لم تبدأ القصة من صندوق اقتراع، ولا من مؤتمر حزبي، ولا من إعلان سياسي واضح. بدأت من مساحة أكثر ضبابية: تسريبات، صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتأويلات إعلامية انتقلت بسرعة من سؤال افتراضي إلى ما يشبه قراراً سياسياً جاهزاً.
خلال أسابيع، وجد اسم فوزي لقجع نفسه في قلب واحدة من أكثر النقاشات السياسية إثارة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة. ليس لأنه أعلن دخوله المعركة الانتخابية، ولا لأنه قدم نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة، بل لأن جزءاً من النقاش العام قرر أن يمنحه موقعاً سياسياً قبل أن يطلبه هو، وقبل أن يمنحه الناخبون أصواتهم.
هكذا تحولت فرضية التحاق محتملة بحزب الأصالة والمعاصرة إلى سيناريو سياسي كامل: من مجرد حديث عن إمكانية الانضمام إلى الحزب، إلى الحديث عن دخوله المكتب السياسي، ثم قيادة لائحة انتخابية بمدينة بركان، قبل أن تقفز بعض التحليلات مباشرة إلى الحديث عنه باعتباره «رئيس الحكومة المقبل».
المفارقة أن الشرارة الأولى نفسها لم تكن تحمل هذا اليقين. فالمعطيات التي تم تداولها نقلت عن مصدر قيادي أن التحاق لقجع بالحزب يبقى مرتبطاً بـ«الموافقة النهائية» منه، أي أن الأمر لم يكن قراراً نهائياً معلناً، بل احتمالاً سياسياً مفتوحاً على التطورات.
لكن في زمن صناعة الصورة الرقمية، لا تحتاج الفرضية دائماً إلى إعلان رسمي حتى تتحول إلى حقيقة متداولة. يكفي أن تتكرر بما يكفي، وأن تجد طريقها إلى العناوين والمنشورات، حتى تبدأ في إنتاج تأثير سياسي قبل امتلاكها أساساً قانونياً أو انتخابياً.
وهنا يظهر السؤال الأول في هذا الملف:
هل نحن أمام نقاش طبيعي حول شخصية عمومية لها حضور قوي؟ أم أمام صناعة مبكرة لصورة سياسية تهدف إلى تثبيت اسم معين داخل الوعي الجماعي قبل بداية المعركة الانتخابية؟
فالسياسة في الأنظمة الديمقراطية لا تبدأ من الترويج، بل من الشرعية. والشرعية الانتخابية لا تُمنح عبر عدد المتابعين، ولا عبر قوة الحضور الإعلامي، ولا عبر الإنجازات في مجال معين، مهما كانت أهميتها.
الدستور المغربي حسم هذه النقطة في الفصل 47، عندما ربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب، حيث يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء المجلس.
بمعنى آخر، الطريق إلى رئاسة الحكومة يمر عبر ثلاثة عناصر واضحة: حزب سياسي، برنامج انتخابي، وثقة الناخبين.
أما الانتقال مباشرة من الشعبية الجماهيرية إلى الموقع الحكومي، فهو قفز فوق المؤسسة الانتخابية نفسها.
لكن قوة هذه الحملة لا يمكن فهمها فقط من خلال التسريبات، بل من خلال الرصيد الذي راكمه لقجع خلال السنوات الماضية. فالرجل ليس اسماً عادياً في المشهد العمومي المغربي. فهو يجمع بين موقع حكومي حساس باعتباره مسؤولاً عن قطاع الميزانية، وبين رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إضافة إلى حضور قوي داخل الهيئات الكروية القارية والدولية.
كما أن المرحلة التي قاد فيها الجامعة ارتبطت بإنجازات رياضية غير مسبوقة، أبرزها وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم قطر 2022، في إنجاز تاريخي لكرة القدم المغربية والإفريقية والعربية.
ذلك الإنجاز فتح باباً واسعاً أمام صورة جديدة: مسؤول إداري ينجح في تحويل مؤسسة رياضية إلى مشروع وطني، ويعيد المغرب إلى واجهة كرة القدم العالمية.
ولا يمكن إنكار أن هذه النجاحات حقيقية. فقد شهدت كرة القدم المغربية خلال هذه المرحلة توسعاً في الاستثمار، وتطوراً في البنيات الرياضية، واهتماماً أكبر بالفئات السنية، وصعوداً ملحوظاً في كرة القدم النسوية، وتعزيزاً لحضور المغرب داخل المؤسسات الرياضية الدولية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراف بالإنجاز إلى إعفاء من النقاش السياسي.
فالنجاح في مجال كرة القدم، مهما كان كبيراً، لا يشكل وحده اختباراً كافياً لإدارة الدولة.
الدولة ليست ملعباً، والمواطن ليس مشجعاً، والميزانية العامة ليست ورقة تكتيكية، ورئاسة الحكومة ليست امتداداً لرئاسة مؤسسة رياضية.
المنتخب المغربي لم يصل إلى نصف نهائي كأس العالم بفعل قرار فرد واحد. خلف ذلك الإنجاز منظومة كاملة: لاعبون صنعوا التاريخ فوق أرضية الملعب، أطر تقنية، أكاديمية محمد السادس، أندية، استثمارات عمومية، وجالية مغربية في الخارج شكلت خزانا بشرياً أساسياً للمنتخبات الوطنية.
اختزال هذا النجاح الجماعي في شخص واحد يحمل خطراً سياسياً: تحويل الإنجاز الوطني إلى رأسمال شخصي يمكن نقله من مجال الرياضة إلى مجال تدبير الدولة دون المرور عبر امتحان البرنامج والمحاسبة.
فالفوز على إسبانيا أو البرتغال يجيب عن سؤال رياضي: كيف تنتصر في مباراة كرة قدم؟
لكنه لا يجيب عن أسئلة أخرى أكثر تعقيداً:
كيف تعالج أزمة المدرسة العمومية؟ كيف تخفض بطالة الشباب؟ كيف تضمن العلاج للمواطن؟ كيف تدبر ندرة الماء؟ كيف تحافظ على التوازن بين الضرائب والقدرة الشرائية؟ كيف تخفض المديونية وكلفة خدمة الدين؟
وهنا يبدأ الانتقال من صورة الرجل الناجح في الملعب إلى سؤال الرجل المسؤول داخل الدولة.
لأن فوزي لقجع، بخلاف مسؤول رياضي فقط، يوجد أيضاً في قلب القرار المالي باعتباره وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية. وبالتالي فإن تقييم أي احتمال سياسي مرتبط باسمه لا يمكن أن يكتفي بالصور والإنجازات، بل يجب أن يمر عبر دفاتر الدولة: الأرقام، الاختيارات المالية، نتائج السياسات العمومية، وحدود المسؤولية السياسية.
عندما تتكلم الأرقام… بين مسؤولية الميزانية وحدود خطاب الإنجاز
إذا كانت الصورة السياسية تُبنى غالباً على الرموز والإنجازات، فإن الدولة تُقاس في النهاية بلغة أكثر قسوة: لغة الأرقام.
فالميزانية لا تعرف التصفيق، والدين لا يتأثر بشعبية الأشخاص، والبطالة لا تنخفض بقوة الصورة الإعلامية. لذلك فإن أي نقاش حول إمكانية انتقال فوزي لقجع من موقع حكومي وتقني إلى موقع سياسي أعلى، يفرض العودة إلى الملفات التي توجد ضمن دائرة مسؤوليته الحكومية، وعلى رأسها المالية العمومية.
ليس الهدف هنا تحميل شخص واحد مسؤولية تراكمات اقتصادية واجتماعية تمتد لسنوات، لأن السياسات العمومية هي نتيجة قرارات حكومات متعاقبة وتحولات اقتصادية داخلية وخارجية.
لكن الإشكال السياسي يبدأ عندما يتم تقديم مسؤول ما باعتباره صاحب الإنجازات والتوازنات عندما تكون المؤشرات إيجابية، ثم يتم التعامل معه باعتباره مجرد منفذ تقني لا علاقة له بالاختيارات عندما تظهر المؤشرات الصعبة.
فالقاعدة الديمقراطية بسيطة: من يطلب الرصيد السياسي للنجاحات، يجب أن يقبل أيضاً نقاش كلفة الاختيارات والنتائج.
وتكشف معطيات تنفيذ قانون المالية لسنة 2025 أن ميزانية الدولة انتهت بعجز بلغ 61.6 مليار درهم، بعد تسجيل موارد، باستثناء الاقتراض، بلغت 637.6 مليار درهم، مقابل نفقات وصلت إلى 699.2 مليار درهم.
العجز في حد ذاته ليس ظاهرة استثنائية في تدبير الدول الحديثة، إذ تلجأ أغلب الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الاستثمار ومواجهة الأزمات. لكن السؤال السياسي لا يتعلق بوجود العجز فقط، بل بمساره، وحجمه، وقدرة الدولة على التحكم في كلفته.
وفي هذا السياق، لجأت الدولة خلال السنة نفسها إلى اقتراض 126.1 مليار درهم على المديين المتوسط والطويل، منها 79.2 مليار درهم من السوق الداخلية و46.9 مليار درهم من الخارج.
كما ارتفعت كلفة خدمة الدين، حيث بلغت فوائد وعمولات الدين العمومي 43.7 مليار درهم سنة 2025 مقابل 38.7 ملياراً سنة 2024.
أي أن الدولة أصبحت تخصص موارد متزايدة فقط لخدمة ديون سابقة، وهي موارد كان يمكن أن توجه إلى قطاعات اجتماعية أو استثمارات جديدة.
ولا يعني ذلك أن فوائد الدين أموال مهدورة، فهي التزامات قانونية ناتجة عن اختيارات مالية. لكن اقتصادياً وسياسياً تبقى الحقيقة أن كل درهم يذهب لخدمة الدين هو درهم لا يمكن استعماله في مجال آخر.
وتزداد دلالة هذه الأرقام عندما نقارنها بحجم الاستثمار العمومي.
فقد بلغت نفقات الاستثمار في الميزانية العامة سنة 2025 حوالي 129.4 مليار درهم.
وهذا يعني أن فوائد وعمولات الدين وحدها أصبحت تعادل أكثر من ثلث هذا الاستثمار.
هذه ليست إدانة لشخص، بل سؤال حول النموذج المالي نفسه: هل تستطيع الدولة الحفاظ على نفس وتيرة الالتزامات العمومية دون رفع الضغط على الميزانية؟ وهل يكفي انخفاض بعض النسب لتقديم صورة مطمئنة عن الوضع المالي؟
الدين والضرائب… نجاح الخزينة لا يعني بالضرورة نجاح المواطن
من أكثر الأرقام التي تحتاج إلى قراءة دقيقة رقم الدين العمومي.
فالدين الموحد للإدارات العمومية ارتفع من 967.4 مليار درهم سنة 2023 إلى 1,019.9 مليار درهم سنة 2024.
أي بزيادة بلغت 52.5 مليار درهم خلال سنة واحدة.
صحيح أن نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام تراجعت من 65.4 في المائة إلى 63.9 في المائة، لكن انخفاض النسبة لا يعني بالضرورة انخفاض الدين.
فالنسبة قد تتحسن بسبب ارتفاع الناتج الداخلي الاسمي، بينما يستمر الرصيد الحقيقي للدين في الصعود.
وهنا يظهر الفرق بين لغة المؤشرات التقنية ولغة المواطن.
فبالنسبة للخبير المالي، هناك فرق بين نسبة الدين وقدرة الاقتصاد على تحمله.
أما المواطن، فإنه يرى رقماً آخر: الدولة تجاوزت عتبة ألف مليار درهم من المديونية.
والتحدي السياسي لأي مسؤول مالي هو شرح هذه المعادلة للرأي العام: كيف يمكن للدولة أن تستدين دون أن يتحول الدين إلى عبء على الأجيال المقبلة؟
في المقابل، حققت الدولة ارتفاعاً مهماً في المداخيل الضريبية.
فقد بلغت الإيرادات الضريبية سنة 2025 حوالي 358.9 مليار درهم مقابل 314.5 ملياراً سنة 2024.
أي بزيادة تجاوزت 44 مليار درهم.
لكن ارتفاع المداخيل الضريبية لا يكفي وحده للحكم على نجاح السياسة المالية.
فالمواطن لا يقيس الدولة بما تجمعه فقط، بل بما تعيده إليه مقابل ما يدفعه.
السؤال الاجتماعي ليس فقط:
كم جمعت الخزينة؟
بل:
ماذا حصل المواطن مقابل ذلك؟
هل تحسن التعليم؟ هل أصبح العلاج أكثر يسراً؟ هل انخفضت كلفة النقل؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟
لأن المواطن قد يدفع الضرائب، ثم يجد نفسه مضطراً إلى تمويل جزء كبير من حاجاته الأساسية من جيبه الخاص.
الإعفاءات الجبائية… أين تنتهي سياسة التحفيز وتبدأ أسئلة الحكامة؟
ضمن الملفات التي تستحق النقاش يوجد ملف النفقات الجبائية، أي الموارد التي تتخلى عنها الدولة عبر إعفاءات وتخفيضات وتسهيلات ضريبية.
وتكشف وثائق مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن عدد هذه التدابير بلغ 274 نفقة جبائية، بكلفة وصلت إلى 32.015 مليار درهم سنة 2025 مقابل 31.493 ملياراً سنة 2024.
هذه الأرقام لا تعني أن كل الإعفاءات غير مبررة.
فبعضها مرتبط بدعم الاستثمار، أو بالسكن، أو بأهداف اجتماعية واقتصادية.
لكن السؤال الحقيقي ليس وجود الإعفاءات، بل تقييم نتائجها.
وتشير معطيات الوزارة إلى أن 86 في المائة من التدابير الاستثنائية المعمول بها تم اعتمادها قبل سنة 2020، وأنها تمثل 91 في المائة من كلفة النفقات الجبائية سنة 2025.
وهنا يظهر سؤال الحكامة:
إذا كانت الدولة تتخلى عن عشرات المليارات من الموارد، فما الحصيلة؟
كم منصب شغل خلقت هذه التدابير؟
ما أثرها على الإنتاج؟
ما القطاعات التي استفادت فعلاً؟
وهل ما زالت بعض الإعفاءات تحقق الهدف الذي أنشئت من أجله؟
فالشفافية لا تعني إلغاء التحفيزات، بل تعني إخضاعها للتقييم.
وتكشف الوثائق أن المقاولات استفادت سنة 2025 من نفقات جبائية بقيمة 14.356 مليار درهم، مقابل 14.873 ملياراً لفائدة الأسر.
وهنا لا يتعلق الأمر باتهام أي طرف، بل بضرورة جعل المواطن شريكاً في فهم القرارات المالية التي تؤثر على حياته.
من أرقام الخزينة إلى أزمة المجتمع… حين تصطدم الرواية الرسمية بالواقع اليومي
إذا كانت لغة الميزانية يمكن أن تحتمل التأويل، فإن سوق الشغل يبقى أحد أكثر المؤشرات وضوحاً في قياس نجاح السياسات العمومية.
وفي سنة 2025 ظل معدل البطالة عند مستوى 13 في المائة.
ووصل عدد العاطلين إلى مليون و621 ألف شخص.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق هو بطالة الشباب.
فقد ارتفع معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة من 36.7 في المائة إلى 37.2 في المائة.
كما ارتفعت بطالة النساء من 19.4 في المائة إلى 20.5 في المائة.
صحيح أن الاقتصاد أحدث 193 ألف منصب شغل خلال السنة، لكن الصورة الكاملة أكثر تعقيداً.
فالقطاع الفلاحي فقد 41 ألف منصب شغل، كما ارتفع عدد الأشخاص في حالة شغل ناقص من مليون و82 ألفاً إلى مليون و190 ألفاً.
وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في غياب العمل، بل في طبيعة العمل نفسه: هل هو مستقر؟ هل يوفر دخلاً كافياً؟ هل يحمي العامل؟
وهنا يظهر الفرق بين نجاح المؤشرات الاقتصادية ونجاح السياسة الاجتماعية.
فالاقتصاد يمكن أن ينمو، لكن المواطن قد لا يشعر بذلك إذا لم يتحول النمو إلى أجور وفرص حقيقية.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح في تقييم الأسر لوضعها المعيشي.
خلال الفصل الثاني من سنة 2026، صرحت 78.3 في المائة من الأسر بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً السابقة.
ولم تتجاوز نسبة الأسر التي اعتبرت أن وضعها تحسن 5.2 في المائة.
كما صرحت 38.7 في المائة من الأسر بأنها استنزفت مدخراتها أو لجأت إلى الاقتراض لتغطية مصاريفها.
في المقابل، لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.6 في المائة.
هذه الأرقام لا تلغي وجود مشاريع كبرى ولا تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنها تكشف سؤالاً مركزياً:
كيف ينتقل نجاح الدولة في الجداول المالية إلى حياة المواطن اليومية؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مسؤول يُطرح اسمه لقيادة الحكومة.
لأن رئيس الحكومة لا يدير أرقاماً فقط، بل يدير مجتمعاً كاملاً.
من إصلاح المقاصة إلى اختبار السياسة الاجتماعية… حين تصبح القرارات المالية امتحاناً سياسياً
لا يمكن قراءة تجربة أي مسؤول حكومي من خلال الأرقام المحاسبية فقط، لأن السياسة المالية في النهاية تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية التوازن الاجتماعي.
ومن بين الملفات التي كشفت هذا التوتر ملف دعم غاز البوتان، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية لدى الأسر المغربية.
فمنذ 20 ماي 2024، شرعت الحكومة في تقليص دعم قنينة غاز البوتان من فئة 12 كيلوغراماً بمقدار 10 دراهم.
وجاء هذا القرار ضمن مسار إصلاح نظام المقاصة، الذي ظل لسنوات أحد أكبر بنود الإنفاق العمومي.
وتُظهر الأرقام أن كلفة دعم غاز البوتان انتقلت من 16.7 مليار درهم سنة 2023 إلى 15 مليار درهم سنة 2024.
اقتصادياً، يمكن الدفاع عن هذا الإصلاح بالقول إن الدعم الشامل يستهلك موارد ضخمة، ولا يصل دائماً إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وأن توجيه الدعم بشكل مباشر قد يكون أكثر عدالة وفعالية.
لكن السؤال السياسي لا يتعلق فقط بمنطق الإصلاح، بل بطريقة تنزيله ونتائجه الاجتماعية.
فأي إصلاح مالي ينجح عندما يشعر المواطن أن ما فقده من دعم مباشر عوضه بشكل واضح عبر خدمات أفضل أو حماية اجتماعية أكثر فعالية.
أما إذا شعر المواطن بارتفاع الأسعار مع استمرار الضغط على دخله، فإن الإصلاح يتحول من قرار تقني إلى قضية سياسية.
وهنا تظهر مسؤولية أي مسؤول مالي: ليس فقط تدبير الحسابات، بل شرح الاختيارات وتحمل النقاش العمومي حول آثارها.
فالحكومة لا تُحاسب فقط على حجم الأموال التي توفرها، بل على أثر القرارات التي تتخذها على الحياة اليومية للمواطنين.
كرة القدم… بين الإنجاز الحقيقي وخطر تحويل النجاح الرياضي إلى شرعية سياسية
إذا كانت الأرقام الاقتصادية تضع المسؤول أمام اختبار المجتمع، فإن التجربة الرياضية تضعه أمام اختبار آخر: هل يكفي النجاح في مجال معين للانتقال إلى قيادة مجال مختلف تماماً؟
لا شك أن مرحلة فوزي لقجع على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ارتبطت بتحولات كبيرة.
فالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم قطر 2022 سيظل لحظة تاريخية في كرة القدم المغربية.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي أيضاً وضع هذا النجاح داخل مساره الكامل، لا داخل لحظة واحدة فقط.
فكرة القدم، مثل السياسة، لا تُقاس فقط بالانتصارات الكبرى، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على الاستمرارية، وبناء منظومة متوازنة، وتحقيق النتائج بشكل مستدام.
وخلال الفترة نفسها، عرفت المنتخبات الوطنية نتائج متفاوتة.
فقد خرج المنتخب المغربي من كأس إفريقيا سنة 2019 أمام بنين، ثم غادر نسخة 2021 من دور ربع النهائي أمام مصر، كما انتهت مشاركته في نسخة 2023 عند دور الثمن أمام جنوب إفريقيا بعد الهزيمة بهدفين دون رد.
هذه النتائج لا تلغي إنجاز مونديال قطر.
كما أن الإشارة إليها لا تعني التقليل من العمل المنجز.
لكنها تفرض رفض الانتقائية في قراءة الحصيلة.
فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى أسطورة كاملة، بل إلى تقييم متوازن يعترف بالنقاط المضيئة كما يناقش الاختلالات.
كما أن تدبير كرة القدم عرف بدوره أسئلة مرتبطة بكلفة المشاريع الرياضية، ووضعية الأندية، ومستوى البطولة الوطنية، واستمرارية الاختيارات التقنية، وتعدد المدربين والمشاريع.
المسألة ليست تحميل رئيس الجامعة مسؤولية كل مباراة أو كل قرار تقني، بل التأكيد على مبدأ بسيط:
كل مؤسسة عمومية أو شبه عمومية ذات تأثير وموارد كبيرة يجب أن تخضع للنقاش والتقييم.
تراكم المسؤوليات… عندما يصبح سؤال الحكامة أكبر من سؤال الشخص
ربما يكون السؤال الأكثر حساسية في هذا الملف ليس حول شخصية فوزي لقجع، بل حول طبيعة النموذج المؤسساتي نفسه.
فالرجل يجمع بين موقع حكومي مرتبط بالميزانية، ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إضافة إلى حضور مؤثر داخل الهيئات الكروية الإفريقية والدولية.
ويرى أنصاره أن هذا التراكم يعكس الكفاءة والقدرة على إدارة ملفات معقدة، وأن الجمع بين هذه المواقع منح المغرب نفوذاً أكبر داخل المنظمات الرياضية.
لكن في المقابل، تطرح الديمقراطيات الحديثة سؤالاً دائماً:
هل يكفي أن تكون المسؤوليات قانونية حتى تكون الحكامة مثالية؟
فالشفافية لا تبدأ من وجود اتهام، بل من وجود أسئلة مشروعة حول كيفية تدبير النفوذ والموارد.
عندما تخصص الدولة استثمارات كبيرة لتأهيل الملاعب والبنيات المرتبطة بالمنافسات الرياضية، ويكون المسؤول عن الميزانية هو نفسه رئيس المؤسسة الرياضية المعنية بهذه المشاريع، فإن الحاجة إلى الشفافية تصبح أكبر.
ليس لأن هناك اتهاماً مسبقاً، بل لأن تضارب الأدوار المحتمل يفرض مزيداً من الوضوح.
الأسئلة هنا مؤسساتية:
من يحدد الأولويات؟
كيف يتم تقييم الجدوى الاقتصادية للمشاريع؟
ما الكلفة النهائية؟
ما المداخيل المنتظرة بعد انتهاء المنافسات الكبرى؟
كيف يتم الفصل بين متطلبات المالية العامة ومصالح كرة القدم؟
هذه الأسئلة ليست ضد الأشخاص، بل لصالح المؤسسات.
فالدولة القوية ليست التي لا تُطرح فيها الأسئلة، بل التي تملك آليات واضحة للإجابة عنها.
من صورة المسؤول القوي إلى اختبار رجل الدولة
المعضلة الأساسية في حملة تقديم لقجع باعتباره «رجل المرحلة» ليست في شخصه، بل في الطريقة التي يتم بها اختزال الدولة في فرد.
فرئيس الحكومة في النظام الديمقراطي لا يحتاج فقط إلى سجل إنجازات، بل إلى مشروع سياسي.
المواطن لا ينتخب فقط من يدير المؤسسات بكفاءة، بل من يقدم تصوراً للمستقبل.
ولهذا فإن الأسئلة الكبرى تبقى مطروحة:
ما رؤية لقجع لإصلاح المدرسة العمومية؟
كيف سيعالج بطالة الشباب؟
كيف سيمول الحماية الاجتماعية؟
ما موقفه من العدالة المجالية؟
كيف سيوازن بين الاستثمار والدين؟
كيف سيضمن عدالة ضريبية أكبر؟
كيف سيتعامل مع حرية الصحافة واستقلال المؤسسات؟
حتى الآن، لا توجد أجوبة سياسية معلنة عن هذه الأسئلة، لأن الرجل لم يقدم نفسه رسمياً مرشحاً لرئاسة الحكومة، ولم يعلن برنامجاً انتخابياً.
وهنا تكمن المفارقة:
يتم بناء صورة سياسية كاملة لشخص لم يدخل بعد المعركة السياسية.
يتم الحديث عن النتائج قبل بداية المباراة.
ويتم تقديم المرشح قبل أن يقدم نفسه.
لقجع بين الإنجاز والمحاسبة… بين الملعب والدولة
لا يمكن اختزال فوزي لقجع في صورة واحدة.
فهو مسؤول راكم نجاحات حقيقية، خصوصاً في المجال الرياضي، وترك بصمة واضحة في مرحلة شهدت تحولاً كبيراً في حضور المغرب الكروي.
لكن الإنجازات لا تمنح حصانة سياسية.
فالانتقال من رئاسة مؤسسة رياضية إلى رئاسة الحكومة ليس انتقالاً من ملعب إلى ملعب آخر، بل انتقال من تدبير قطاع محدد إلى مسؤولية دولة كاملة.
بين الموقعين توجد مؤسسات، وبرلمان، ودستور، وبرنامج، وانتخابات، ومواطنون لهم الحق في السؤال والمحاسبة.
المشكلة ليست أن يترشح لقجع.
من حقه، مثل أي مواطن، أن يدخل المعترك السياسي، وأن يدافع عن تجربته، وأن يطلب ثقة المغاربة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشعبية إلى بديل عن البرنامج، والصورة إلى بديل عن النقاش، والإنجاز الرياضي إلى شيك سياسي مفتوح.
فالمغاربة لا يحتاجون فقط إلى من يفوز بالمباريات، بل إلى من يجيب عن أسئلة الحياة اليومية.
ولا يكفي أن تُرفع الكؤوس فوق المنصات، إذا بقيت الأسئلة الكبرى معلقة داخل البيوت:
الشغل، التعليم، الصحة، القدرة الشرائية، الدين، والحكامة.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي «رجل مرحلة» لا يبدأ من المدرجات، بل من صناديق الاقتراع.
ولا يُحسم في صفحات التواصل الاجتماعي، بل في علاقة المسؤول بالمواطن.
لقجع ليس شيكاً على بياض… كما أن أي اسم، مهما كان رصيده، لا يصبح رجل دولة إلا عندما يضع برنامجه أمام الشعب ويقبل حكم المؤسسات والناخبين.