سبتة بين استخبارات تتكلم وأمنٍ يصمت: ماذا رصدت إسبانيا ولم يعلنه المغرب؟

0
93

تعود سبتة إلى الواجهة من بوابة مختلفة هذه المرة. أجهزة الاستخبارات الإسبانية، بحسب ما أوردته صحيفة «لا راثون»، ترصد نشاطاً رقمياً جديداً يدعو إلى التحرك الجماعي نحو المدينة، بعد تراجع الدعوات التي سبقت تحركات 15 غشت. الحديث الإسباني لا يقتصر على احتمال تجمع مهاجرين قرب الحدود، بل يتتبع منصات وحسابات ومضامين رقمية، بينها محتويات مولدة بالذكاء الاصطناعي، ويشير إلى انتقال الخطاب من شائعات عن فتح السياج إلى عبارات أكثر صدامية من قبيل «مهاجمة سبتة». وفي المقابل، لا يوجد، في المعطيات العلنية المتاحة، إعلان مغربي مماثل يقول إن الأجهزة المغربية رصدت هذه الحملة أو حددت طبيعة الجهات التي تقف وراءها.

هذه هي المفارقة التي تستحق التحقيق أكثر من الدعوات نفسها: لماذا تتحدث الاستخبارات الإسبانية عن الخطر بينما لا نسمع رواية أمنية مغربية مقابلة؟ لا يمكن تحويل الصمت الرسمي إلى دليل على غياب الرصد؛ فالعمل الاستخباراتي بطبيعته لا يُدار أمام الكاميرات، كما أن الإعلان عن أدوات التتبع أو مصادر المعلومات قد يكشف جزءاً من القدرات الأمنية. لكن الصمت يظل، من الناحية الإعلامية والاستراتيجية، ذا دلالة، لأنه يترك الرواية الإسبانية في موقع المصدر الوحيد الذي يشرح للجمهور ما يجري داخل الفضاء الرقمي المرتبط بالحدود.

والواقع الميداني يقدم قرينة مهمة على أن السلطات المغربية لم تكن تتعامل مع المسألة باعتبارها مفاجأة. فقد شهد محيط الفنيدق وسبتة تعزيزات أمنية استعداداً للدعوات السابقة، ما يعني أن الجانب المغربي كان على الأقل يتعامل مع احتمال تحرك جماعي باعتباره خطراً يستوجب الوقاية. لكن الفرق هنا بين الرصد الأمني والرواية الأمنية. قد تعرف الأجهزة أكثر مما تعلن، وقد تختار أن تمنع الحدث من دون أن تكشف كيف اكتشفته. غير أن هذا الأسلوب يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: هل كان المغرب يواجه مجرد تجمع محتمل للمهاجرين، أم كان يتعامل مع عملية تعبئة رقمية لها بنيتها ومساراتها ومصادرها؟

المعطيات الإسبانية تشير إلى أن المسألة تغيرت. في الموجة السابقة، لعبت الأخبار الكاذبة والصور المفبركة، بما فيها محتويات مولدة بالذكاء الاصطناعي، دوراً في خلق انطباع بأن الحدود مفتوحة أو أن العبور أصبح ممكناً. أما الآن، فتقول الرواية الإسبانية إن الخطاب الرقمي أصبح أكثر مباشرة في الدعوة إلى التحرك نحو سبتة. وهذا التحول مهم لأنه ينقل العملية من التضليل حول الواقع إلى محاولة صناعة واقع جديد انطلاقاً من التضليل: إقناع الناس بأن هناك فرصة، ثم تحويل الاعتقاد بهذه الفرصة إلى حركة جماعية في اتجاه الحدود.

هنا تتغير طبيعة التهديد. فالشخص الذي يصدق خبراً كاذباً عن فتح الحدود ليس بالضرورة جزءاً من مؤامرة منظمة، وقد لا يعرف حتى مصدر المعلومة. لكن عندما تتكرر الرسالة نفسها عبر منصات متعددة، وتستخدم صوراً ورموزاً ومواعيد محددة، وتستهدف جمهوراً موجوداً أصلاً في المنطقة، فإن السؤال الأمني يصبح مختلفاً: من يعيد توزيع الرسالة؟ من يحدد توقيتها؟ ومن يستفيد من انتقالها من الهاتف إلى الشارع؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل من الفضاء الرقمي امتداداً فعلياً للحدود، وليس مجرد خلفية إعلامية لأزمة الهجرة.

والمثير أن هذا النقاش يأتي بالتزامن مع تصنيف دولي جديد يضع المغرب في المرتبة 43 عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني الوطني لعام 2026، برصيد 79.17 نقطة من أصل 100. ويمنح المؤشر المملكة درجات قوية في حماية البنى التحتية المعلوماتية الحيوية وتحليل التهديدات، إلى جانب مجالات أخرى من الحماية والوقاية الرقمية. كما يمنح المغرب العلامة الكاملة في البحث والتطوير السيبراني، بينما تكشف النتائج في المقابل عن ثغرات في إدارة الأزمات السيبرانية والدفاع السيبراني العسكري والتعليم والتكوين المتخصص.

هذه المفارقة تضع التصنيف في سياق أكثر واقعية. فامتلاك منظومة قوية لحماية الشبكات والأنظمة لا يعني تلقائياً امتلاك قدرة كاملة على مواجهة حملات التأثير والتعبئة الرقمية. هناك فرق بين حماية بنية تحتية من الاختراق وبين اكتشاف حملة تستهدف وعي آلاف الأشخاص. في الحالة الأولى يكون الهدف نظاماً معلوماتياً؛ وفي الثانية يكون الهدف الإنسان نفسه، أي سلوكه وقراره وتوقيته وقدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم.

المغرب يمتلك أساساً قانونياً ومؤسساتياً مهماً في هذا المجال. القانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني وضع إطاراً لحماية نظم المعلومات التابعة للإدارات والمؤسسات العمومية والبنى التحتية الحيوية، فيما تضطلع المديرية العامة لأمن نظم المعلومات بدور مركزي في المنظومة الوطنية للأمن السيبراني. لكن التحدي الذي تكشفه قضية سبتة يتجاوز حماية الأنظمة إلى القدرة على فهم الحرب المعلوماتية الاجتماعية: حملات لا تسعى إلى إسقاط شبكة، وإنما إلى تحريك أشخاص.

ومن هنا يصبح غياب إعلان مغربي حول الرصد الرقمي أكثر أهمية. إذا كانت الأجهزة المغربية قد رصدت بالفعل هذه الدعوات، فإن السؤال هو لماذا لم تقدم للرأي العام الحد الأدنى من المعلومات التي تسمح بفهم طبيعة الخطر؟ وإذا لم تكن قد رصدتها، فالسؤال أكثر حساسية: كيف يمكن لدولة تحتل موقعاً متقدماً في مؤشرات الجاهزية السيبرانية أن تترك المجال الحدودي مفتوحاً أمام رواية رقمية تُدار، بحسب الجانب الإسباني، من خلال منصات تستهدف أشخاصاً موجودين على الجانب المغربي؟

لا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة تسمح باتهام جهة مغربية أو أجنبية بعينها بالوقوف وراء هذه الحملات، وهذه نقطة يجب عدم تجاوزها. كما لا يوجد ما يثبت أن عدم الإعلان المغربي يعني عدم وجود رصد مغربي. لكن الصحافة لا تحتاج إلى اختراع جواب عندما يكون السؤال نفسه كاشفاً. وما يكشفه هنا هو اختلال في ميزان الرواية: إسبانيا تتحدث عن استخبارات تراقب، ومنصات ترصد، ورسائل تحلل؛ بينما يصل الجمهور المغربي إلى هذه التفاصيل من خلال رواية الطرف الآخر.

وهذه ليست مسألة اتصال حكومي فقط. في الملفات الحدودية، تتحول المعلومات نفسها إلى جزء من الأمن. عندما تترك الدولة فراغاً تفسيرياً، يصبح الطرف الآخر قادراً على تعريف الخطر، وتحديد مصدره، ووصف أهدافه، وتقديم نفسه باعتباره الطرف الذي يرى ما لا يراه الآخرون. وهكذا يمكن أن تتحول القدرة الأمنية الصامتة إلى خسارة في المجال المعلوماتي، لأن منع تجمع على الأرض لا يكفي إذا ظل تفسير ما حدث ملكاً لرواية خارجية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه سبتة اليوم ليس: هل ستحدث محاولة جديدة للعبور؟ بل: من يراقب الحرب التي تسبق العبور؟ فالسياج يمكن أن تراه الكاميرات والدوريات، أما الرسالة التي تنتقل من هاتف إلى آخر فلا تظهر على الحدود إلا بعد أن تكون قد أدت وظيفتها.

إسبانيا تقول إن استخباراتها ترصد عودة التعبئة الرقمية. المغرب يعزز حدوده، لكنه لم يعلن للرأي العام، حتى الآن، ماذا رصد في الفضاء الرقمي أو ما إذا كان قد حدد مصادر هذه الدعوات. وبين الروايتين تظهر منطقة رمادية هي الأخطر: قد يكون المغرب يعرف أكثر مما يقول، وقد يكون يقول أقل مما ينبغي. وفي الحالتين، تبقى سبتة مختبراً جديداً لأمن الحدود في عصر لا تبدأ فيه حركة البشر عند السياج، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل شاشة هاتف.