في الدول الحديثة، لا تبدأ معركة الشفافية عندما تظهر شبهة فساد، بل عندما يصبح السؤال عن المال العام حقاً طبيعياً للمواطن. وكلما ارتفعت قيمة المشاريع العمومية، ارتفعت معها الحاجة إلى الوضوح، لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط على الإنجاز، وإنما أيضاً على القدرة على تفسير كيفية تدبير الموارد وتوزيع المسؤوليات وإخضاعها للمحاسبة.
من هذا المنطلق، أعاد منشور أيوب الرمضاني فتح النقاش حول الحكامة المالية داخل كرة القدم المغربية، مستنداً إلى مداخلة إعلامية للصحفي حميد المهداوي انتقد فيها ما اعتبره محدودية المعلومات التي تضمنها التقرير المالي المعروض من طرف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. ولا يقف المنشور عند مضمون التقرير في حد ذاته، بل يتجاوزه إلى طرح أسئلة أوسع حول فلسفة التدبير المالي، وحدود الشفافية، والرقابة على الأموال التي أصبحت تدور في محيط كرة القدم المغربية مع اقتراب استضافة كأس العالم 2030.
في ظاهره، يبدو الموضوع متعلقاً بحسابات مؤسسة رياضية. أما في عمقه، فهو يعكس تحول كرة القدم إلى قطاع اقتصادي ضخم، تتداخل فيه الاستثمارات العمومية، والعقود التجارية، والمنح الدولية، ومشاريع البنيات التحتية، بما يجعلها شأناً عاماً لا يقتصر على النتائج الرياضية داخل المستطيل الأخضر.
فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أصبحت تدبر، إلى جانب مهامها الرياضية، برامج مالية واستثمارية متنامية، تستفيد من منح الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، إضافة إلى مساهمتها في مشاريع مرتبطة باستضافة كأس العالم. ومع تضخم هذه الموارد، يصبح مطلب نشر المعلومات المالية المفصلة وتعزيز آليات الرقابة المؤسسية جزءاً من النقاش العمومي المشروع، لأنه يتعلق بتدبير أموال ذات أثر وطني واسع.
ويستحضر المنشور أرقاماً مرتبطة بالمكافآت التي يمنحها الاتحاد الدولي لكرة القدم للمنتخبات المشاركة في كأس العالم، معتبراً أنها تثير تساؤلات حول كيفية توظيف هذه الموارد، ومدى انعكاسها على تطوير البنية الرياضية، وتكوين الشباب، ودعم الأندية، والاستثمار في الرياضة المدرسية والنسوية والجهوية. وهذه أسئلة تدخل في صميم النقاش حول الأولويات، أكثر مما تمثل حكماً على طريقة صرف تلك الأموال.
لكن النقاش يتجاوز مكافآت البطولات الدولية ليصل إلى المشروع الأكبر: التحضيرات لاستضافة كأس العالم 2030، الذي يُرتقب أن يعبئ استثمارات ضخمة في الملاعب، وشبكات النقل، والبنيات السياحية، والخدمات الحضرية. وكلما ارتفع حجم الإنفاق العمومي، ازدادت أهمية وضوح قواعد الحكامة، ونطاق اختصاص المؤسسات المكلفة بالتنفيذ، وآليات المراقبة المالية والإدارية التي ستواكب هذه المشاريع.
وفي هذا السياق، يثير صاحب المنشور تساؤلات حول الإطار القانوني المنظم لـ«مؤسسة المغرب 2030»، وحول طبيعة نظام المراقبة المطبق عليها مقارنة بالأنظمة المعمول بها بالنسبة لعدد من المؤسسات العمومية الأخرى. وهذه المسائل ذات طابع قانوني ومؤسساتي، ويظل تفسيرها النهائي رهيناً بالنصوص التشريعية المعتمدة وكيفية تنزيلها العملي، كما أنها قد تكون موضوع نقاش بين المختصين في القانون العام والمالية العمومية.
إن جوهر الإشكال لا يتعلق بشخص أو مسؤول بعينه، بقدر ما يرتبط بالسؤال الكلاسيكي الذي يرافق كل المشاريع الوطنية الكبرى: كيف يمكن الجمع بين سرعة الإنجاز وفعالية التنفيذ، وبين متطلبات الشفافية والمساءلة؟ فالدول التي تنجح في تنظيم الأحداث الرياضية العالمية لا تُقاس فقط بجودة ملاعبها، وإنما أيضاً بصلابة مؤسساتها الرقابية، وقدرتها على نشر المعلومات، وتعزيز ثقة المواطنين في طريقة تدبير المال العام.
اقتصادياً، تمثل استضافة كأس العالم فرصة استثنائية لتحفيز النمو، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، وتحديث البنيات التحتية. غير أن التجارب الدولية أظهرت أيضاً أن هذه المشاريع قد تتحول إلى مصدر للجدل إذا غابت الشفافية أو لم تصل آثارها التنموية إلى مختلف فئات المجتمع. ولذلك، فإن النقاش حول الحكامة لا يناقض الطموح الرياضي، بل يشكل أحد شروط نجاحه واستدامته.
اجتماعياً، يكشف الجدل عن ارتفاع منسوب الوعي لدى الرأي العام بأهمية مراقبة الإنفاق العمومي، حتى عندما يتعلق الأمر بقطاع يحظى بإجماع شعبي مثل كرة القدم. فالمواطن الذي يحتفل بانتصارات المنتخب هو نفسه الذي يتطلع إلى معرفة كيف تُدار الموارد، وكيف تُوزع الاستثمارات، وما إذا كانت ستنعكس على تحسين المرافق الرياضية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وتعزيز العدالة المجالية.
أما على المستوى الفلسفي، فإن القضية تتجاوز الرياضة والميزانيات لتلامس طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. فكلما كانت المؤسسات أكثر انفتاحاً في تقديم البيانات والتقارير والآليات الرقابية، تراجعت مساحة الشك، وتعززت الثقة. أما حين تصبح المعلومات شحيحة أو يصعب الوصول إليها، فإن الأسئلة تتكاثر، ويملأ التأويل الفراغ الذي يتركه غياب التواصل.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لهذا الجدل لا تكمن في الأرقام وحدها، ولا في أسماء المسؤولين، بل في كونه يعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الحكامة في المغرب: هل ستشكل استضافة كأس العالم 2030 فرصة لترسيخ نموذج جديد في الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم ستظل النقاشات حول المال العام تتكرر مع كل مشروع كبير؟ ذلك سؤال لن تحسمه الشعارات، بل ستجيب عنه الممارسة المؤسسية، وقدرة الدولة على جعل الحق في المعلومة والرقابة الفعالة جزءاً أصيلاً من نجاح أكبر تظاهرة رياضية سيحتضنها المغرب.