حين تتحول التزكية إلى سلاح والقضاء إلى ظلّ سياسي… مواجهة أوزين ولخصم تكشف ما لا يُقال في قلب اللعبة الانتخابية المغربية

0
121

في السياسة المغربية، لا تبدأ بعض المعارك داخل صناديق الاقتراع، بل خلف الهواتف المغلقة، وفي الجلسات التي يُقال فيها الكثير دون أن يُكتب شيء رسمي. هناك دائما منطقة رمادية بين “التزكية” و”المنع”، بين لغة الحزب ولغة السلطة، وبين ما يُقال أمام الكاميرات وما يُهمس به في الكواليس. وفي تلك المنطقة تحديدا، انفجر مصطفى لخصم من جديد، لا كمجرد منتخب جماعي أو بطل عالمي سابق، بل كرجل يشعر أن المعركة لم تعد سياسية فقط، بل شخصية أيضا.

الخرجة الأخيرة للخصم، خلال حواره مع الصحافي حميد المهداوي، لم تكن مجرد رد على تصريحات أدلى بها محمد أوزين في القناة الأولى، بل بدت كعملية تفكيك علنية لعلاقة معقدة بين المنتخب المحلي والحزب السياسي، وبين الطموح الانتخابي والحسابات التي تتحكم في صناعة المرشحين داخل الأحزاب المغربية. الرجل تحدث بلغة غاضبة، أحيانا متوترة، وأحيانا أخرى بلغة من يعتبر نفسه تعرض لـ”الخداع السياسي”، بعدما كان ينتظر تزكية باسم حزب الحركة الشعبية قبل أن يجد نفسه، حسب روايته، أمام حديث عن “مشاورات مع وزارة الداخلية” وعن ملفات قضائية قد تعرقل ترشحه.

ما قاله مصطفى لخصم يتجاوز مجرد خلاف شخصي مع الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، لأنه يفتح من جديد سؤالا قديما في الحياة السياسية المغربية: إلى أي حد تستطيع الأحزاب فعلا اتخاذ قراراتها باستقلالية كاملة حين يتعلق الأمر بمرشحين يثيرون الجدل أو يملكون شعبية مقلقة؟ فحين يكرر لخصم أن أوزين أخبره بوجود “تشاور مع الداخلية”، فإن النقاش ينتقل مباشرة من مستوى الخلاف الحزبي إلى مستوى أخطر يتعلق بصورة العلاقة بين الإدارة والسياسة والانتخابات.

الأخطر في كلام لخصم لم يكن فقط حديثه عن التزكية، بل اتهامه المباشر بأن تصريحات أوزين تمثل نوعا من “التحريض على القضاء”، خصوصا عندما ربط الأمين العام للحركة الشعبية بين متابعات لخصم القضائية وإمكانية منحه التزكية. هنا يتحول النقاش من مجرد حسابات انتخابية إلى سؤال حساس حول الحدود الفاصلة بين التعليق السياسي والتأثير الرمزي على العدالة. ففي بلد ما تزال فيه ثقة جزء من الرأي العام في المؤسسات مرتبطة بمدى استقلال القضاء عن الصراعات السياسية، تصبح مثل هذه التصريحات قابلة لتأويلات كثيرة، حتى لو لم تصدر في إطار قانوني مباشر.

لكن خلف هذا الصدام السياسي، يظهر وجه آخر للقصة أقل ضجيجا وأكثر عمقا: أزمة الثقة داخل الأحزاب نفسها. مصطفى لخصم يتحدث كرجل يشعر أنه استُعمل انتخابيا ثم تُرك وحيدا عندما بدأت المشاكل. وأوزين، من جهته، بدا في خرجه التلفزي وكأنه يحاول تقديم نفسه كمسؤول حزبي يوازن بين الطموح الانتخابي واحترام “المؤسسات” والقانون. بين الروايتين، يضيع المواطن مرة أخرى في منطقة رمادية لا يعرف فيها أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الحسابات السياسية.

ما يجعل هذا الملف يثير الانتباه أكثر، هو أن مصطفى لخصم ليس سياسيا تقليديا خرج من رحم التنظيمات الحزبية الكلاسيكية، بل شخصية صنعت شهرتها خارج السياسة، داخل الرياضة والقتال والفرجة الجماهيرية. لذلك فإن دخوله المجال السياسي حمل منذ البداية صورة “الرجل القوي” القادم لمواجهة الفساد والصراعات المحلية. غير أن التجربة كشفت تدريجيا أن السياسة ليست دائما حلبة تُحسم فيها الأمور بالقوة أو الشعبية، بل بشبكات التوازنات والولاءات والتفاهمات المعقدة التي لا تظهر أمام الجمهور.

وفي خضم هذا السجال، يعود اسم حميد المهداوي أيضا كجزء من المشهد، ليس فقط كمحاور صحافي، بل كرمز لنوع من الإعلام الذي أصبح يستقطب السياسيين الغاضبين والوجوه التي تشعر أنها لم تعد تجد مكانا مريحا داخل الإعلام التقليدي. لهذا لم يكن غريبا أن يتحول لقاء المهداوي مع لخصم إلى مادة سياسية مشتعلة، لأن المنصة نفسها أصبحت بالنسبة للبعض فضاء لتصفية الحسابات وكشف الكواليس، وبالنسبة لآخرين فضاء لتأجيج الشعبوية والصدام.

القصة هنا لا تتعلق فقط بمصطفى لخصم أو بمحمد أوزين. ما يحدث يكشف شيئا أعمق داخل المشهد المغربي: هشاشة العلاقة بين الأحزاب ومنتخبيها، واستمرار الشكوك حول حدود تدخل السلطة في الحياة السياسية، وتحول الإعلام الجديد إلى ساحة موازية لإدارة الصراعات. والأخطر ربما، أن المواطن الذي يتابع كل هذا لم يعد يسأل من يكذب ومن يقول الحقيقة، بل أصبح يسأل سؤالا أكثر قسوة: هل ما يجري داخل السياسة فعلا هو تدبير للشأن العام، أم مجرد صراع على النفوذ تُستعمل فيه التزكيات، والقضاء، والإعلام، كأوراق ضغط متبادلة؟