بنكيران يُشعلها ضد أخنوش: هل اختطف المالُ السياسةَ وأدخل المغربَ زمنَ الهيمنة؟

0
75

لم يكن عبد الإله عبد الإله بنكيران يتحدث هذه المرة بلهجة زعيم حزبي يكتفي بتسجيل النقاط ضد خصم سياسي، بل بدا وكأنه يوجه نداءً مفتوحًا إلى مجتمع يشعر، في نظره، بأن السياسة تحولت من فضاء للتدافع الديمقراطي إلى ساحة تتحكم فيها شبكات المال والنفوذ والريع. لذلك، لم يكن اسم عزيز عزيز أخنوش في هذا الخطاب مجرد عنوان لمواجهة حزبية عابرة، بل رمزًا لصراع أعمق حول طبيعة السلطة، وحدود الثروة، ومستقبل العلاقة بين السياسة والاقتصاد في المغرب.

الطريقة التي صاغ بها بنكيران مداخلته حملت مزيجًا من الشعبوية السياسية والقلق المحافظ والخطاب الأخلاقي. فقد انتقل من الحديث عن التعليم والصفقات والريع، إلى التحذير من “الهيمنة على الدولة”، ثم قفز نحو قضايا الهوية والتربية والدين والإعلام، قبل أن يعود إلى الانتخابات والمشاركة السياسية. هذا التشابك لم يكن اعتباطيًا، بل يكشف كيف تحاول بعض القيادات السياسية في المغرب إعادة بناء خطاب تعبوي قائم على فكرة أن الأزمة ليست فقط أزمة حكومة، بل أزمة نموذج مجتمعي كامل.

في العمق، يظهر أن بنكيران يدرك أن معركته الحقيقية لم تعد انتخابية فقط، لأن المزاج العام في المغرب تغير بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. فالمواطن الذي كان يخرج إلى السياسة بدافع الأيديولوجيا أو الانتماء الحزبي، أصبح اليوم أكثر ارتباطًا بأسئلة القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، وفرص الشغل، وتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة. ولهذا حاول الرجل أن يعيد توجيه الغضب الاجتماعي نحو صورة “رجل الأعمال الذي ابتلع السياسة”، عبر تصوير أخنوش كعنوان لتحالف المال والسلطة.

لكن المفارقة أن بنكيران نفسه كان جزءًا من الدولة ومن السلطة التنفيذية لسنوات، وقاد واحدة من أصعب مراحل ما بعد “الربيع العربي”، ومرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية أثارت بدورها احتجاجات واسعة، خصوصًا في ملف التقاعد وصندوق المقاصة. ولذلك فإن خطابه الحالي يكشف أيضًا محاولة لإعادة تقديم نفسه باعتباره “صوت الشعب” في مواجهة نخبة اقتصادية متهمة بالاستحواذ على القرار العمومي.

اللافت في هذا الخطاب أنه لم يذهب نحو إسقاط شرعية النظام السياسي، بل على العكس، تعمد الفصل بين انتقاد الحكومة والدفاع عن المؤسسة الملكية، وهو خيط سياسي ظل بنكيران حريصًا عليه منذ سنوات. ففي الوقت الذي رفع فيه سقف الهجوم على أخنوش، عاد ليؤكد أن “النظام يجب ألا يسقط”، وأن الملكية تمثل عنصر استقرار للدولة المغربية. وهذا يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التوازنات داخل المغرب، حيث تحاول الأحزاب المعارضة غالبًا توجيه غضب الشارع نحو الحكومة دون الاقتراب من الثوابت الكبرى للدولة.

غير أن أخطر ما في الخطاب لم يكن الاتهامات السياسية المباشرة، بل اللغة التي استعملت في توصيف المجتمع والتحولات الثقافية. حين ربط بنكيران بين “الفساد الأخلاقي” ووسائل الإعلام والفن والمخدرات وتراجع التربية، كان يحاول إعادة إحياء خطاب محافظ يعتبر أن الأزمة الاقتصادية والسياسية ليست منفصلة عن “أزمة القيم”. وهنا يتحول النقاش من مجرد صراع انتخابي إلى مواجهة حول شكل المغرب الذي يريده المحافظون والليبراليون في السنوات المقبلة.

وفي خلفية كل ذلك، تظهر معركة المشاركة السياسية. فبنكيران يعرف أن أكبر أزمة تواجه الأحزاب المغربية اليوم ليست فقط فقدان الثقة، بل عزوف فئات واسعة من الشباب عن التسجيل والتصويت والانخراط الحزبي. لهذا كرر الدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المكثفة، لأنه يدرك أن انخفاض نسبة المشاركة يخدم الأحزاب التي تمتلك شبكات نفوذ انتخابية منظمة أكثر من الأحزاب التي تعتمد على التعبئة الشعبية.

ومع أن الخطاب حمل كثيرًا من الانفعال واللغة الحادة، فإنه يكشف أيضًا عن خوف سياسي حقيقي من تحوّل السياسة إلى مجرد امتداد للنفوذ الاقتصادي. فحين يشعر جزء من الرأي العام أن الانتخابات لا تغيّر شيئًا في حياته اليومية، وأن الفوارق الاجتماعية تتوسع، وأن الثروة تتركز في يد قلة قليلة، يصبح المجال مفتوحًا أمام عودة الخطابات الغاضبة، سواء كانت شعبوية أو احتجاجية أو حتى راديكالية.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من انتصر في جولة جديدة بين بنكيران وأخنوش، بل ماذا يكشف هذا الصدام المتكرر عن المغرب نفسه؟ هل نحن أمام تنافس ديمقراطي طبيعي بين رؤيتين سياسيتين، أم أمام مؤشر على أزمة أعمق يعيشها المجال الحزبي، حيث تتآكل الثقة تدريجيًا بين المواطن والسياسة؟ لأن الدول لا تدخل الأزمات الكبرى فقط عندما يشتد الصراع بين السلطة والمعارضة، بل أيضًا عندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن السياسة لم تعد قادرة على تغيير شيء في حياتهم اليومية.