لم يعد النقاش حول الاستقطابات الحزبية التي تسبق الانتخابات مجرد قضية تنظيمية مرتبطة بانضمام أسماء جديدة إلى هذا الحزب أو ذاك، بل أصبح مرآة تعكس سؤالاً أعمق حول طبيعة النخبة السياسية في المغرب، وكيف تُصنع، ومن أين تأتي، وما الذي تقدمه للمجتمع عندما تصل إلى مواقع القرار.
فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، عاد سباق استقطاب الشخصيات المعروفة إلى الواجهة، بعد أن تصدر التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة المشهد السياسي، إلى جانب تحركات مماثلة لأحزاب أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها الانتخابي بأسماء لها وزن داخل الإدارة أو الاقتصاد أو مجالات أخرى.
لكن خلف هذا النقاش الظاهر، يوجد سؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب السياسية، أم أمام إعادة تقديم شخصيات كانت أصلاً جزءاً من دوائر التدبير العمومي في واجهة حزبية جديدة؟
فالقضية ليست في قيمة الأشخاص ولا في كفاءاتهم، فالكفاءة والخبرة عناصر تحتاجها الحياة السياسية. لكن السؤال الديمقراطي الذي يفرض نفسه هو: ما الدور الحقيقي للأحزاب؟ هل هي مجرد منصات لاستقبال شخصيات جاهزة عندما تقترب الانتخابات؟ أم أنها مؤسسات يفترض أن تنتج قياداتها من خلال التأطير والتكوين والمسار الطويل داخل المجتمع؟
من استقطاب الأسماء إلى أزمة إنتاج النخب
الجدل حول “الوجوه الجديدة” يكشف مفارقة أساسية: فالأحزاب تتحدث عن تجديد النخب، لكنها غالباً ما تلجأ إلى أسماء صنعت حضورها خارج الهياكل الحزبية التقليدية. وهو ما يعيد طرح السؤال حول قدرة التنظيمات السياسية على تكوين أطرها وصناعة قياداتها من داخل قواعدها.
فالحزب، في جوهره، ليس وكالة لاستقطاب الشخصيات ذات الرصيد الإعلامي أو الإداري، بل مدرسة سياسية يفترض أن تنتج مسؤولين راكموا تجربة في الميدان، وعرفوا انتظارات المواطنين، وتدرجوا في تحمل المسؤولية.
وهنا تظهر المشكلة التي أشار إليها القيادي بحزب العدالة والتنمية رضا بوكمازي، عندما اعتبر أن ظاهرة الانتقالات والاستقطابات قبيل الانتخابات لا يمكن تعميمها على كل الأحزاب، لأن هناك تنظيمات تواصل الاستثمار في إنتاج النخب. لكنه يرى أن الإشكال الحقيقي يكمن في توقيت وطريقة هذه الانتقالات، لأنها تعطي انطباعاً بأن بعض الممارسات ترتبط بالحسابات الانتخابية أكثر من ارتباطها بمشاريع سياسية واضحة.
فالسياسة، وفق هذا المنظور، لا تُبنى فقط على أسماء قادرة على جلب الأصوات، بل على مسار طويل من الثقة والتراكم والنضال داخل المؤسسات الحزبية.
حين يُهمَّش المسار ويُقدَّم الاسم
التحليل الأعمق لا يتعلق فقط بمن يدخل الحزب، بل بما يحدث لأولئك الذين أمضوا سنوات داخل التنظيمات السياسية. فالشاب الذي ينخرط في حزب، ويعمل في هياكله، ويتدرج في مسؤولياته، ينتظر أن يكون المسار السياسي قائماً على التراكم.
لكن عندما تأتي الانتخابات وتصبح الأولوية للأسماء الوازنة القادمة من خارج التنظيم، فإن الرسالة التي تصل إلى القواعد قد تكون مختلفة: أن الطريق الطويل داخل الحزب لا يضمن بالضرورة الوصول، وأن قيمة الاسم قد تتقدم على قيمة المسار.
وهذا ما يجعل بعض الخبراء يعتبرون أن الأزمة ليست في الاستقطاب بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى بديل عن التكوين الداخلي.
الكفاءة التقنية وحدود الفعل السياسي
من جانبه، يقدم الأستاذ عباس الوردي، الخبير في العلوم السياسية والقانون العام، قراءة أكثر تركيباً، إذ يعتبر أن استقطاب الشخصيات المعروفة في مجالات الاقتصاد والمال والأعمال يظل حقاً مشروعاً للأحزاب، بل يمكن أن يشكل قيمة مضافة إذا كان منسجماً مع مشروع سياسي واضح.
لكن الوردي يميز بين استقطاب السياسيين واستقطاب التكنوقراط، لأن امتلاك الخبرة التقنية لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات الفعل السياسي. فالمسؤول السياسي لا يحتاج فقط إلى المعرفة التقنية، بل يحتاج أيضاً إلى القدرة على التواصل، وتحديد الأولويات، وبناء التوافقات، والدفاع عن الاختيارات أمام المجتمع.
ومن هنا يطرح الخبير السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تصبح الأحزاب تعتمد على الكفاءات القادمة من الخارج بدل تطوير آلياتها الداخلية؟
فالفصل السابع من الدستور يجعل من وظائف الأحزاب التأطير والتكوين والمساهمة في تنظيم الديمقراطية التمثيلية. وبالتالي فإن نجاح الحزب لا يقاس فقط بعدد الشخصيات التي يلتحق بها، بل بقدرته على صناعة نخب من داخله.
لقجع وسؤال الرمزية السياسية
في هذا السياق، يكتسب حضور فوزي لقجع دلالة خاصة في النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره اسماً معروفاً، وإنما لأنه يمثل نموذجاً لشخصية راكمت تجربة داخل الإدارة والمالية والرياضة، قبل أن تصبح محط اهتمام حزبي.
وهنا لا يتعلق السؤال بشخصه، ولا بتقييم مساره، بل بالرمزية التي يحملها المشهد: عندما تستقطب الأحزاب شخصيات كانت أصلاً قريبة من دوائر القرار، فإن النقاش ينتقل من سؤال “هل نحتاج إلى الكفاءات؟” إلى سؤال أعمق:
هل المشكلة في غياب الكفاءات، أم في قدرة النظام الحزبي على تحويل الكفاءات الموجودة إلى مشاريع سياسية تستجيب لانتظارات المواطنين؟
الهجرة… الاختبار الحقيقي للنخب
وهنا يظهر البعد الذي يتجاوز الحسابات الانتخابية. فالنخب السياسية لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها أو بعدد الأسماء التي تنضم إليها، بل بالنتائج التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فعندما تصبح الهجرة، بمختلف أشكالها، حلماً يراود أعداداً من الشباب والأسر بحثاً عن فرص أفضل، فإن ذلك يفرض مساءلة سياسية حول حصيلة السياسات العمومية في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والسكن.
فالمواطن الذي يرى مستقبله واضحاً داخل وطنه، والذي يجد تعليماً جيداً وفرصة عمل وخدمات تحفظ كرامته، تكون لديه أسباب أكبر للبقاء والاستثمار في بلده. أما حين تتراكم مشاعر الإحباط وانسداد الأفق، فإن الهجرة تتحول من قرار فردي إلى مؤشر اجتماعي على أزمة ثقة.
ومن هنا يصبح السؤال موجهاً إلى النخب التي صنعت السياسات أو شاركت في تدبيرها: ليس فقط من تستقطبون اليوم للانتخابات، بل ماذا قدمتم للمواطنين بعد سنوات من وجودكم في مواقع المسؤولية؟
بين استيراد النخب وصناعة المستقبل
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيقدم قراءة مختلفة للظاهرة. فصلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب الحزب، يرى أن استقطاب الكفاءات الوطنية أمر طبيعي، وأن الأحزاب يجب أن تظل مفتوحة أمام كل المواطنين مهما كانت مساراتهم المهنية.
ويؤكد أن الحزب لا يتخلى عن التكوين الداخلي، وأن عدداً من قياداته تدرجوا داخل هياكله، معتبراً أن الجمع بين التكوين الداخلي والانفتاح على الكفاءات هو الطريق الصحيح.
وهنا يبرز الفرق بين استقطاب صحي يضيف قيمة للحزب، واستقطاب يتحول إلى اعتراف ضمني بضعف القدرة على إنتاج القيادات.
الخلاصة: السؤال ليس من يدخل الأحزاب… بل ماذا تنتج الأحزاب
في النهاية، فإن معركة “الوجوه الجديدة” ليست معركة أسماء، بل معركة معنى. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى شخصيات ناجحة تدخل السياسة، بل تحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على إنتاج جيل كامل من المسؤولين المرتبطين بالمجتمع وهمومه.
لأن الاختبار الحقيقي لأي نخبة ليس قدرتها على الوصول إلى السلطة، وإنما قدرتها على جعل المواطن يشعر بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه.
وهنا يعود السؤال المركزي الذي يختصر كل الجدل:
إذا كانت الانتخابات تنتج نخباً سياسية، فهل نجحت هذه النخب في إنتاج وطن يجعل أبناءه يختارون البقاء قبل التفكير في الرحيل؟