توقعات نمو الاقتصاد المغربي إلى 5,4%… هل دخل المغرب دورة نمو جديدة أم يعيش انتعاشًا ظرفيًا؟

0
107

من انتعاش الفوسفاط إلى رهان الاقتصاد الحقيقي… هل يعيش المغرب بداية دورة نمو جديدة أم مجرد لحظة ظرفية؟

عندما أعلنت المندوبية السامية للتخطيط توقعاتها بارتفاع معدل نمو الاقتصاد المغربي إلى 5,4 في المائة خلال الفصل الثالث من سنة 2026، بدا الرقم في ظاهره خبراً اقتصادياً إيجابياً، يحمل مؤشرات على تحسن الأداء بعد سنوات اتسمت بتقلبات مناخية وضغوط تضخمية واضطرابات جيوسياسية. لكن القراءة التي تكتفي بالأرقام وحدها تظل ناقصة، لأن ما يهم في الاقتصاد ليس فقط كم ينمو؟ بل أيضاً لماذا ينمو؟ وهل يملك هذا النمو القدرة على الاستمرار؟ ومن المستفيد الحقيقي منه؟

فالاقتصاد لا يقرأ بمنطق النسب المئوية فقط، وإنما بمنطق البنية التي تنتجها، والظروف التي صنعتها، والاختبارات التي تنتظرها مستقبلاً.

تشير معطيات المندوبية إلى أن هذا التحسن يرتكز على مجموعة من المتغيرات المتزامنة؛ في مقدمتها تخفيف الولايات المتحدة لبعض الرسوم الجمركية، وارتفاع الطلب الدولي على مشتقات الفوسفاط والأسمدة، خاصة من الهند واليابان، إضافة إلى استمرار قوة الطلب الداخلي، وتعافي النشاط الفلاحي بعد تحسن الموسم الزراعي، إلى جانب انتعاش الاستثمار العمومي والخاص في مشاريع البنية التحتية. غير أن اجتماع هذه العناصر يطرح سؤالاً أعمق: هل يتعلق الأمر بتحول هيكلي في الاقتصاد المغربي، أم بمجرد تلاقي ظروف دولية مواتية قد لا تدوم؟

وهنا تبدأ القراءة “بين السطور”.

فاللافت في التقرير أن أحد أبرز محركات النمو لم يكن قراراً اقتصادياً مغربياً داخلياً، بل تغيراً في البيئة التجارية الدولية. فتخفيف الرسوم الجمركية الأمريكية على بعض المنتجات، بالتوازي مع الطلب الآسيوي المتزايد على الأسمدة، أعاد الفوسفاط المغربي إلى قلب المنافسة العالمية، وهو ما منح الصناعات الاستخراجية دفعة قوية. لكن هذا النجاح، رغم أهميته، يظل مرتبطاً بعوامل خارجية يصعب التحكم فيها، لأن تغير السياسات التجارية أو تراجع الطلب العالمي قد يعيد رسم المشهد في أي لحظة.

ولعل الرسالة الضمنية التي يكشفها التقرير هي أن المغرب بات يستفيد بصورة متزايدة من إعادة تشكيل سلاسل التجارة العالمية، حيث تحاول القوى الاقتصادية الكبرى تنويع مصادر التوريد وتقليص الاعتماد على بعض الأسواق التقليدية. وفي هذا السياق، استطاع المغرب أن يرسخ موقعه كمورد استراتيجي للأسمدة والفوسفاط، مستفيداً من مكانته العالمية في هذا القطاع، ومن استثمارات ضخمة طورت قدراته الصناعية خلال السنوات الأخيرة.

غير أن الفوسفاط، رغم أهميته، لا يستطيع وحده صناعة اقتصاد متوازن. فالدول التي تبني نموها على سلعة استراتيجية واحدة تبقى معرضة لتقلبات الأسواق الدولية، وهو ما يجعل تنويع مصادر الثروة تحدياً دائماً.

في المقابل، يكشف التقرير عن مؤشر أكثر أهمية من مجرد ارتفاع الصادرات، وهو عودة الاستثمار الإنتاجي إلى الواجهة. فالتوقعات تشير إلى نمو الاستثمار بأكثر من 11 في المائة، مدفوعاً باستمرار الأوراش الكبرى في الموانئ والطرق والبنيات المائية. وهذه ليست مجرد مشاريع إنشائية، بل تعكس تصوراً اقتصادياً طويل المدى يراهن على تحويل المغرب إلى منصة لوجستية وصناعية تربط أوروبا وإفريقيا والأسواق الأطلسية.

لكن الاستثمار، مهما ارتفع حجمه، يبقى مطالباً بالإجابة عن سؤال جوهري: كم فرصة شغل مستدامة يخلق؟ لأن النمو الذي لا ينعكس على التشغيل والدخل يبقى نمواً محاسبياً أكثر منه اجتماعياً.

ومن بين أكثر المؤشرات التي تستحق التوقف عندها أيضاً، توقع نمو القطاع الفلاحي بنسبة تقارب 20 في المائة، وهو رقم استثنائي يعكس تعافي الموسم الزراعي بعد سنوات الجفاف. إلا أن هذا الرقم يذكر في الوقت نفسه بواحدة من أكبر مفارقات الاقتصاد المغربي؛ إذ لا يزال النمو الوطني مرتبطاً بشكل وثيق بتقلبات التساقطات المطرية. فكل موسم فلاحي جيد يرفع الناتج الداخلي، وكل موسم جفاف يعيد الاقتصاد إلى نقطة الصفر تقريباً.

وهذه العلاقة التاريخية بين المطر والنمو تكشف أن معركة الأمن المائي أصبحت اليوم معركة اقتصادية بامتياز، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي توجهها الدولة نحو السدود وتحلية مياه البحر والربط المائي بين الأحواض، باعتبارها استثمارات في استقرار الاقتصاد قبل أن تكون استثمارات في الماء.

ومن زاوية أخرى، يمنح التقرير أهمية خاصة للطلب الداخلي، حيث يتوقع استمرار ارتفاع استهلاك الأسر، مدعوماً بتحسن المداخيل وتراجع التضخم إلى نحو 1,2 في المائة. وهذه المعطيات توحي بأن الاقتصاد المغربي بدأ يستعيد جزءاً من توازنه بعد موجة التضخم العالمية التي أرهقت القدرة الشرائية خلال السنوات الماضية.

غير أن القراءة النقدية تفرض طرح سؤال آخر: هل يشعر المواطن فعلاً بهذا التحسن بنفس الدرجة التي تعكسها المؤشرات الكلية؟

فالاقتصاد الكلي قد يسجل نمواً مرتفعاً، بينما تبقى قطاعات واسعة من المجتمع غير قادرة على ترجمة هذا النمو إلى تحسن ملموس في مستوى العيش أو فرص العمل أو الخدمات الأساسية. وهنا يكمن الفارق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية.

ومن المفارقات التي يبرزها التقرير أيضاً أن الصادرات ستنمو بأكثر من عشرة في المائة، لكنها لن تمنع مساهمة المبادلات الخارجية من البقاء في المنطقة السلبية، بسبب ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع بلغت 12,4 في المائة. وهذه المفارقة تكشف أن الاقتصاد المغربي، رغم تحسن قدراته التصديرية، ما يزال يعتمد بشكل كبير على استيراد المعدات والطاقة والمواد الوسيطة والسلع الاستهلاكية، وهو ما يجعل الميزان التجاري تحت ضغط دائم.

إنها معادلة يعرفها الاقتصاديون جيداً: كلما تسارع الاستثمار والنشاط الاقتصادي، ارتفعت الحاجة إلى الاستيراد، ما لم يكن الاقتصاد قادراً على إنتاج جزء أكبر من حاجياته محلياً.

ورغم التفاؤل الذي يحمله التقرير، فإن المندوبية نفسها لا تخفي وجود مخاطر جدية تحيط بهذه التوقعات، وفي مقدمتها استمرار التوترات الجيوسياسية، واحتمال ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلبات التجارة العالمية، وهي عوامل قادرة على تغيير المشهد الاقتصادي في فترة وجيزة.

وهنا تظهر الرسالة الأكثر عمقاً في التقرير: فالمغرب يبدو اليوم أكثر قدرة على مقاومة الصدمات مما كان عليه قبل سنوات، بفضل تنوع أكبر في محركات النمو، واستمرار الاستثمار العمومي، وتحسن السياسة النقدية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الحصانة الكاملة من الاضطرابات الخارجية.

في النهاية، لا يبدو الرقم 5,4 في المائة مجرد نسبة نمو عابرة، بل يعكس لحظة اختبار حقيقية للنموذج الاقتصادي المغربي. فإذا نجحت المملكة في تحويل هذا الانتعاش الظرفي إلى إصلاحات هيكلية تعزز التصنيع، وترفع الإنتاجية، وتخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة، فإنها ستكون قد دخلت بالفعل دورة نمو أكثر استدامة. أما إذا بقيت هذه الدينامية رهينة الطلب الخارجي، والمواسم الفلاحية، وتقلبات الأسواق الدولية، فإن الأرقام ستظل قابلة للصعود… كما هي قابلة للتراجع بالسرعة نفسها.

فالرهان الحقيقي اليوم لم يعد تحقيق نسبة نمو أعلى فحسب، بل تحويل النمو إلى ثروة منتجة، وعدالة اجتماعية، وقدرة اقتصادية أقل ارتهاناً لتقلبات العالم وأكثر اعتماداً على قوة الاقتصاد الوطني نفسه.