سبتة (المحتلة) تدخل مجلس الأمن القومي الإسباني: سانشيز ينقل الأزمة من الحدود إلى قلب منظومة الأمن القومي

0
104

في صباح الثلاثاء، لن يكون ملف سبتة (المحتلة) مجرد قضية تنتظر إجابات أمام لجان البرلمان الإسباني. في مونكلوا، سيجلس بيدرو سانشيز إلى جانب وزراء ومسؤولي الدفاع والداخلية والخارجية والاستخبارات والأمن القومي لمناقشة الوضع في اجتماع استثنائي لمجلس الأمن القومي.

التوقيت وحده لا يكفي لإثبات أن مدريد أعادت تعريف أزمة سبتة (المحتلة) باعتبارها قضية أمن قومي. لكن طبيعة الهيئة التي استدعاها سانشيز، والمرحلة التي يأتي فيها الاجتماع، يجعلان من الصعب التعامل معه كاجتماع إداري عادي.

فالحكومة الإسبانية أعلنت أن المجلس سيجتمع في 25 غشت، بعد أسابيع من أحداث 30 و31 يوليوز، وفي الوقت الذي تستعد فيه الحكومة نفسها لسلسلة من المثول أمام البرلمان لتقديم الحسابات حول إدارة الأزمة.

من الحدود إلى منظومة القرار

عندما وقعت الأزمة، تحركت الحكومة على المستوى التنفيذي المباشر.

في 31 يوليوز، وصل سانشيز إلى سبتة (المحتلة)، واجتمع بالسلطات المحلية ومسؤولي الشرطة والحرس المدني ومركز الإقامة المؤقتة والهلال الأحمر، وأعلن أن الدولة ستستخدم «كل مواردها» لضمان الأمن واستعادة الوضع الطبيعي. كما أعلن عن زيادة في قوات الشرطة والحرس المدني، واستخدام القوات المسلحة، وتسريع إجراءات إعادة المهاجرين الذين دخلوا بشكل غير نظامي.

بعد ذلك، استمرت اجتماعات التنسيق الحكومية في 7 و17 غشت، وشارك فيها وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والهجرة والسياسة الترابية والشباب والطفولة، مع استمرار الحديث عن الأمن من جهة، وتحديد هوية المهاجرين والعناية بهم من جهة أخرى.

لكن اجتماع 25 غشت مختلف في بنيته.

مجلس الأمن القومي هو، وفق القانون الإسباني، الهيئة التي تساعد رئيس الحكومة في قيادة سياسة الأمن القومي ومنظومتها، وله صلاحيات تتعلق بالتخطيط والتنسيق وإدارة الأزمات والإشراف على النظام الوطني للأمن. كما يمكنه التعامل مع أي قضية تؤثر مباشرة في الأمن القومي.

بمعنى آخر، انتقلت القضية من مستوى إدارة حادث حدودي إلى مستوى تقييم حكومي شامل للمخاطر والآليات التي كشفتها الأزمة.

وهذا لا يعني، في حد ذاته، أن مدريد قررت اعتبار ما حدث «تهديداً للأمن القومي» بالمعنى القانوني، ولا أن الاجتماع سيصدر قراراً بهذا الاتجاه. لا توجد حتى الآن معطيات رسمية تسمح بهذا الاستنتاج. لكن اختيار هذه المؤسسة تحديداً يعني أن الملف أصبح مطروحاً داخل أعلى بنية استشارية حكومية مختصة بالأمن القومي.

وهذه بحد ذاتها معلومة سياسية مهمة.

أزمة لم تنتهِ عند الحدود

المشكلة التي تواجهها الحكومة الإسبانية الآن ليست فقط كيفية منع تكرار العبور الجماعي.

هناك ملف آخر نشأ داخل سبتة (المحتلة): الأشخاص الذين تمكنوا من الدخول، ومن بينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين.

وفي هذا الجانب تبدو الصورة أكثر تعقيداً.

الحكومة الإسبانية كانت قد أعلنت في البداية تشدداً في التعامل مع من دخلوا بصورة غير نظامية، بينما برز لاحقاً اتجاه إلى نقل نحو 500 قاصر إلى شبه الجزيرة الإسبانية، في ظل ظروف إنسانية صعبة داخل المدينة وضغط متزايد على منظومة الرعاية المحلية.

وهذا التحول فتح خلافاً سياسياً جديداً داخل إسبانيا، خصوصاً مع الحزب الشعبي و«فوكس»، اللذين يدفعان باتجاه إعادة القاصرين إلى المغرب بدلاً من نقلهم إلى أقاليم إسبانية أخرى. وفي المقابل، تتعامل الحكومة مع المسألة من زاوية حماية القاصرين والرعاية الاجتماعية، في سياق قانوني وسياسي أكثر تعقيداً.

هنا تحديداً تصبح أزمة يوليوز أكبر من لحظة عبور جماعي.

فبعد انتهاء الحدث الحدودي تبدأ الأسئلة التي يصعب حلها بسرعة: ماذا تفعل الدولة بالأشخاص الذين دخلوا؟ كيف توزع المسؤولية بين مدريد وسبتة؟ ما حدود الإعادة؟ كيف تتعامل مع القاصرين؟ وكيف تمنع تكرار السيناريو من دون أن يتحول التدبير الإنساني للأزمة إلى عامل ضغط إضافي على النظام السياسي؟

البرلمان يفتح الملف في الاتجاه نفسه

اللافت أن اجتماع مجلس الأمن القومي لا يأتي في فراغ مؤسساتي.

الكونغرس الإسباني أعلن أن عدداً من الوزراء سيظهرون خلال الأسبوع نفسه أمام لجان برلمانية لتقديم توضيحات حول أحداث سبتة (المحتلة). وستظهر وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس أمام لجنة الدفاع يوم 25 غشت، بينما سيقدم وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع الكورتيس، فيليكس بولانيوس، إفادته أمام اللجنة المختلطة للأمن القومي يوم 27 غشت. كما تشمل جلسات المساءلة وزراء الداخلية والخارجية والهجرة والصحة.

إذن، هناك مساران يتحركان في الوقت نفسه.

المسار الأول سياسي وبرلماني: من اتخذ القرارات؟ كيف أديرت الأزمة؟ وهل كانت الاستجابة متناسبة مع حجم ما حدث؟

والمسار الثاني أمني واستراتيجي: ماذا كشفت الأزمة عن جاهزية الدولة، وعن إدارة الحدود، وعن التنسيق بين مؤسساتها، وعن المخاطر التي قد تتكرر؟

ولا ينبغي الخلط بين المسارين. مجلس الأمن القومي ليس هيئة تحقيق برلمانية، والبرلمان ليس جهازاً لإدارة الأزمات. لكن اجتماع الاثنين في التوقيت نفسه يجعل أزمة سبتة (المحتلة) أمام اختبار مؤسساتي متعدد المستويات.

ما الذي تبحث عنه مدريد فعلياً؟

المعلومة الأكثر أهمية في اجتماع الثلاثاء قد لا تكون بالضرورة القرار الذي سيصدر عنه، وإنما نوع الأسئلة التي سيضعها المجلس على الطاولة.

فأزمة بهذا الحجم تفرض على الدولة الإسبانية مراجعة سلسلة كاملة تبدأ من الحدود ولا تنتهي عندها: المراقبة، الإنذار المبكر، التنسيق الأمني، التعامل مع تدفقات جماعية مفاجئة، العلاقة مع السلطات المحلية، إدارة القاصرين، التعاون مع المغرب، وآليات منع تحول الأزمة الحدودية إلى أزمة سياسية داخلية.

القانون الإسباني نفسه ينظر إلى الأمن القومي باعتباره منظومة تتداخل فيها الدفاع والأمن العام والعمل الخارجي والاستخبارات، كما يضع ضمن مجالات الاهتمام الأمني مجالات مثل الأمن السيبراني والأمن الاقتصادي والبحري والطاقة والصحة.

لهذا فإن أهمية الاجتماع لا تكمن فقط في أن سانشيز جمع عدداً كبيراً من الوزراء.

الأهمية في أن الأزمة ستدخل، للمرة الأولى منذ أحداث يوليوز، إلى المؤسسة التي صُممت أصلاً للنظر في المخاطر من زاوية تتجاوز الوزارة الواحدة والحدث المنفرد.

الحلقة التي لم تُحسم بعد

هناك، مع ذلك، جزء من القصة لا يزال خارج المعلومات المتاحة.

لا نعرف بعد ما إذا كان اجتماع مجلس الأمن القومي سيخلص إلى إجراءات جديدة خاصة بسبتة (المحتلة)، أو إلى تعديل في تقييم المخاطر، أو إلى إجراءات تتعلق بالحدود والهجرة والتنسيق الأمني، أو أنه سيكتفي بتقييم الوضع القائم.

ولا توجد، حتى الآن، معطيات رسمية تثبت أن المجلس سيصدر قراراً يعتبر أزمة يوليوز «تهديداً للأمن القومي» أو أنه سيتخذ موقفاً جديداً تجاه المغرب.

وهذه نقطة مهمة، لأن انتقال الملف إلى مجلس الأمن القومي لا ينبغي أن يتحول صحافياً إلى استنتاج جاهز حول وجود قرار إسباني سري أو تصعيد مرتقب.

المؤكد هو أن الدولة الإسبانية لم تغلق ملف الأزمة.

ففي 7 غشت كان سانشيز لا يزال يعقد اجتماعاً حكومياً لتقييم الوضع، وفي 17 غشت عاد إلى عقد اجتماع تنسيقي جديد، وفي 25 غشت ينتقل الملف إلى مجلس الأمن القومي، بالتوازي مع مساءلة الوزراء أمام البرلمان.

هذا التسلسل أهم من أي تصريح منفرد.

ما بعد 31 يوليوز

قد يكون الاختبار الحقيقي لمدريد الآن أقل ارتباطاً بما ستقوله عن أحداث يوليوز وأكثر ارتباطاً بما ستفعله بعد ذلك.

إذا بقيت القضية محصورة في إدارة آثار العبور الجماعي، فقد ينتهي اجتماع مجلس الأمن القومي إلى إجراءات تقنية وأمنية محددة.

أما إذا كشفت المراجعة أن الأزمة أظهرت ثغرات في منظومة أوسع، فقد تبدأ إسبانيا في إعادة النظر في الطريقة التي تنظر بها إلى حدودها الجنوبية، وإلى العلاقة بين الهجرة والأمن القومي، وإلى موقع سبتة (المحتلة) داخل هذه المعادلة.

هنا يصبح توقيت الاجتماع ذا معنى، من دون الحاجة إلى تحميله أكثر مما يحتمل.

لقد مر قرابة شهر على الأزمة. عادت المؤسسات الإسبانية إلى العمل، وبدأت المساءلة البرلمانية، وما زال ملف القاصرين مفتوحاً، وما زالت آثار الحدث حاضرة داخل المدينة.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق المتابعة لم يعد فقط: ماذا حدث في 30 و31 يوليوز؟

بل: ماذا تعلمت الدولة الإسبانية من ذلك الحدث، وما الذي ستغيره إذا خلصت إلى أن ما حدث لم يكن مجرد أزمة عابرة على الحدود؟