دراسة أكاديمية تفكك «حكومة الظل».. أين يقف نفوذ المستشار الملكي؟

0
91

أعادت دراسة أكاديمية حديثة فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في قراءة بنية القرار السياسي المغربي: ماذا يعني أن يكون شخص ما مستشاراً للملك؟ وهل تكفي مكانة المستشار وقربه من رأس الدولة للقول إنه يمارس سلطة تتجاوز حدود مهمته، أم أن النفوذ الذي قد يمتلكه يظل شيئاً مختلفاً عن الاختصاص الذي يمنحه الدستور والقانون للمؤسسات؟

السؤال يبدو في ظاهره متعلقاً بالمستشارين الملكيين، لكنه في العمق يتعلق بطريقة اشتغال الدولة نفسها. فهناك فرق بين شخص يوجد بالقرب من مركز القرار، وشخص يملك سلطة قانونية لاتخاذ القرار، وبينهما مساحة واسعة يمكن أن يدخل فيها الرأي والمشورة والتنسيق والوساطة والخبرة والعلاقات والثقة. هذه المساحة هي التي حاول الباحثان في القانون العام والعلوم السياسية عبد الرزاق المسكي وأشرف الطريبق تفكيكها في دراسة منشورة في غشت 2026 بعنوان «المستشار الملكي في المغرب – الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة: دراسة قانونية وسوسيولوجية في قوة المشورة وحدود الاختصاص».

أهمية الدراسة لا تأتي من أنها وجدت جواباً نهائياً عن كل ما يدور في محيط القرار، وإنما من أنها تحاول وضع حدود بين مفاهيم تختلط كثيراً في النقاش السياسي والإعلامي. فدستور 2011 ينظم اختصاصات الملك والحكومة والمجلس الوزاري ومؤسسات أخرى، لكنه لا ينشئ مؤسسة دستورية مستقلة باسم «مستشار الملك»، ولا يحدد عدداً للمستشارين أو حقائب اختصاص ثابتة لهم. وفي المقابل، لا يعني غياب مؤسسة دستورية بهذا الاسم أن الأشخاص الذين يشغلون موقع المستشار لا يمكن أن تكون لهم أدوار سياسية واستشارية مؤثرة.

الفارق الذي تبني عليه الدراسة جزءاً كبيراً من استدلالها هو أن الصفة لا تساوي الاختصاص، وأن الاختصاص لا يساوي المهمة، وأن المهمة لا تساوي النفوذ. المستشار يحصل على صفته بالتعيين، وقد يتلقى تكليفاً في ملف معين، بينما النفوذ يمكن أن يتكون من عناصر أقل وضوحاً في النصوص: الخبرة، والثقة، ومعرفة المؤسسات، والقدرة على الوصول إلى المعلومات، والعلاقات التي راكمها الشخص خلال مساره داخل الدولة. لذلك فإن إثبات نفوذ مستشار ما لا يؤدي تلقائياً إلى إثبات امتلاكه سلطة تنفيذية، كما أن عدم وجود نص يمنحه اختصاصاً تنفيذياً لا يكفي وحده لإنكار تأثيره الفعلي في بعض الملفات.

وهذه النقطة هي التي تجعل عبارة «حكومة الظل» بحاجة إلى قدر أكبر من الحذر مما توحي به جاذبيتها الصحافية. فالحكومة في النظام الدستوري المغربي ليست فكرة رمزية، وإنما مؤسسة محددة الاختصاصات. الفصل 89 من دستور 2011 ينص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيس الحكومة على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين. أما المستشار الملكي فلا يظهر في هذه البنية بوصفه عضواً في حكومة ثانية أو صاحب حقيبة تنفيذية مستقلة.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من النص إلى الواقع السياسي. فالقرار لا يولد دائماً لحظة توقيع وثيقة رسمية. قبله توجد معلومات وآراء واتصالات وتقديرات، وهناك أشخاص يملكون خبرة في ملفات معينة ويستطيعون أن يقدموا لرأس الدولة معرفة تراكمت لديهم عبر سنوات. هنا يمكن أن يصبح النفوذ حقيقياً من دون أن يتحول إلى اختصاص قانوني، ويمكن أن يكون الشخص مؤثراً في صناعة الخيارات من دون أن يكون هو صاحب القرار التنفيذي الذي تنسبه القوانين إلى مؤسسة أخرى.

الدراسة تستعيد في هذا السياق جذور المشورة في الدولة المغربية، ولا تنظر إلى المستشار الملكي باعتباره اختراعاً مؤسساتياً معاصراً منفصلاً عن التاريخ. ففي الدولة السلطانية كان السلطان محاطاً بالعلماء والكتاب والوزراء والأمناء والحجاب وأهل الرأي، وكان القرار النهائي للسلطان، بينما كانت المعرفة والخبرة والمعلومات موزعة بين محيط واسع من الأشخاص. تغيرت الدولة وتغيرت مؤسساتها، لكن الحاجة إلى من يقدم المعرفة والمشورة لم تختف.

ويصبح هذا الفرق أكثر وضوحاً عند النظر إلى بعض الوقائع التاريخية. تستحضر الدراسة حالة أحمد رضا اكديرة، الذي كان مديراً عاماً للديوان الملكي، وأسندت إليه في مرحلة من مراحل حكم الحسن الثاني أعباء وزارية. ما يهم الباحثين في هذه الواقعة ليس فقط أن الرجل كان قريباً من الملك، وإنما أن توليه الاختصاص التنفيذي ارتبط بسند خاص وتفويض في السلطة والتوقيع. معنى ذلك، وفق القراءة التي تقترحها الدراسة، أن وجود الشخص في الديوان أو قربه من رأس الدولة لم يكن كافياً بذاته لإنشاء اختصاص تنفيذي؛ كان لا بد من نقل الاختصاص بطريقة قانونية.

ومن هذه الواقعة تصل الدراسة إلى مفهوم تسميه «استصحاب الاختصاص»، أي افتراض أن المسؤول الذي انتقل من منصب إلى آخر يحمل معه، بحكم ماضيه، سلطات الموقع السابق. وهذا الافتراض لا يستقيم في القانون العام. وزير الداخلية الذي يغادر الوزارة لا يغادرها حاملاً اختصاصاتها، والمسؤول الحزبي الذي ينتقل إلى موقع آخر لا تصبح له بسبب تاريخه سلطة قانونية على الحزب. الذي يمكن أن يبقى هو المعرفة والخبرة والذاكرة والعلاقات، وهي كلها عناصر قد تكون ذات وزن سياسي، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى اختصاص.

وعند الوصول إلى فؤاد عالي الهمة، تصبح المسألة أكثر حساسية لأن مساره نفسه يجمع عدداً من المواقع التي تجعل الفصل بين الخبرة والنفوذ والاختصاص أكثر تعقيداً. فقد مر عبر الدراسة والتكوين في القانون والعلوم السياسية والإدارة، ثم وزارة الداخلية وديوان ولي العهد، والعمل البرلماني والمحلي، والتجربة الحكومية والحزبية، قبل أن يعين مستشاراً للملك في دجنبر 2011. والتعيين نفسه موثق في الجريدة الرسمية.

هذا المسار المتعدد هو الذي تقرأه الدراسة باعتباره نوعاً من «الرأسمال السياسي-المؤسساتي العرضاني». المقصود ليس أن عالي الهمة يحمل حقيبة قطاعية غير معلنة، وإنما أن مساره سمح له بتكوين معرفة بمؤسسات مختلفة في الدولة وبأشخاص وملفات وشبكات يصعب أن تتجمع عادة في مسار واحد. ولذلك تبدو فكرة اختزال موقعه في مجرد «قرب شخصي» من الملك غير كافية لفهم طبيعة الرصيد الذي راكمه، كما أن تحويل هذا الرصيد مباشرة إلى سلطة تنفيذية مستقلة يحتاج إلى أدلة من نوع آخر.

وهنا تتعامل الدراسة بحذر مع اللغة السياسية التي رافقت اسم عالي الهمة منذ سنوات. وصف شخص بأنه «متحكم» أو أنه يدير الملفات من وراء الستار يمكن أن يكون تعبيراً عن تصور موجود داخل المجال السياسي والإعلامي، لكنه لا يثبت وحده أن تحكماً من هذا النوع وقع فعلاً. لإثبات ذلك تحتاج المسألة إلى أكثر من الانطباع: مؤسسة محددة، وفعل محدد، وآلية تأثير يمكن تتبعها، وعلاقة مستمرة، ونتيجة يمكن نسبتها إلى ذلك التدخل. من دون هذه العناصر يصبح الوصف السياسي شيئاً، والإثبات شيئاً آخر.

وهذا ربما هو أكثر أجزاء الدراسة إثارة للاهتمام، لأن الباحثين لا يحاولان نفي النفوذ بقدر ما يحاولان معرفة ما الذي يمكن أن نسميه نفوذاً وما الذي يمكن أن نسميه اختصاصاً. فالمستشار يستطيع أن يكون ذا تأثير كبير في إعداد الخيارات أو في نقل المعلومات أو في التنسيق أو في مهمة يكلفه بها الملك، من دون أن يصبح بذلك وزيراً غير معلن. وفي المقابل، فإن اعتبار كل هذه الأدوار مجرد وظيفة بروتوكولية أو علاقة شخصية لا يفسر حقيقة الخبرة التي تدفع الدولة أصلاً إلى الاستعانة بأشخاص ذوي مسارات مهنية ومؤسساتية مختلفة.

ومن هنا تنتقل الدراسة إلى عبارة «حكومة الظل». وهي عبارة استقرت في جزء من الخطاب السياسي والإعلامي المغربي لأنها تختصر تصوراً عن وجود مركز قرار غير معلن إلى جانب المؤسسات الرسمية. لكن الدراسة ترى أن استخدام المصطلح بمعناه الحرفي يحتاج إلى إثبات أكثر تحديداً: تنظيم جماعي، واختصاصات تنفيذية مستقرة، وآليات إلزام تعمل خارج الحكومة الدستورية. إذا لم تتوافر هذه العناصر، فإن الحديث عن «حكومة» ثانية يصبح استعارة سياسية أكثر منه وصفاً لمؤسسة قائمة.

ولا يعني ذلك أن كل ما يحدث في دوائر القرار يمكن أن يظهر في النصوص. هذه نقطة ينبغي الاحتفاظ بها أيضاً حتى لا ينقلب التصحيح القانوني إلى تبسيط آخر. فبعض النفوذ غير الرسمي لا يترك قراراً موقعاً باسم صاحبه، وبعض عمليات التأثير لا يمكن اكتشافها بمجرد البحث عن فصل دستوري أو مرسوم تعيين. ولذلك فإن السؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام البحث الصحافي والسياسي هو كيف تتحول المشورة إلى تأثير فعلي، وفي أي لحظة يمكن أن يتجاوز هذا التأثير حدود المشورة إلى ممارسة سلطة على مؤسسة أخرى.

هذا هو الجزء الذي لا يمكن حسمه بالعبارات وحدها. إذا قيل إن مستشاراً تدخل في ملف معين، فإن الوثيقة أو الوقائع المطلوبة ليست فقط لإثبات وجوده بالقرب من الملف، وإنما لمعرفة ماذا فعل، ومن طلب منه ذلك، وما الآلية التي اشتغل بها، وما الذي تغير بعد تدخله. أما القرب من الملك، مهما كانت أهميته السياسية، فلا يكفي وحده للإجابة عن هذه الأسئلة.

وتحاول الدراسة، بدل صورة «الحكومة الثانية»، تقديم مفهوم «هندسة الخبرة حول الملك». وتربطه بمفهومين آخرين: «مأسسة الثقة» و«ذاكرة الدولة». وهي مفاهيم تحاول تفسير لماذا يمكن للدولة أن تحتاج إلى أشخاص لا يمارسون اختصاصاً تنفيذياً مباشراً، لكنهم يحتفظون بكم كبير من المعرفة المتراكمة حول مؤسساتها وملفاتها وتحولاتها. بعضهم يأتي من القانون، وبعضهم من الإدارة، وبعضهم من الدبلوماسية، والاقتصاد، والثقافة، والجامعة أو العمل الدولي. تنوع الخلفيات هنا ليس تفصيلاً ثانوياً؛ فهو يساعد على فهم أن وظيفة المشورة لا تقوم بالضرورة على توزيع حقائب وزارية غير معلنة.

في النهاية، لا تلغي الدراسة النفوذ، ولا تمنح النفوذ صفة الاختصاص. وهي بذلك تضع النقاش في منطقة أكثر صعوبة من ثنائية «حكومة الظل» أو «مجرد مستشار». فالدولة تحتاج إلى مؤسسات تملك اختصاصات محددة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى خبرة ومعرفة وذاكرة تتجاوز أحياناً الحدود القطاعية لهذه المؤسسات. وقد يجتمع الاثنان في شخص واحد، لكن اجتماعهما لا يعني أن أحدهما أصبح الآخر.

وربما لهذا السبب تحديداً لا يكفي أن نسأل عن قوة المستشار الملكي من خلال موقعه وحده. الأدق هو تتبع ما يفعله في كل ملف، وما السند الذي يتحرك بموجبه، وما الذي يبقى من أثره بعد انتهاء المهمة. هناك فقط يمكن الانتقال من الانطباع إلى التحقق، ومن الحديث عن «النفوذ» ككلمة واسعة إلى معرفة أين يبدأ فعلاً وأين يتوقف.

وهذه، في نهاية المطاف، هي المسافة التي تحاول الدراسة رسمها بين القرب من مركز القرار وبين امتلاك القرار نفسه.

 

الدراسة، المنشورة في غشت 2026 في International Journal for Scientific Research، تحمل عنواناً دالاً: «المستشار الملكي في المغرب – الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة: دراسة قانونية وسوسيولوجية في قوة المشورة وحدود الاختصاص». وهي تنطلق من نقطة يصعب تجاوزها: الدستور المغربي ينظم الملك والحكومة والمجلس الوزاري ومختلف المؤسسات، لكنه لا ينشئ مؤسسة دستورية مستقلة باسم «مستشار الملك»، ولا يحدد عدداً ثابتاً للمستشارين أو حقائب اختصاص لهم.