هناك لحظات لا يصبح فيها الصمت مجرد امتناع عن الكلام، بل يتحول إلى رسالة سياسية قائمة بذاتها. وهذا بالضبط ما وجده الإعلامي رضوان الرمضاني نفسه مضطراً إلى توضيحه، بعدما انهالت عليه التساؤلات بسبب عدم تعليقه على الأخبار المتداولة بشأن احتمال التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة. غير أن التدوينة التي نشرها لم تكن، في جوهرها، محاولة لتبرير الصمت، بقدر ما كانت محاولة لتشريح المناخ الذي جعل الصمت نفسه موضع اتهام، وكأن الفضاء الرقمي لم يعد يعترف بحق التريث، بل يفرض على الجميع إعلان مواقفهم قبل أن تكتمل الوقائع.
منذ الأسطر الأولى، يتضح أن رضوان الرمضاني لا يريد أن يناقش خبر انتقال لقجع إلى حزب سياسي، بقدر ما يريد مساءلة الطريقة التي أصبح يُدار بها النقاش العمومي داخل شبكات التواصل الاجتماعي. فالسؤال، بالنسبة إليه، ليس: لماذا لم تتحدث؟ وإنما: لماذا أصبح الامتناع عن التعليق يُفسَّر باعتباره انحيازاً سياسياً؟ ولماذا صار المجتمع الرقمي يعتبر أن كل شخصية عمومية مطالبة بإعلان ولائها فوراً، وإلا وُضعت في خانة الاتهام؟
هنا يفتح الرمضاني باباً لنقد ظاهرة أخذت تتسع داخل المجال العام، وهي ما يمكن وصفها بـ”ديكتاتورية الاصطفاف الرقمي”. فالنقاش السياسي، في كثير من الأحيان، لم يعد يسمح بالمناطق الرمادية، بل بات يختزل الواقع في معادلات حادة: إما مع أخنوش أو مع لقجع، إما مع التجمع الوطني للأحرار أو مع الأصالة والمعاصرة، إما مؤيد أو معارض. وبين هذين القطبين تضيع مساحة التفكير الهادئ، ويصبح الرأي مجرد بطاقة انتماء، لا اجتهاداً قابلاً للنقاش والمراجعة.
ومن هذا المنطلق، يبدو دفاع رضوان الرمضاني عن صمته دفاعاً عن مبدأ أوسع، هو استقلالية الرأي وحق الكاتب أو الصحافي في انتظار اكتمال الصورة قبل إصدار الأحكام. فالسياسة، كما يوحي نصه، لا تُمارس بمنطق ردود الفعل الفورية، ولا تُختزل في سباق محموم لإعلان المواقف، بل تحتاج إلى مسافة نقدية تتيح قراءة الأحداث بعيداً عن ضغط اللحظة وعن المزاج الرقمي المتقلب.
وعندما ينتقل الحديث إلى فوزي لقجع، يتبدل محور النقاش من ظاهرة عامة إلى شخصية بعينها، لكن دون أن يتحول إلى مرافعة أو إلى هجوم. فالرمضاني يتعامل مع لقجع باعتباره مشروعاً سياسياً ما يزال في طور الاختبار، لا باعتباره زعيماً سياسياً مكتمل التجربة. فهو يقر، ضمناً، بأن الرجل راكم نجاحات مهمة في الإدارة العمومية، وفي تدبير المالية، وفي قيادة كرة القدم الوطنية، غير أن هذه النجاحات، مهما بلغت، لا تشكل ضمانة تلقائية للنجاح في العمل الحزبي.
فالسياسة، في تصور النص، ليست امتداداً للإدارة، ولا مجرد نقل للكفاءة التقنية إلى فضاء آخر، بل هي عالم مختلف تحكمه قواعد أكثر تعقيداً، حيث تفرض نفسها القدرة على بناء التوافقات، واستيعاب الاختلاف، وتحمل النقد، وإدارة الصراعات، والتعايش مع منطق الربح والخسارة. ولهذا تبدو الرسالة الضمنية واضحة: الانتقال من إدارة المؤسسات إلى صناعة القرار السياسي ليس انتقالاً ميكانيكياً، بل اختبار جديد يحتاج إلى أدوات مختلفة تماماً.
غير أن الملاحظة الأكثر حساسية لا تتعلق بلقجع نفسه، وإنما بالطريقة التي أُدير بها الحديث عن انتقاله المحتمل. فمن خلال صياغة التدوينة، يلمح رضوان الرمضاني إلى أن الإخراج الإعلامي والسياسي للملف لم يكن موفقاً، وأن كثرة التسريبات والتأويلات صنعت انطباعاً بوجود ارتباك أكثر مما صنعت قناعة لدى الرأي العام. وبذلك، يتحول النقد من الشخص إلى آليات التواصل السياسي، وكأن الأزمة ليست في قرار الانتقال، بل في كيفية تقديمه وتسويقه للرأي العام.
وفي هذا السياق، يوسع الرمضاني دائرة التحليل لتشمل حزب الأصالة والمعاصرة نفسه. فهو لا يرى أن أزمة الحزب تكمن في نقص الأسماء الوازنة أو في الحاجة إلى استقطاب شخصيات جديدة، بل يعتبر أن التحدي الحقيقي يتمثل في استعادة الهوية الفكرية والسياسية التي تأسس عليها الحزب. فبعد سنوات من التحولات التنظيمية والصراعات الداخلية، يبدو الحزب، وفق هذه القراءة، أكثر حاجة إلى مراجعة مشروعه السياسي من حاجته إلى إضافة أسماء لامعة إلى صفوفه.
ولذلك، فإن بلوغ الحزب سن الثامنة عشرة لا ينبغي، في رأيه، أن يكون مجرد مناسبة احتفالية، بل فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول فلسفة الحزب ودوره داخل المشهد الوطني. ومن هنا تأتي دلالة استعارة “الورث” التي استعملها، باعتبارها تعبيراً عن مشروع سياسي يمتلك رصيداً تاريخياً، لكنه يحتاج إلى من يحسن إدارة هذا الرصيد وتطويره، لا إلى الاكتفاء بالعيش على إرثه.
أما عندما يتحدث عن عزيز أخنوش، فإن رضوان الرمضاني يدرك مسبقاً أن أي تقييم إيجابي لرئيس الحكومة قد يُقرأ باعتباره اصطفافاً سياسياً، لكنه يصر على الدفاع عن فكرة التقييم الموضوعي بعيداً عن الانفعال. فهو لا يقدم مرافعة عن أخنوش بقدر ما يدافع عن حق أي تجربة حكومية في أن تُقيَّم وفق حصيلتها الفعلية، لا وفق الضجيج الذي يرافقها أو الحملات الرقمية التي تستهدفها.
وفي الوقت نفسه، يرسم صورة لرئيس حكومة يبدو مقتنعاً بأنه يؤدي دوراً يتجاوز الحسابات اليومية، ويرى نفسه جزءاً من مرحلة إصلاحية مرتبطة بالأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب. وقد يختلف المتابعون مع هذا التصور أو يتفقون معه، لكن الرمضاني يعتبر أن فهم هذا البعد ضروري لفهم إصرار أخنوش على الاستمرار رغم حجم الانتقادات التي تواجه حكومته.
ومن بين أهم الرسائل التي تحملها التدوينة رفضها تحويل المنافسة السياسية إلى معركة كسر عظم بين الأشخاص. فالرمضاني لا يرى أن بروز اسم فوزي لقجع يعني تلقائياً أفول نجم عزيز أخنوش، كما يرفض اختزال الحياة السياسية في صراع شخصي بين القيادات. فالسياسة، في نظره، ينبغي أن تبقى تنافساً بين البرامج والرؤى والمشاريع، لا مواجهة قائمة على الولاءات والانفعالات أو على صناعة الأبطال والخصوم داخل الفضاء الرقمي.
وفي خاتمة التدوينة، ينقل رضوان الرمضاني النقاش من مستوى الأحزاب إلى مستوى الدولة. فالسؤال، بالنسبة إليه، لا يتعلق بمن سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل بمن يستطيع مواكبة الرؤية الملكية، والمساهمة في إنتاج نخبة سياسية وإدارية قادرة على مواصلة الأوراش الاستراتيجية التي يعرفها المغرب. وهي رؤية تجعل الدولة الإطار الجامع، فيما تتحول الأحزاب إلى أدوات للتنافس الديمقراطي داخل المشروع الوطني، لا إلى غايات مستقلة عنه.
وبهذا المعنى، لا تبدو تدوينة رضوان الرمضاني مجرد تعليق على احتمال انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بل تبدو أقرب إلى إعلان عن موقع فكري وسياسي يرفض منطق الاصطفاف القسري، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للنقاش الهادئ وللتقييم الموضوعي. فهي توجه رسائل متوازية إلى لقجع، وإلى حزب الأصالة والمعاصرة، وإلى عزيز أخنوش، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة النخبة التي يحتاجها المغرب، وحول الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها المنافسة السياسية، حتى تبقى منافسة على المشاريع والبرامج، لا على صناعة الولاءات والانتصار في معارك المنصات الرقمية.