك.

وربط أوزين هذه السياسة بما اعتبره عجزاً عن إصلاح منظومة التقاعد. وهذه المرة أيضاً ينبغي الفصل بين الأمرين: انتقاد سقف السن موقف سياسي واضح، أما الربط السببي بينه وبين إصلاح صناديق التقاعد فهو تفسير سياسي قدمه أوزين، وليس حقيقة مثبتة بمجرد ورودها في الحوار.

الجزء الآخر من المقابلة حمل اهتماماً مختلفاً: الشباب خارج المدن.

خلال حديثه عن جولة في العالم القروي، وصف أوزين مشاكل التعمير والبنيات التحتية والرخص باعتبارها من العوائق التي تواجه سكان المناطق الجبلية والقروية. وانتقد إخضاع البناء في القرى للمساطر نفسها المعمول بها في المدن، معتبراً أن اختلاف طبيعة المجال يجب أن ينعكس على طريقة التعامل الإداري معه.

ثم عاد إلى ملف دور الشباب.

استعاد أوزين تجربة سابقة عندما كان وزيراً للشباب والرياضة، وتحدث عن برنامج قال إنه كان يهدف إلى إعادة الحياة إلى دور الشباب وتحويلها إلى فضاءات للنشاط الثقافي والرياضي. وأشار إلى أن التجربة توقفت بعد ما وصفه بـ«الكراطة»، في إشارة إلى فضيحة مرتبطة بقطاع الرياضة في تلك المرحلة.

لكن الملف الذي أخذ مساحة لافتة في الدقائق الأخيرة كان مختلفاً تماماً: الأطفال والتكنولوجيا.

أمام سؤال حول حماية الأطفال من الآثار النفسية والعقلية المحتملة للاستعمال المكثف للتكنولوجيا، لم يذهب أوزين إلى المطالبة بمنع شامل للهواتف والأجهزة اللوحية. بالعكس، قال إن المنع وحده لا يصنع الوعي، وإن المطلوب هو التربية الرقمية داخل المدرسة والأسرة والإعلام، وتعليم الأطفال كيف يتعاملون مع التكنولوجيا ويختارون المحتوى الذي يتعرضون له.

ثم عاد إلى دور الشباب باعتبارها فضاءات يمكن أن تستوعب جزءاً من هذا التحول، بما فيها الأنشطة الرقمية والثقافية والرياضية.

قد يبدو هذا الملف بعيداً عن الانتخابات، لكنه في الحقيقة يلامس أحد الأسئلة التي تحاول الأحزاب الإجابة عنها اليوم: كيف تتحدث إلى جيل لا يتلقى السياسة بالطريقة التي كانت تفعلها الأجيال السابقة؟

في نهاية الحوار، ظل أوزين حريصاً على إبقاء الباب مفتوحاً أمام المشاركة الحكومية، لكنه رفض أن تتحول المشاركة إلى غاية في حد ذاتها.

الحركة الشعبية، وفق ما قاله أمينها العام، ستدخل في مفاوضات إذا أفرزت الانتخابات إمكانية لذلك، لكنها ستضع برنامجها وشروطها على الطاولة. وإذا لم يكن هناك اتفاق على الحد الأدنى الذي يراه الحزب ضرورياً، فالمعارضة تبقى خياراً.

المهم هنا ليس ما إذا كانت الحركة الشعبية ستدخل الحكومة فعلاً بعد 23 شتنبر. لا أحد يملك هذه الإجابة الآن.

الأهم أن أوزين حاول، قبل معرفة النتيجة، تغيير السؤال الذي سيُطرح على حزبه بعد الانتخابات: ليس فقط كم مقعداً حصلتم عليه؟ بل ماذا ستفعلون بهذه المقاعد إذا حصلتم عليها؟

والجواب الذي قدمه في «ساعة الصراحة» كان واضحاً في نقطة واحدة على الأقل: المشاركة في الحكومة ليست شيكاً على بياض، والمعارضة ليست بالضرورة انسحاباً من الفعل السياسي.




أما اختبار هذا الكلام، فلن يحدث داخل الاستوديو. سيبدأ عندما تُغلق صناديق الاقتراع، وتتحول المواقف الانتخابية إلى أرقام، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل الأغلبية.