بلاغ “الداخلية” يروي ما حدث… والبلغيتي يسأل: لماذا هرب عشرات الآلاف من الوطن؟

0
105

حين يشرح البلاغ ما وقع… ويترك السؤال الأكبر بلا جواب

كل أزمة كبرى تنتج روايتين متوازيتين. الأولى تشرح كيف جرت الأحداث، والثانية تحاول فهم لماذا وصلت الأمور إلى تلك اللحظة أصلاً. وبلاغ وزارة الداخلية بشأن محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ركز بصورة أساسية على الرواية الأولى؛ فقد سرد تفاصيل التدخلات الأمنية، وتحدث عن حملات التضليل الرقمي، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر، وتأثير بعض التأويلات المرتبطة بقرارات القضاء الإسباني. غير أن البلاغ، بالنسبة لمنتقديه، ترك مساحة واسعة للأسئلة المتعلقة بالجذور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تجعل آلاف الشباب مستعدين للمغامرة بحياتهم في البحر.

فاللغة التي اعتمدها البلاغ كانت لغة إدارة أزمة أمنية أكثر منها لغة تشخيص لظاهرة اجتماعية. وهذا ليس أمراً مفاجئاً؛ فوزارة الداخلية بطبيعة اختصاصها تنظر إلى الحدث من زاوية حفظ النظام وتأمين الحدود، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بالتنمية والتشغيل والتعليم والثقة في المستقبل خارج اختصاصها المباشر. لكن عندما تتحول الأزمة إلى حدث وطني بهذا الحجم، يصبح الاكتفاء بالمقاربة الأمنية وحدها غير كاف لفهم الصورة الكاملة.

ولهذا يتوقف رشيد البلغيتي عند أول فراغ يراه داخل البلاغ: غياب الحديث عن العوامل الداخلية. فالوثيقة الرسمية تشير إلى التضليل الرقمي، وإلى نشاط شبكات التهريب، وإلى سوء فهم بعض الأحكام القضائية الإسبانية، لكنها لا تتوقف عند الإحباطات التي قد تجعل أصلاً آلاف الشباب يصدقون تلك الرسائل أو ينجذبون إلى وعود المهربين. فالمعلومات المضللة قد تفسر توقيت الانطلاق، لكنها لا تفسر وحدها نشوء الرغبة في الهجرة.

فالهجرة غير النظامية لا تبدأ عند الشاطئ، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات داخل المدرسة، وسوق الشغل، والحي، والأسرة، وفي علاقة المواطن بالدولة. وهي حصيلة تراكم طويل من الشعور بانسداد الأفق لدى جزء من الشباب، بصرف النظر عن حجم هذه الظاهرة أو أسبابها الدقيقة. ولذلك يرى أصحاب هذا الطرح أن تفسير الأزمة من خلال العامل الخارجي فقط يجعل الصورة تبدو مبتورة، لأن العامل الخارجي لا يجد تأثيره إلا عندما يلتقي مع هشاشة داخلية موجودة سلفاً.

وفي موضع آخر، يقدم البلاغ ما يعتبره نجاحاً للمقاربة الاستباقية، من خلال الحديث عن الرصد المبكر، ورفع درجات اليقظة، وتعزيز الانتشار الأمني، وتشديد المراقبة البرية والبحرية. غير أن هذا التوصيف يفتح، في القراءة النقدية، سؤالاً مختلفاً: إذا كانت المؤشرات مرصودة منذ البداية، وإذا كانت الأجهزة تمتلك القدرة على توقع التحركات، فكيف تمكنت أعداد كبيرة من الوصول إلى محيط سبتة خلال فترة وجيزة؟ لا يتعلق الأمر هنا بالطعن في الجهد الأمني، وإنما بالتساؤل حول حدود المقاربة الأمنية عندما تواجه ظاهرة اجتماعية واسعة.

ومن زاوية أخرى، يثير البلغيتي فكرة الاستباق بمعناها الأشمل. فإذا كانت الدولة قادرة على استباق التحركات الأمنية، فهل تمتلك المستوى نفسه من الاستباق في معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة قبل أن يصلوا إلى الشواطئ؟ فالأمن يستطيع أن يؤخر لحظة العبور، لكنه لا يستطيع وحده أن يبدد الإحساس بفقدان الأمل إذا كان قائماً لدى بعض الفئات.

كما يتوقف النص عند تفسير البلاغ للزيادة في محاولات العبور بارتباطها ببعض القرارات القضائية الإسبانية وما صاحبها من تأويلات بشأن فرص الإفلات من الإعادة الفورية. ولا ينفي هذا التحليل أن للتشريعات أثرها في توجيه مسارات الهجرة، لكنه يطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن للقانون وحده أن يخلق رغبة جماعية في الرحيل؟ فالقوانين قد تغير الوجهة، لكنها لا تصنع الحلم بالهجرة من العدم، لأن هذا الحلم يتشكل أساساً عندما يعتقد شاب أن فرص مستقبله خارج بلده أكبر من فرصه داخله.

ومن هنا ينتقل النقاش من القانون إلى الفارق في جاذبية الفرص بين الضفتين. فحين تصبح الضفة الأخرى، في المخيال الجماعي لبعض الشباب، أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والعمل والكرامة، فإن أي تغيير قانوني قد يتحول إلى شرارة، لكنه لا يكون الوقود الحقيقي للأزمة. الوقود يبقى هو اختلال ميزان الأمل بين مكانين، لا مجرد اختلاف النصوص القانونية بينهما.

ويتوقف البلغيتي أيضاً عند الجانب اللغوي في البلاغ، حيث تحدث عن “تأمين الحدود” واستعمل عبارة “مدينتي سبتة ومليلية” دون استخدام أوصاف سياسية مثل “المحتلتين”. وهذه ملاحظة تتعلق بطريقة الصياغة الرسمية أكثر مما تتعلق بجوهر الأزمة. فاللغة الإدارية غالباً ما تتجنب الأوصاف السياسية في البيانات التقنية، بينما يقرأ بعض المتابعين هذا الاختيار باعتباره يعكس توجهاً خطابياً يختلف عن اللغة السياسية التقليدية المرتبطة بملف المدينتين. وهي قراءة تبقى في إطار التأويل السياسي للنص، وليست دليلاً على تغيير معلن في الموقف الرسمي.

ثم يوسع الكاتب دائرة التساؤل إلى طريقة تدبير الدولة للأزمة سياسياً. ففي مثل هذه الأحداث، يبرز صوت وزارة الداخلية باعتبارها الجهة المكلفة بإدارة الوضع الميداني، بينما تتراجع أصوات القطاعات المرتبطة بالتشغيل، والتعليم، والسكن، والإدماج الاجتماعي، والشباب. وهنا يطرح سؤال توزيع المسؤوليات: هل يكفي أن تتصدر المؤسسة الأمنية المشهد، أم أن معالجة الظاهرة تقتضي حضوراً متوازناً لباقي القطاعات الحكومية باعتبارها معنية بالأسباب البنيوية التي تغذيها؟

ولا يتوقف النقد عند المؤسسات القطاعية، بل يمتد إلى مستوى القيادة السياسية، حيث يرى البلغيتي أن الرأي العام كان ينتظر خطاباً حكومياً أشمل يواكب الحدث، يفسر أبعاده، ويقدم رؤية تتجاوز إدارة الأزمة الآنية نحو معالجة أسبابها طويلة المدى. فكلما اتسعت الظاهرة، اتسعت الحاجة إلى خطاب سياسي يجيب عن أسئلة المجتمع، لا إلى خطاب أمني يكتفي بوصف ما جرى.

وفي النهاية، لا يكتفي نص البلغيتي بمناقشة بلاغ وزارة الداخلية، بل يناقش الطريقة التي تُدار بها الأزمات الكبرى في المغرب. فهو يرى أن الدولة شرحت الكيفية التي واجهت بها الحدث، لكنها لم تتوسع في تفسير الظروف التي سبقته. وبين الرواية الأمنية التي تركز على ضبط الحدود، والرواية الاجتماعية التي تبحث في أسباب الرغبة في مغادرة الوطن، تبقى الحقيقة الكاملة، على الأرجح، نتاج تداخل عوامل متعددة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فالهجرة الجماعية لا يصنعها المهرب وحده، ولا ينشئها منشور على مواقع التواصل وحده، كما لا يمكن ردها إلى عامل اقتصادي منفرد؛ إنها ظاهرة مركبة، لا يكتمل فهمها إلا عندما تُقرأ من البحر… ومن اليابسة معاً.