رفعت شارة النصر بعد خمسة كيلومترات سباحة إلى سبتة… لكن الوطن هو من خسر السباق

0
110
Screenshot

ليست كل صور الهجرة غير النظامية مجرد مشاهد عابرة توثق لحظة وصول ناجحة إلى الضفة الأخرى. فبعض الصور تتحول، بمجرد النظر إليها بعمق، إلى وثائق سياسية واجتماعية تختزل ما تعجز عنه التقارير والإحصاءات والخطب الرسمية. والصورة التي ظهرت فيها شابة ترفع علامة النصر بعد وصولها سباحة إلى الضفة الأخرى ليست صورة انتصار بقدر ما هي صورة سؤال كبير، موجَّه إلى مجتمع بأكمله، وإلى السياسات التي جعلت البحر يتحول، في نظر بعض الشباب، من حاجز طبيعي إلى آخر باب مفتوح.

فالفتاة التي رفعت إصبعيها بعلامة النصر لم تكن تحتفل بفوز رياضي، ولم تكن تعبر خط نهاية سباق. لقد خرجت من مواجهة مع البحر، بكل ما يحمله من أخطار لا يمكن التنبؤ بها. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون علامة النصر إعلانًا عن إنجاز، بل تعبيرًا عن نجاة مؤقتة من مصير كان يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا. إنها لحظة يختلط فيها الفرح بالخوف، والحياة بإمكانية الفقدان، والنجاة بإدراك أن الثمن كان يمكن أن يكون الموت.

غير أن الصورة، في بعدها الأعمق، لا تتحدث عن فتاة واحدة، وإنما عن واقع يتجاوز الأفراد. فهي تعكس ظاهرة تتكرر في عدد من مناطق شمال المغرب، حيث يجد بعض الشباب أنفسهم أمام خيارات يضيق هامشها كلما اتسعت الفجوة بين الطموح والإمكانات. وهنا تتحول الهجرة غير النظامية من قرار فردي إلى مؤشر اجتماعي يستحق القراءة، لأنه يكشف عن حجم الإحساس بانسداد الأفق لدى فئات ترى أن المستقبل لم يعد قريبًا منها بالقدر الذي كانت تأمله.

ولا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها بعض المناطق الحدودية خلال السنوات الأخيرة. فقد أدت التغيرات التي مست الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحدود إلى إعادة تشكيل الواقع المعيشي لآلاف الأسر، بينما ظل الانتقال نحو بدائل اقتصادية أكثر استدامة تحديًا يحتاج إلى وقت واستثمارات وسياسات مواكبة. وفي هذا الفراغ، يصبح السؤال الذي يواجهه كثير من الشباب أكثر قسوة: هل ينتظرون فرصة قد تتأخر، أم يخاطرون في رحلة قد لا يعودون منها؟

وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلامًا. فبينما تتكرر مشاهد محاولات الهجرة غير النظامية، تنشغل الساحة السياسية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بإيقاع مختلف؛ إذ يرتفع منسوب الحديث عن التحالفات والبرامج والوعود، في الوقت الذي ينتظر فيه جزء من الشباب ما هو أبعد من الخطاب السياسي: فرصة عمل، ومسارًا مهنيًا، وإحساسًا بأن البقاء داخل الوطن ليس مجرد واجب أخلاقي، بل خيار قابل للحياة.

ذلك أن الشباب لا يهاجرون، في الغالب، لأنهم يكرهون أوطانهم، بل لأنهم يبحثون عن أفق يعتقدون أنه أصبح أكثر وضوحًا في مكان آخر. وعندما يصل الإحساس بانسداد الفرص إلى درجة يصبح معها البحر أقل إخافة من المستقبل، فإن المشكلة لم تعد مجرد قضية أمنية أو حدودية، بل أصبحت سؤالًا تنمويًا واجتماعيًا وسياسيًا في آن واحد.

ولذلك فإن الصورة التي رفعت فيها الفتاة علامة النصر لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتصارًا شخصيًا فقط، بل باعتبارها مرآة تعكس سؤالًا جماعيًا: ما الذي يجعل بعض الشباب يعتقدون أن أخطر رحلة في حياتهم قد تكون أقل مخاطرة من البقاء حيث هم؟ إنه سؤال لا يوجه إلى مؤسسة بعينها، ولا إلى مسؤول واحد، بل إلى المنظومة بأكملها، لأن معالجة الظاهرة لا تتحقق فقط بتشديد المراقبة أو إحباط محاولات العبور، وإنما أيضًا بخلق شروط تجعل فكرة الرحيل أقل جاذبية من فكرة البقاء.

فالأوطان لا تُقاس بعدد الخطب التي تُلقى، ولا بعدد الوعود التي تُعلن، ولا حتى بعدد المشاريع التي تُسجل في الوثائق الرسمية، وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل الأمل إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. وعندما يشعر الشاب أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل بلده، يصبح البحر مجرد منظر طبيعي، لا مشروعًا للهجرة.

وفي النهاية، قد تبدو علامة النصر التي رفعتها تلك الفتاة رسالة فرح فردية، لكنها، في القراءة الأعمق، تحمل دلالة أكثر تعقيدًا. فهي ليست فقط إعلانًا عن النجاة من البحر، بل تذكير مؤلم بأن معركة الأمل لم تُحسم بعد. وإذا كانت قد انتصرت على الأمواج في تلك الليلة، فإن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: متى ينتصر المجتمع على الأسباب التي تدفع أبناءه إلى خوض مثل هذه الرحلات أصلًا؟

إن أخطر ما في هذه الصورة أنها لا توثق لحظة وصول، بل توثق لحظة مساءلة. مساءلة لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل التنمية من أرقام تُعلن إلى فرص تُعاش، وتحويل الوطن إلى فضاء يختاره شبابه بإرادتهم، لا مكانًا يغادرونه بحثًا عن حياة يعتقدون أنها تنتظرهم وراء الأفق.