في قلب أزمة سبتة: حين تُكافأ الصحافة على نقل الحقيقة بالتعسف وحجز معداتها

0
102

حين تصبح الصورة مشكلة: الصحافة في مواجهة المنع الميداني

منذ اندلاع أزمة سبتة في 30 يوليوز، ظل الصحافيون الذين يغطون الأحداث من الفنيدق ومحيطها أمام مهمة شديدة الحساسية: نقل ما يجري من قلب الميدان، بما في ذلك محاولات العبور والجهود الأمنية المغربية المبذولة لمنعها وتأمين الحدود. وفي هذا السياق، جاءت واقعة 15 غشت بالفنيدق، حين تعرض صحافيان من موقع «العمق»، خلال بث مباشر، لمنع من طرف باشا المدينة، تخلله توقيف البث وحجز ميكروفون الموقع ومعدات الصحافيين، رغم إدلائهما ببطاقتيهما المهنيتين ورخصة التصوير، وفق الرواية التي وثقتها بالصوت والصورة مواد منشورة من عين المكان.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بما حدث بين مسؤول وصحافيين، وإنما بما تكشفه الواقعة عن العلاقة بين السلطة والصحافة عندما تلتقي في فضاء عام شديد التوتر. فالسلطات لها، بطبيعة الحال، مسؤولية حماية الأمن وتنظيم المجال ومنع أي سلوك قد يهدد سلامة الأشخاص أو يعرقل عمل الأجهزة المكلفة بتأمين الحدود. لكن هذه المسؤولية لا تلغي الإطار القانوني الذي يحكم عمل الصحافي، ولا تجعل المنع الميداني بديلاً عن المسطرة القانونية. القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين يربط إثبات الصفة المهنية ببطاقة الصحافة المسلمة من الجهة المختصة، كما يقر للصحافي، في إطار ممارسة مهنته، حقوقاً مرتبطة بالوصول إلى مصادر الخبر، مع الالتزام بالقوانين الجاري بها العمل.

وهنا تظهر النقطة الأكثر حساسية في الواقعة: إذا كانت هناك منطقة أو ظرف أمني يفرض قيوداً محددة على التصوير، فالسؤال الطبيعي ليس هل يحق للسلطة أن تنظم العمل في الميدان، وإنما كيف تفعل ذلك وبأي سند. فالقول للصحافي إن «مدير الموقع» يجب أن يكون حاضراً، أو مطالبته بـ«اعتماد» إضافي بعد الإدلاء بالبطاقة المهنية ورخصة التصوير، يحتاج إلى أساس قانوني واضح ومحدد، خصوصاً أن بطاقة الصحافة المهنية ليست مجرد بطاقة تعريف شخصية، بل وثيقة تثبت الصفة المهنية للصحافي وفق القانون. والمجلس الوطني للصحافة يؤكد صراحة أن منح هذه البطاقة اختصاص قانوني مؤطر، وأنها هي وسيلة إثبات صفة الصحافي المهني.

الأكثر دلالة أن الواقعة، بحسب ما تم توثيقه، لم تتوقف عند تنظيم مكان التصوير، بل انتقلت إلى لغة من قبيل «إشعال الفتنة» و«جبد الصداع». هنا يتغير معنى المشهد. فالسلطة عندما ترى في الصورة الصحافية مصدر اضطراب، فإنها لا تتعامل فقط مع صحافي يقف في مكان غير مناسب، وإنما مع وظيفة إعلامية يفترض أن تكون جزءاً من المشهد العام، لا عبئاً عليه. وقد يكون هذا التوتر مفهوماً في لحظة أمنية ضاغطة، لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول الانفعال الشخصي إلى ممارسة مؤسساتية.

ثم إن نهاية الواقعة تحمل بدورها دلالة مهمة: إعادة المعدات والبطاقات بعد اتصال هاتفي من مسؤولين. إذا كان المنع الأول يستند إلى قاعدة قانونية واضحة، فما الذي استوجب انتظار الاتصال؟ وإذا لم يكن هناك سند واضح، فلماذا احتاج الأمر إلى تدخل من مستوى آخر حتى تعود الأمور إلى وضعها الطبيعي؟ هذه الأسئلة أهم من الدخول في محاكمة نوايا الباشا، لأن جوهر المشكلة هو غياب الوضوح في اللحظة التي ينبغي أن يكون فيها القانون أكثر حضوراً، لا أقل.

والمغرب لا يحتاج، في لحظة تتجه فيها الأنظار إليه بسبب أزمة سبتة، إلى أن تتحول الصحافة نفسها إلى جزء من الأزمة. الصحافي الذي ينقل محاولات الهجرة لا يعني أنه يشجع عليها، كما أن تصوير تدخلات الأمن لا يعني معارضة عمل القوات العمومية. وظيفة الصحافة أن تضع الوقائع أمام الجمهور، بما فيها الوقائع التي تبرز حجم الجهد الأمني، وأن تتيح للمجتمع أن يرى المشهد كما هو، لا كما يرغب أي طرف في أن يراه.

لهذا فإن الدفاع عن حق الصحافي في العمل لا يعني الوقوف ضد رجل السلطة، كما أن حماية الأمن لا تعني وضع الصحافة في موقع الخصم. العلاقة السليمة تقوم على معرفة كل طرف بحدوده ومسؤولياته: الصحافي يحترم التعليمات القانونية ولا يعرقل العمليات الأمنية، والمسؤول العمومي يحترم الصحافي ولا يستبدل القانون بالانفعال أو التعليمات الشفوية. وعندما تكون هناك قيود حقيقية على التصوير، فإن أفضل حماية للمؤسسة الأمنية نفسها هي أن تكون هذه القيود معلنة ومحددة وقابلة للتبرير، لا أن تترك لتقدير اللحظة.

وتزداد أهمية ذلك لأن أزمة سبتة ليست أزمة حدود فقط؛ إنها أيضاً أزمة ثقة وصورة ورسائل تصل إلى آلاف الشباب عبر الهاتف قبل أن تصل إليهم أي رواية رسمية. وفي مثل هذا السياق، فإن التضييق غير المبرر على الصحافة قد ينتج أثراً عكسياً: بدل أن يحمي صورة الدولة، قد يغذي لدى بعض المتابعين الإحساس بأن هناك ما يراد حجبه، أو أن المواطن لا يملك سوى الروايات المتداولة خارج المؤسسات.

الصحافة ليست «فتنة»، والصورة من قلب الميدان ليست «صداعاً». لكن الصحافة أيضاً ليست فوق القانون، كما أن السلطة ليست فوق المسطرة. وبين الطرفين توجد قاعدة بسيطة يفترض ألا تضيع وسط ضجيج الأزمات: إذا كان هناك منع، فليتكلم القانون؛ وإذا كانت هناك مخالفة، فلتتحدث المسطرة؛ وإذا لم تكن هناك مخالفة، فلتترك الكاميرا تقوم بعملها. في القضايا التي تمس الأمن والحدود وكرامة الدولة وصورة المجتمع، يحتاج المغرب إلى صحافة مهنية ترى ما يحدث، وإلى سلطة واثقة من نفسها بما يكفي لكي تسمح للصحافي بأن ينقل ما رآه.