الرباط ــ المحيط: حين لا تكفي الأسماء الثقيلة للفوز بالمقاعد الأربعة

0
82

في الرباط ــ المحيط، لا يكفي أن يكون المرشح معروفاً حتى يصبح فائزاً. تاريخ الدائرة خلال الانتخابات الأخيرة يقول شيئاً آخر: الوجوه تتغير، والأحزاب تتقدم ثم تتراجع، والمقاعد الأربعة التي تبدو محدودة العدد قادرة على إعادة رسم الخريطة السياسية من استحقاق إلى آخر.

لهذا تبدو المنافسة في 23 شتنبر مختلفة عن مجرد سباق بين أسماء لها حضور سياسي وإعلامي. فالدائرة التي كانت في 2016 إحدى القواعد الانتخابية القوية للعدالة والتنمية، أصبحت بعد خمس سنوات جزءاً من صعود التجمع الوطني للأحرار، ثم أعادت الانتخابات الجزئية في 2024 تأكيد حضور الحزب نفسه، ولكن في ظروف انتخابية مختلفة تماماً.

في 2016، تصدر العدالة والتنمية النتائج بـ29,531 صوتاً وحصل على مقعدين، فيما فاز الأصالة والمعاصرة بمقعد، وحصل تحالف فدرالية اليسار الديمقراطي على المقعد الرابع. كان التجمع الوطني للأحرار خارج المقاعد، بعدما اكتفى بـ3,762 صوتاً.

بعد خمس سنوات، لم يبق من ذلك الترتيب شيء تقريباً.

في انتخابات 8 شتنبر 2021، تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ15,888 صوتاً، متبوعاً بالأصالة والمعاصرة بـ7,076، ثم الاستقلال بـ4,545، والحركة الشعبية بـ4,299. وكانت هذه الأحزاب الأربعة هي التي حصدت المقاعد.

أما العدالة والتنمية، الذي كان قد حصل على مقعدين في 2016، فتراجع إلى 4,028 صوتاً وخرج من الدائرة البرلمانية. وفقدت فدرالية اليسار مقعدها أيضاً، بعدما تراجع رصيدها من 8,048 إلى 2,650 صوتاً.

التغيير لم يكن مجرد تبديل في ترتيب الأحزاب. خلال خمس سنوات، فقد «المصباح» أكثر من 25 ألف صوت، بينما أضاف التجمع الوطني للأحرار أكثر من 12 ألف صوت وانتقل من المرتبة الرابعة إلى الأولى.

في المقابل، استطاع الأصالة والمعاصرة الاحتفاظ بمقعد رغم تراجع أصواته، فيما دخل الاستقلال والحركة الشعبية إلى قائمة الفائزين.

وهذه ربما أهم سمة في تاريخ الدائرة القريب: لا توجد فيها ضمانة طويلة الأمد للمقعد.

جاءت انتخابات 2024 الجزئية لتضيف واقعة أخرى. فقد شغر مقعد التجمع الوطني للأحرار الذي كان يشغله عبد الرحيم واسلم، وبعد إجراء الانتخابات في 12 شتنبر، عاد المقعد إلى الحزب نفسه عبر سعد بنمبارك، الذي حصل على 46.42 في المائة من الأصوات، متقدماً على مرشح الاتحاد الاشتراكي الذي حصل على 29.67 في المائة، ثم العدالة والتنمية بـ15.49 في المائة، وفدرالية اليسار الديمقراطي بـ8.42 في المائة.

لكن الأرقام نفسها تحتاج إلى قراءة حذرة.

فمن أصل 179,036 ناخباً مسجلاً، لم يشارك سوى 7,524 شخصاً، أي بنسبة 6.66 في المائة، ولم يتجاوز عدد الأصوات المعبر عنها 6,307 أصوات، مقابل 1,217 ورقة ملغاة.

لذلك لا يمكن التعامل مع نسبة 46.42 في المائة التي حصل عليها الفائز باعتبارها تعبيراً عن قوة انتخابية تمثل معظم الجسم الناخب في الدائرة. لقد كانت نتيجة انتخابات جزئية شهدت عزوفاً واسعاً، وهو ما يجعلها مؤشراً مهماً، لكنه لا يسمح وحده باستشراف نتيجة الانتخابات العامة.

وهنا تبدأ معركة 2026.

الأسماء التي اختارتها الأحزاب تجعل دائرة المحيط واحدة من أكثر الدوائر إثارة للاهتمام في الرباط. الأصالة والمعاصرة يدخل بمحمد المهدي بنسعيد، الذي سبق أن فاز بمقعد الدائرة سنة 2021. العدالة والتنمية اختار مصطفى الخلفي، الوزير والناطق الرسمي باسم الحكومة سابقاً. الاتحاد الاشتراكي دفع بعبد الكريم بنعتيق، الوزير السابق المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج.

أما التجمع الوطني للأحرار فاختار طه الجماني، بينما جدد حزب الاستقلال ثقته في عبد الإله البوزيدي، الذي فاز بالمقعد سنة 2021. وتقدم الحركة الشعبية نبيل الدخش، فيما اختار التقدم والاشتراكية رشيد ساسي، واستقرت فدرالية اليسار الديمقراطي على عمر محمود بنجلون، وفق الترشيحات المعلنة إلى حدود الآن.

تجمع هذه الأسماء تجارب حكومية وحزبية وبرلمانية مختلفة، لكن وجودها في دائرة واحدة لا يجعل النتيجة أكثر وضوحاً. ربما العكس هو الصحيح.

أربعة مقاعد فقط ستكون متاحة أمام عدد أكبر من اللوائح والأسماء، ما يعني أن الفارق بين الحصول على مقعد والبقاء خارجه قد يكون ضيقاً. كما أن نتائج 2016 و2021 أظهرت أن حجم التصويت الذي يحتاجه الحزب للفوز لا يبقى ثابتاً، وأن قوة الحزب على المستوى الوطني لا تعني بالضرورة القوة نفسها داخل الدائرة.

وهذا ما يجعل الحساب الانتخابي في المحيط معقداً.

فالانتخابات التشريعية المحلية تعتمد التمثيل النسبي وفق قاعدة أكبر بقية، مع احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد الناخبين المسجلين وعدد المقاعد المخصصة للدائرة. لذلك لا يكفي أن تتقدم لائحة في عدد الأصوات؛ المهم أيضاً هو موقع بقية اللوائح وكيفية توزيع الأصوات بينها.

لهذا لا تبدو نتيجة 2021 قابلة للاستنساخ، كما لا تبدو نتيجة 2016 قابلة للعودة ببساطة.

العدالة والتنمية يعرف ذلك أكثر من غيره. فقد كان صاحب الصدارة في 2016 ثم خرج من المقاعد بعد خمس سنوات، قبل أن يعود إلى المنافسة في 2024 الجزئية ويحصل على 15.49 في المائة من الأصوات المعبر عنها. أما التجمع الوطني للأحرار، فقد انتقل من خارج المقاعد في 2016 إلى المرتبة الأولى في 2021، ثم احتفظ بالمقعد في الانتخابات الجزئية.

لكن بين المحطتين تغير شيء آخر قد يكون أكثر أهمية من تبدل الأسماء: العلاقة بين الناخب والصندوق.

المشاركة الضعيفة جداً في الانتخابات الجزئية لا تعني بالضرورة أن انتخابات 2026 ستشهد المستوى نفسه من العزوف، فهي انتخابات عامة ذات طبيعة مختلفة، وستجري في موعد محدد وطنياً في 23 شتنبر، على أن تبدأ الحملة الانتخابية في 10 شتنبر. لكنها كشفت، على الأقل، عن وجود كتلة واسعة من المسجلين لا تدخل في الحساب الانتخابي الفعلي عندما يحين موعد التصويت.

وهنا تصبح الأسماء الثقيلة أمام اختبار لا تحسمه السيرة السياسية.

فالوزير السابق يحتاج إلى ناخب يصوت، والبرلماني السابق يحتاج إلى ناخب يصوت، والحزب الذي تصدر الدائرة في الانتخابات السابقة يحتاج بدوره إلى الحفاظ على ما جمعه من أصوات، أو تعويض ما فقده. أما العزوف، إذا بقي مرتفعاً، فيمنح وزناً أكبر لمن يملك تنظيماً محلياً قادراً على الوصول إلى الناخبين وتحريكهم يوم الاقتراع.

ولا توجد معطيات كافية الآن لمعرفة أي حزب سيستفيد من ذلك، كما لا يمكن تحويل انتخابات 2024 الجزئية إلى نموذج مصغر للانتخابات العامة المقبلة.

المؤكد فقط أن المحيط تدخل هذه الانتخابات بذاكرة انتخابية مضطربة: مقعدان للعدالة والتنمية في 2016، ثم صفر في 2021؛ صعود الأحرار من خارج المقاعد إلى المرتبة الأولى؛ دخول الاستقلال والحركة الشعبية إلى البرلمان؛ ثم احتفاظ الأحرار بمقعده في انتخابات جزئية عبر مرشح جديد.

كل ذلك يجعل الحديث عن «دائرة الموت» أكثر من وصف للمنافسة بين الأسماء.

المقاعد الأربعة ستذهب في النهاية إلى أربع لوائح، لكن الطريق إليها يمر عبر ناخبين لم يُحسم بعد ما إذا كانوا سيعودون إلى الصندوق بأعداد أكبر من 2024. وإذا حدث ذلك، فقد تتغير حسابات الدائرة مرة أخرى. وإذا استمر العزوف، ستصبح القدرة على التعبئة المحلية عاملاً أثقل مما توحي به شهرة المرشحين.

في المحيط، إذن، لا تبدأ المعركة الحقيقية يوم إعلان أسماء المرشحين، ولا تنتهي عند ترتيبهم في استطلاعات غير موجودة أصلاً. إنها تبدأ عندما يتحول الاسم إلى حضور في الأحياء، والحضور إلى ثقة، والثقة إلى صوت.

وعندها فقط سيظهر أيٌّ من هذه الأسماء كان ثقيلاً فعلاً في صندوق الاقتراع.