ثمانية أيام ليشرح مجلس بوعياش كيف انتشرت الرسالة… فمن يشرح لماذا استجاب لها الآلاف؟

0
85

لم يكن السؤال الذي حملته أزمة العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة مجرد سؤال عن الحدود، ولا عن «رسالة» انتشرت عبر فيسبوك وواتساب، ولا حتى عن قرار قضائي إسباني جرى تأويله رقمياً على أنه يعني أن الطريق إلى سبتة أصبحت مفتوحة. كان المشهد أكبر من ذلك بكثير: آلاف الأشخاص، بينهم قاصرون ونساء وشباب وعائلات، وجدوا أنفسهم مستعدين لخوض طريق محفوف بالمخاطر، بعضه عبر البحر، استجابة لمعلومة أو دعوة أو وعد بفرصة للعبور.

ومن هنا تحديداً تبدأ أهمية خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان برئاسة أمينة بوعياش. فبعد أيام من ذروة الأحداث، قدم المجلس معطيات دقيقة حول مسار انتشار الرسالة الرقمية: تاريخ ظهور المحتوى المضلل، حجم بعض الصفحات والمجموعات، عدد المنشورات، رسائل واتساب، نشاط حسابات وأرقام أجنبية، ومؤشرات على تدخل وسطاء وشبكات يُشتبه في ارتباط بعضها بالاتجار بالبشر.

لكن المفارقة التي تفرض نفسها ليست في أن المجلس عرف كيف انتشرت الرسالة، بل في أنه، وهو مؤسسة حقوقية يفترض أن تنظر إلى الإنسان قبل الحدث وبعده، لم يذهب بالعمق نفسه في سؤال آخر أكثر إزعاجاً: لماذا وجد هذا الخطاب جمهوراً بهذا الحجم والاستعداد؟

فالرسالة الرقمية تستطيع أن تحدد الموعد، وأن تقول للناس أين يلتقون، وأن تمنحهم تفسيراً قانونياً أو وهماً بوجود فرصة. لكنها لا تصنع من العدم الرغبة في المغادرة، ولا تفسر وحدها استعداد قاصر أو شاب أو رب أسرة للمخاطرة بالبحر. إنها قد تكون الشرارة، لكنها لا تفسر وحدها قابلية المادة الاجتماعية للاشتعال.

وهنا تصبح ثمانية أيام أكثر من مجرد فارق زمني بين الحدث وصدور الخلاصات. إنها تتحول إلى سؤال حول وظيفة المؤسسة نفسها: هل كان المطلوب منها، بعد وقوع الأزمة، أن تعيد تركيب خريطة انتشار الرسالة، أم أن تكشف أيضاً لماذا كانت البيئة الاجتماعية والنفسية والحقوقية مهيأة لاستقبالها بهذه السرعة؟

هذا السؤال لا ينتقص من قيمة الرصد الذي أنجزه المجلس، بل يضعه في مكانه الصحيح. فالمجلس مؤسسة وطنية مستقلة معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها وضمان ممارستها والنهوض بها، كما أن بنيته تتضمن آليات موجهة إلى تتبع فعلية حقوق الإنسان في السياسات العمومية. ولذلك فإن من المشروع مهنياً أن يُسأل ليس فقط عما وثقه بعد الأحداث، وإنما عما كان يمكن أن يقرأه قبلها.

والأكثر دلالة أن التسلسل الزمني الذي قدمه المجلس نفسه لا يوحي بأن الانفجار جاء من فراغ. فبحسب خلاصاته، يعود أول محتوى مضلل مرتبط بالقرار القضائي الإسباني إلى 8 يوليوز، أي قبل أسابيع من ذروة العبور. كما رصد صفحات ومجموعات ذات جماهير ضخمة، ثم سجل تصاعداً في محاولات العبور قبل الوصول إلى ذروة 30 يوليوز.

وهنا تتغير زاوية السؤال.

إذا كانت الإشارات الرقمية موجودة منذ وقت مبكر، وإذا كانت المجموعات التي حملت الرسائل تضم عشرات الآلاف، وإذا بدأت محاولات العبور تتزايد قبل يوم الانفجار، فالمسألة لم تعد فقط: كيف انتشرت المعلومة؟ بل أصبحت: متى تحولت المعلومة إلى مؤشر خطر اجتماعي وحقوقي؟

فالفرق كبير بين أن ترصد مؤسسة ما يحدث، وبين أن تتمكن من قراءة ما يعنيه ما يحدث.

الرصد يسجل أن مجموعة تكبر. أما التحليل الحقوقي فيسأل لماذا تكبر. الرصد يحصي الرسائل. أما الوقاية فتبحث في قابلية الناس لتصديقها. الرصد يرصد انتقال الأشخاص نحو الشمال. أما قراءة السياسات العمومية فتسأل ما الذي جعل هذا الانتقال يبدو لبعضهم أفضل من البقاء.

وهذه هي المنطقة التي تبدو فيها خلاصات المجلس أكثر قوة في وصف آلية التعبئة من تفسير قابلية المجتمع للاستجابة.

فالمجلس يقول إن الظاهرة لا ينبغي اختزالها في الفقر والهشاشة، ويتحدث عن تحول عميق في تطلعات الشباب داخل المجتمعات الرقمية. وهذه ملاحظة مهمة، لكنها في حد ذاتها بداية سؤال وليست نهايته.

ما طبيعة هذا التحول؟ كيف تغيرت علاقة الشباب بالمستقبل؟ ما الذي تقوله مؤشرات التعليم والإدماج والشغل والحركية الاجتماعية؟ كيف تُقاس الثقة في المؤسسات والخدمات والفرص؟ وما الذي يجعل صورة «الضفة الأخرى» أكثر جاذبية من صورة المستقبل في الداخل؟

هذه ليست أسئلة اقتصادية صرفة، ولا هي اتهام للحكومة أو اختزال للأزمة في البطالة والفقر. إنها، في جوهرها، أسئلة حول فعلية الحقوق: أي حول المسافة بين الحق كما هو مكتوب والحق كما يعيشه المواطن في حياته اليومية.

وهنا تحديداً كان يمكن للمجلس أن يقدم إضافة مختلفة عن الرواية الأمنية أو التقنية للأحداث.

فالسلطات التنفيذية تستطيع أن تلاحق شبكات التهريب، وأن تفكك مصادر التضليل، وأن تشرح ظروف الانتشار الرقمي. أما المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان فميزتها المفترضة أن تسأل سؤالاً آخر: لماذا أصبح الوعد الافتراضي بالعبور أكثر إقناعاً لبعض المواطنين من وعود المستقبل داخل بلدهم؟

والحذر هنا ضروري حتى لا يتحول التحليل إلى استنتاج متسرع. لا توجد، بمجرد وجود مجموعة على فيسبوك أو رسائل على واتساب، علاقة سببية تثبت أن التضليل الرقمي هو الذي دفع كل شخص إلى العبور. كما لا يجوز، في الاتجاه المقابل، افتراض أن كل من حاول العبور كان يحتج على سياسة عمومية بعينها. الواقع أكثر تعقيداً، والأشخاص الذين ظهروا في المشهد لم يكونوا كتلة اجتماعية واحدة.

وهذا بالضبط ما يجعل وجود الأطفال والقاصرين والنساء والعائلات في الصورة ذا دلالة خاصة.

عندما تتجاوز الاستجابة شريحة شبابية محددة لتشمل أفراداً من أعمار ووضعيات مختلفة، يصبح تفسيرها بالتعبئة الرقمية وحدها أضيق من حجم الظاهرة. فالرسالة قد تكون واحدة، لكن دوافع الذين استجابوا لها ليست بالضرورة واحدة.

قد يكون بعضهم صدق رواية قانونية مضللة. وقد يكون آخرون تحركوا تحت تأثير جماعي. وقد تكون هناك شبكات استغلت الوهم. وقد يكون آخرون رأوا في اللحظة فرصة استثنائية. وقد تتداخل كل هذه العناصر معاً. لذلك فإن أي تفسير أحادي، سواء كان أمنياً أو اقتصادياً أو رقمياً، سيكون أقل من الحدث نفسه.

وفي المقابل، تكتسب المعاينة الحقوقية للمجلس وزناً حقيقياً عندما تنتقل من تفسير حركة الناس إلى توثيق ما تعرض له بعضهم.

فالحديث عن آثار ضرب وإصابات وصعوبة في المشي، وعن حالات يثير فيها المجلس مسألة احترام مبادئي الضرورة والتناسب في استخدام القوة، ليس تفصيلاً ثانوياً. وكذلك الأمر بالنسبة للقيود المفروضة على تنقل بعض الأشخاص المتوجهين نحو شمال البلاد. هذه وقائع تستحق التوثيق والتحقق والتوصيات، لأن حماية الحقوق لا تتوقف عند تحديد من بدأ الأزمة أو من استغلها.

وعلى الجانب الإسباني، فإن ما أورده المجلس من ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة أو العنصرية أو كراهية الأجانب أو نقص الحماية، فضلاً عن آثار إغلاق بعض المحلات والخدمات على الماء والغذاء، يوسع المشهد من أزمة حدود إلى أزمة إنسانية وحقوقية عابرة للحدود.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في الحصيلة: أنها لا تقرأ الإنسان باعتباره مجرد «عابر» أو رقماً في إحصاء أمني، وإنما تلتفت إلى ما تعرض له من مخاطر وانتهاكات محتملة أثناء الرحلة وبعدها.

لكن حتى هذه المعطيات، على أهميتها، تعيدنا إلى السؤال الأول.

فالمجلس استطاع أن يرسم خريطة للأزمة: رسائل، مجموعات، حسابات، أرقام، إصابات، وفيات، توقيفات، أضرار مادية، وشهادات حول المعاملة على جانبي الحدود. غير أن رسم خريطة الأزمة ليس بالضرورة تفسيراً لجذورها.

وتزداد أهمية هذا الفرق عندما ندخل إلى الأرقام.

فالحصيلة التي أوردها المجلس تكشف حجم الكلفة البشرية والأمنية للأحداث، بما في ذلك التفاوت في أرقام الوفيات المتداولة بين الجانب المغربي والسلطات في سبتة، وعدد المصابين والموقوفين والمتابعين والقاصرين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالممتلكات والمركبات.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُستخدم فقط لإغلاق ملف الأحداث في جدول إحصائي. فالرقم هنا ينبغي أن يقود إلى سؤال: ماذا كان يمكن فعله قبل أن يتحول الرقم إلى إصابة أو وفاة أو توقيف؟

وهذا هو معنى الوقاية في بعدها الحقوقي.

فالوقاية ليست أن تعرف بعد الأزمة من نشر الرسالة الأولى، وإنما أن تعرف قبل الأزمة متى تحولت مجموعة رقمية ضخمة إلى مؤشر يستحق التنبيه، ومتى أصبحت محاولات العبور المتكررة علامة على خطر متصاعد، ومتى بدأت فئة من القاصرين والشباب والعائلات تتجه نحو منطقة حدودية في ظروف قد تهدد حياتها.

وبهذه الزاوية، لا يصبح السؤال موجهاً إلى المجلس وحده، بل إلى منظومة أوسع بكاملها.

أين كانت المؤسسات التعليمية والاجتماعية والمحلية؟ ماذا كانت ترى الأجهزة المكلفة باليقظة الرقمية؟ ماذا كانت تعرف السلطات الترابية؟ ماذا كانت تفعل البرامج الموجهة إلى الشباب؟ وهل كانت هناك مؤشرات اجتماعية سابقة على الأزمة لم تُقرأ باعتبارها مؤشرات خطر؟

هذه الأسئلة لا تعني افتراض وجود تقصير من مؤسسة بعينها، ولا تسمح، أخلاقياً، بإلقاء المسؤولية بأثر رجعي على جهة دون أدلة. لكنها ضرورية إذا كان الهدف هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى منع تكرارها.

ثم هناك بعد آخر لا يقل أهمية: القرار القضائي الإسباني نفسه.

فالقرار 814/2026 يتعلق بمسألة قانونية دقيقة تخص تطبيق آلية «الرفض على الحدود» على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية. وقد أصبح القرار مادة قابلة للتأويل والتبسيط بمجرد دخوله إلى الفضاء الرقمي.

وهنا يظهر الفرق بين القانون كما تصوغه المحكمة، والقانون كما تعيد شبكات التواصل إنتاجه.

المحكمة تقول شيئاً قانونياً محدداً؛ أما شبكات التواصل فقد حولته إلى رسالة مختصرة من نوع «الحدود مفتوحة». وبين الجملتين توجد فجوة هائلة.

وهذه الفجوة هي التي تستغلها صناعة التضليل.

لذلك لا يكفي في مواجهة مثل هذه الظواهر أن يقال للناس إن الخبر كاذب. المطلوب هو شرح الحقيقة القانونية بلغة يستطيع المواطن العادي فهمها، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغاً طويلاً؛ تملؤه الرواية الأسرع انتشاراً، لا الرواية الأدق بالضرورة.

ومن هنا أيضاً تظهر أهمية مساءلة الإعلام نفسه، لا لتبرئة المؤسسات من مسؤولياتها، وإنما لأن أزمة من هذا الحجم كشفت مرة أخرى قوة المعلومة الرقمية في تحويل نص قضائي معقد إلى وعد جماعي قابل للتصديق.

لكن المجلس، في خلاصاته، لم يكن أمام قضية تضليل فقط. كان أمام ظاهرة اجتماعية كاملة استغلت فيها شبكات محتملة هذا الوعد، وتقاطعت فيها عوامل قانونية ورقمية ومناخية واجتماعية وإنسانية وأمنية.

ولذلك فإن اختزالها في «فيسبوك وواتساب» يحمل خطراً منهجياً: أن نخلط بين وسيلة الانتشار وسبب الاستجابة.

الأول يمكن قياسه بالأرقام. الثاني يحتاج إلى بحث اجتماعي وحقوقي أعمق.

وهنا تحديداً يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً مشروعاً: ماذا لو كانت الرسالة مجرد مفتاح فتح باب كان موجوداً أصلاً؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن حذف الرسالة لن يحل المشكلة. وإغلاق المجموعة لن يلغي الرغبة في الرحيل. وملاحقة الوسطاء لن تعالج وحدها الأسباب التي تجعل آلاف الأشخاص مستعدين للاستجابة لنداء مماثل غداً، إذا ظهر في صيغة جديدة.

وهذا لا يعني أن الدولة يجب أن تتجاهل التضليل أو شبكات الاتجار بالبشر؛ بالعكس، حماية الناس من الاستغلال واجب. لكنه يعني أن مكافحة الاستغلال يجب أن تسير بالتوازي مع فهم البيئة التي تجعل الاستغلال ممكناً.

أما التحذير من استغلال الأزمة سياسياً ومن تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين والأجانب، فهو بدوره جزء مهم من القراءة الحقوقية. فاللحظات الحدودية المشحونة يمكن أن تنتج خطاباً يعاقب جماعياً فئات كاملة بسبب سلوك أفراد أو مجموعات، وهو ما يستوجب الحذر.

لكن المنطق نفسه ينبغي أن يطبق في الاتجاه الآخر: لا يجوز تحويل كل من حاول العبور إلى «ضحية بريئة» بلا سياق، كما لا يجوز تحويله إلى «مهاجر مخالف» تختزل قصته في مخالفة قانونية. الإنسان في قلب هذه المعادلة أكثر تعقيداً من التصنيف الذي يوضع عليه.

وهنا يعود السؤال إلى مؤسسة بوعياش.

بعد ثمانية أيام، قدم المجلس الكثير من التفاصيل حول كيف تحركت الرسالة، وحول ما ترتب على ذلك من أحداث وانتهاكات محتملة. لكن القيمة الأعمق التي كان يمكن أن تكتمل بها الصورة هي أن يقول أيضاً، وبالمستوى نفسه من الدقة: لماذا كانت الرسالة قابلة لأن تصدق؟

فالمؤسسة التي تملك آلية لتتبع فعلية الحقوق والسياسات العمومية تستطيع، من حيث المبدأ، أن تنقل النقاش من سؤال «من نشر؟» إلى سؤال «ما الذي جعل الناس يستجيبون؟».

وهذا ليس بحثاً عن مذنب، بل بحث عن سبب.

لأن حماية الحدود قد توقف العبور، ومكافحة الاتجار بالبشر قد تضرب الوسطاء، ومواجهة التضليل قد تكشف الكذبة. لكن أياً من ذلك لا يضمن وحده ألا يظهر غداً محتوى آخر، بعبارة أخرى، ووعد آخر، ومجموعة أخرى، وجمهور آخر مستعد للاستجابة.

المشكلة، إذن، ليست فقط أن رسالة مضللة وصلت إلى آلاف الناس.

المشكلة الأعمق هي أن الرسالة وجدت آلافاً من الناس مستعدين لسماعها.

وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ السؤال الحقوقي الحقيقي: ليس فقط من نشر الرسالة، ولا فقط من عبر الحدود، ولا فقط من استخدم القوة، وإنما ما الذي كان يحدث في حياة هؤلاء قبل أن تصل الرسالة؟

فالرسالة تستطيع أن تقول: «الطريق مفتوحة».

لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تجعل طفلاً يترك مكانه، أو شاباً يخاطر بحياته، أو عائلة ترى في المجهول فرصة تستحق المغامرة.

إذا كان مجلس حقوق الإنسان قد وصل إلى الرسالة، فإن الخطوة التالية التي تفرضها مهمته ليست العودة إليها، بل الذهاب أبعد منها.

أن يسأل: لماذا كانت الرسالة فعّالة؟

ففي الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من أي عدد لصفحات فيسبوك أو رسائل واتساب، قد توجد مفاتيح فهم الأزمة ومنع تكرارها.