«الحزب الوحيد هو القصر».. مايسة الناجي تفتح النار على لقجع وأخنوش قبل انتخابات 23 شتنبر

0
71

لم تنتظر مايسة الناجي الدخول الرسمي في الحملة الانتخابية كي تضع قراءتها الخاصة للمشهد. في تدوينة سياسية شديدة اللهجة، اختارت أن تبدأ من خلاصة لا تترك كثيراً من المساحة للتأويل: «ما كاين لا أحزاب لا برامج لا انتخابات. الحزب الوحيد هو القصر».

من هذه العبارة بنت الناجي رواية سياسية كاملة، جعلت فيها فوزي لقجع أحد مفاتيح المرحلة المقبلة، وربطت صعود حضوره السياسي بموقعه في التحضير لكأس العالم 2030، وبالتحولات التي تقول إنها تجري داخل الأغلبية الحكومية نفسها.

لكن ما تقوله الناجي شيء، وما تثبته الوقائع شيء آخر.

الرجل الذي تتحدث عنه لم يأت إلى السياسة من بوابة المعارضة. لقجع كان وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش، وظل في هذا الموقع خلال الولاية الحكومية الحالية. وهذه الحقيقة هي التي بنت عليها الناجي الجزء الأكثر حدة من انتقادها.

فهي لا تتوقف عند القول إن لقجع أصبح وجهاً سياسياً صاعداً، بل تعيد وضعه داخل التجربة الحكومية التي تقول إن صورته الجديدة يجري تقديمها باعتبارها مختلفة عنها. وتستخدم في وصف دوره السابق تعبير «صرّاف أخنوش»، في إشارة إلى موقعه في تدبير المالية العمومية والدفاع عن اختيارات الحكومة.

ثم تأتي الانتخابات.

المغرب يتجه إلى استحقاق تشريعي في 23 شتنبر المقبل، والأحزاب بدأت فعلاً في إعداد برامجها الانتخابية وترتيب لوائحها، فيما يُطرح تنظيم كأس العالم 2030 باعتباره أحد أكبر الملفات التي ستواجه الحكومة المقبلة. وقد تناولت تقارير إعلامية هذا الاستحقاق باعتباره اختباراً لحصيلة الأغلبية الحالية، وفي الوقت نفسه مدخلاً لإعادة ترتيب موازين القوى الحزبية.

داخل هذا السياق تضع الناجي لقجع في موقع مختلف.

هي تربط بين حضوره المتزايد في ورش «المغرب 2030» وبين ما تعتبره إعادة تموضع سياسي، وتذهب إلى أن الأعيان والفاعلين الانتخابيين، بحسب قراءتها، بدأوا في الاقتراب منه بعدما أدركوا تغير موازين القوة.

هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها استنتاجاً سياسياً للناجي، لا معلومة موثقة. فلا تكفي التجمعات التي يحضرها مسؤول أو الهتافات التي ترفع باسمه لإثبات وجود اصطفاف انتخابي منظم حوله، كما لا يمكن من خلالها وحدها الجزم بأن حزباً بعينه يستعد لتقديمه باعتباره بديلاً سياسياً عن رئيس الحكومة.

لكن الناجي لا تكتفي بهذا المستوى من القراءة.

هي تربط لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة وفاطمة الزهراء المنصوري، وترسم سيناريو ترى فيه الحزب واجهة سياسية محتملة للمرحلة التالية. وفي المقابل، تضع أخنوش في نهاية مرحلة، مستخدمة تعبيراً بالغ القسوة عن «انتهاء صلاحيته» لدى المخزن.

مرة أخرى، نحن أمام قراءة سياسية لا أمام نتيجة انتخابية.

حتى الآن، لا يوجد في المعطيات التي تستند إليها التدوينة ما يسمح بتحويل هذا السيناريو إلى حقيقة مقررة. الانتخابات لم تقع، والتحالفات لم تُحسم، والحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة سيحدده أولاً ما ستفرزه صناديق الاقتراع ثم ما ستؤول إليه مشاورات تشكيل الحكومة.

أما النقطة الأكثر إثارة في كلام الناجي فتتعلق بالتناقض الذي تراه بين صورة لقجع داخل حكومة أخنوش وصورته الجديدة.

ففي تدوينتها تسخر من انتقال الرجل، في تصورها، من موقع المسؤول الحكومي والمدافع عن اختيارات الحكومة إلى موقع يمكن أن يُقرأ منه باعتباره منتقداً لها، وتختصر المفارقة بعبارة «بين عشية وضحاها معارضاً ومناضلاً اشتراكياً».

وحتى الهتاف «ألقجع ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح» يصبح في قراءتها جزءاً من هذا التحول.

غير أن الهتاف، مهما كان دالاً على حماس جمهور أو أنصار في مناسبة معينة، لا يكفي وحده لإثبات انتقال سياسي أو تأسيس معارضة. ما يحتاج إلى التدقيق هو ما إذا كان هناك فعلاً تحول في المواقف والاصطفافات والبرامج، أم أن الأمر يتعلق بقراءة سياسية للتعبئة المحيطة بشخصية أصبحت حاضرة في أكثر من ملف.

هنا تصبح تغريدة الناجي أكثر أهمية بوصفها مؤشراً على نوع الخطاب الذي بدأ يظهر مع اقتراب الانتخابات، وليس بوصفها كشفاً عن نتائج محسومة سلفاً.

فالانتخابات المقبلة لا تأتي في فراغ. الأحزاب تستعد لها، والبرامج تُعد، والحديث عن الحكومة المقبلة يتقاطع مع ورش اقتصادي وبنيوي ضخم مرتبط بكأس العالم 2030. وفي هذا المناخ يمكن لأي صعود لشخصية ذات حضور مؤسساتي وإعلامي أن يتحول سريعاً إلى مادة للتأويل السياسي.

الناجي اختارت التأويل الأكثر صداماً.

هي لا ترى مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل الأغلبية، وإنما «مسرحية» سياسية، ولا ترى تنافساً حزبياً عادياً، بل إعادة ترتيب لمراكز القوة. وتذهب أبعد حين تقول إن هذا المسار قد ينتهي إلى «إنهاء المسار الديمقراطي» وإظهار «ديمقراطية الواجهة».

هذه اتهامات كبيرة، ولذلك لا يمكن للصحافة أن تتبناها بصيغة الخبر. يمكن نقلها، نسبتها إلى صاحبتها، ثم وضع الوقائع القابلة للتحقق إلى جانبها.

والوقائع المتاحة حتى الآن تقول شيئاً أبسط: لقجع كان جزءاً من حكومة أخنوش، والانتخابات التشريعية المقبلة ستعيد توزيع المقاعد والقوة داخل البرلمان، والأحزاب المغربية تستعد لها ببرامج انتخابية جديدة، فيما سيكون على الحكومة المقبلة التعامل مع مرحلة يفرض فيها ورش 2030 ملفات ضخمة في البنية التحتية والاستثمار والتنمية والحكامة.

ما إذا كان ذلك يعني فعلاً انتقال لقجع إلى موقع سياسي جديد، أو صعود الأصالة والمعاصرة إلى قيادة المرحلة، أو نهاية تجربة أخنوش، فهذه أسئلة لا تجيب عنها تدوينة، ولا تحسمها الهتافات.

الصندوق وحده سيضع أول نقطة في الجواب.

لكن تدوينة مايسة الناجي، بما حملته من لغة حادة ومن ربط مباشر بين القصر والأحزاب ولقجع وأخنوش وكأس العالم والانتخابات، تكشف منذ الآن أن السباق إلى 23 شتنبر لا يدور فقط حول البرامج التي ستُكتب على الورق، بل أيضاً حول الرواية التي سيحاول كل طرف أن يفرضها على معنى المرحلة المقبلة.