سبتة كشفت أزمة المغرب… وحسن أوريد أشعل الجدل بفرضية “نتاج مدونة الأسرة”

0
98

لم يكن أكثر ما أثار الجدل في مقال حسن أوريد عن أحداث سبتة هو وصفه للهروب الجماعي بأنه إنذار اجتماعي وسياسي، فهذه الخلاصة تكاد تحظى بإجماع واسع داخل المغرب وخارجه. ولم يكن حديثه عن أزمة الشغل، أو تراجع أدوار الأحزاب، أو اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، هو ما استوقف القراء، لأن هذه القضايا أصبحت جزءاً من النقاش العمومي منذ سنوات. غير أن المقال انعطف فجأة نحو مسار آخر، عندما انتقل من توصيف الظاهرة إلى البحث عن أحد جذورها، رابطاً بين شريحة من الشباب الذين اندفعوا نحو سبتة وبين التحولات التي عرفتها الأسرة المغربية بعد اعتماد مدونة الأسرة. عند هذه النقطة، لم يعد النقاش يدور حول الهجرة بقدر ما أصبح يدور حول مشروعية هذا الانتقال التفسيري نفسه.

ذلك التحول غيّر مركز الثقل في المقال بأكمله. فما بدا في بدايته قراءة فكرية لأكبر موجة عبور جماعي عرفتها سبتة خلال أيام، تحول في نظر كثيرين إلى محاولة لإقامة علاقة سببية بين إصلاح قانوني للأسرة وبين العنف والهجرة واليأس لدى جيل كامل. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: لماذا غادر عشرات الآلاف نحو سبتة؟ بل أصبح: هل يملك الكاتب ما يكفي من الأدلة لينتقل من المشهد إلى هذا الاستنتاج؟

هذه هي المفارقة التي صنعت الجدل. فحسن أوريد لم يكتب نصاً إخبارياً، ولم يتعامل مع ما وقع بوصفه حادثاً حدودياً عابراً، وإنما قدم أطروحة فكرية تحاول تفسير ما اعتبره لحظة كاشفة لأزمة مغربية أعمق. لذلك، فإن مقاله لا يتحرك بمنطق الخبر، بل بمنطق الفكرة؛ فهو لا يكتفي بوصف ما حدث، وإنما يسعى إلى الإجابة عن سؤال أكثر تعقيداً: ماذا كشف لنا مشهد سبتة عن المغرب؟

ينطلق أوريد من رفض التفسيرات السريعة التي اختزلت ما وقع في قرار المحكمة العليا الإسبانية، أو في نشاط شبكات التهريب، أو في نظريات المؤامرة التي ربطت الأحداث بالمواقف الإسبانية من القضية الفلسطينية أو بزيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر. ففي نظره، قد تفسر هذه العناصر جزءاً من السياق، لكنها لا تفسر لماذا كان هناك عشرات الآلاف من الشباب المستعدين لقطع عشرات الكيلومترات سيراً على الأقدام، أو المخاطرة بحياتهم في البحر، بحثاً عن الضفة الأخرى.

ومن هنا يعيد الكاتب بوصلة النقاش إلى الداخل المغربي. فهو يرى أن أحداث سبتة أعادت القضية الاجتماعية إلى واجهة المشهد، لكنها لم تكشف فقط هشاشة الأوضاع الاقتصادية، بل كشفت أيضاً أزمة ثقة عميقة بين فئات واسعة من الشباب وبين المؤسسات التي يفترض أن تؤطرهم وتمثلهم. لذلك يتحدث عن تراجع أدوار الأحزاب، والمجتمع المدني، والمدرسة، والصحافة، باعتبارها بنيات وسيطة فقدت، في نظره، كثيراً من قدرتها على احتواء الغضب أو تحويله إلى فعل سياسي منظم.

ويمضي أبعد من ذلك حين يرسم صورة لمغرب يتحرك بسرعتين؛ واجهة حديثة تعكس مشاريع كبرى، واستثمارات، وبنية تحتية، وخطاباً رسمياً يتحدث عن الإنجازات، وفي المقابل فضاء اجتماعي تعيش داخله فئات واسعة صعوبات يومية في الوصول إلى العلاج، وإيجاد فرص الشغل، وتحقيق الحد الأدنى من الأمل. ومن هذا التناقض، يخلص إلى أن ما وقع في سبتة لم يكن انفجاراً حدودياً، بل انفجاراً اجتماعياً وسياسياً كشف ما ظل يتراكم في “الحديقة الخلفية” للدولة، بينما كانت الأنظار تتجه إلى واجهتها.

إلى هذه اللحظة، ظل المقال يتحرك داخل مساحة تحليلية يجد لها كثير من الباحثين ما يسندها من مؤشرات اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالفجوة الاجتماعية، وأزمة الوسائط، وتراجع الثقة في المؤسسات، كلها موضوعات حضرت في تقارير وطنية ودولية، كما حضرت في النقاش العمومي المغربي خلال السنوات الأخيرة. ولذلك بدا هذا الجزء من المقال منسجماً مع نفسه، لأنه يقرأ حدثاً استثنائياً من خلال بنية اجتماعية أوسع.

غير أن النص سيأخذ بعد ذلك منعطفاً مختلفاً، حين ينتقل من الحديث عن الاقتصاد والسياسة إلى البحث عن تفسير أعمق داخل الأسرة المغربية نفسها. وهنا تتغير طبيعة المقال؛ فبعد أن كان يقدم قراءة تقوم على تعدد الأسباب، يبدأ في بناء فرضية جديدة تربط بين التحولات التي عرفتها الأسرة المغربية بعد اعتماد مدونة الأسرة وبين السلوك الذي أظهره جزء من الشباب خلال أحداث سبتة.

يتوقف أوريد عند فئة الشباب غير المندمج في الشغل أو التعليم أو التكوين، المعروفة اختصاراً بـ”NEET”، معتبراً أنها لم تعد تحمل الغضب فقط، بل أصبحت تحمل استعداداً أكبر للعنف. ثم يربط ذلك بما يعتبره آثاراً بعيدة المدى لمدونة الأسرة، قائلاً إنها قلصت السلطة التقليدية للأب، وغيرت طبيعة العلاقة داخل الأسرة، قبل أن يضيف أن “عدداً كبيراً” من النازحين نحو سبتة هم أبناء أسر ذات ولي واحد، ويصفهم بأنهم من “نتاج مدونة الأسرة”.

عند هذه الجملة تحديداً، تغيرت طبيعة النقاش بالكامل. فلم يعد الجدل يدور حول تشخيص الأزمة الاجتماعية، وإنما حول الطريقة التي انتقل بها الكاتب من توصيف الواقع إلى تفسيره. إذ رأى كثير من المتابعين أن المقال انتقل من ملاحظة عامة إلى نتيجة سببية واسعة، دون أن يقدم الجسر المنهجي الذي يربط بينهما. فالحديث عن “عدد كبير” من أبناء الأسر ذات الولي الواحد يفترض، في نظرهم، وجود معطيات إحصائية أو نتائج بحوث ميدانية تسمح بهذا التوصيف، خصوصاً وأن الأمر يتعلق بظاهرة اجتماعية معقدة شارك فيها عشرات الآلاف من الأشخاص.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في ردود الفعل التي أعقبت نشر المقال، أنها لم تدخل في سجال مع حسن أوريد حول وجود الأزمة الاجتماعية من عدمها، ولم تحاول حتى تفنيد تشخيصه للفوارق الاجتماعية أو البطالة أو تراجع أدوار الوسائط السياسية. بل إن معظم المنتقدين أقروا بأن المقال نجح في التقاط جوهر الأزمة التي كشفتها أحداث سبتة، لكنهم توقفوا عند اللحظة التي غادر فيها الكاتب أرضية التشخيص، لينتقل إلى بناء تفسير سببي رأوا أنه لم يكن مسنوداً بما يكفي من الأدلة.

ومن هنا بدأ النقاش يتحول من سؤال: “ماذا وقع في سبتة؟” إلى سؤال آخر أكثر دقة: “كيف بُني هذا التفسير؟”. فالاعتراض لم يكن موجهاً إلى حق الكاتب في الاجتهاد أو تقديم فرضيات فكرية، وإنما إلى تقديم تلك الفرضيات بصيغة تبدو أقرب إلى الخلاصات اليقينية، دون إرفاقها بمعطيات ميدانية أو نتائج أبحاث اجتماعية تسمح بتعميمها على آلاف الشباب الذين شاركوا في موجة العبور.

وفي هذا السياق، كان تعليق الناشط محمد بن عيسى من أكثر الردود تركيزاً على المنهج لا على المضمون. فقد توقف عند عبارة “عدد كبير” التي استخدمها أوريد لوصف الشباب المنحدرين من أسر ذات ولي واحد، معتبراً أن هذه العبارة ليست مجرد توصيف لغوي، بل حكم كمي يفترض وجود إحصاءات أو دراسة ميدانية تحدد حجم هذه الفئة داخل موجة العبور. ومن وجهة نظره، فإن الكاتب شاهد المشهد أثناء توجهه إلى احتفالات عيد العرش، لكنه لم يلتق بالشباب، ولم يجر معهم مقابلات، ولم يقدم بيانات تكشف أوضاعهم الأسرية أو الاجتماعية، وهو ما يجعل الانتقال من المشاهدة إلى هذا الاستنتاج انتقالاً يفتقد إلى البرهنة.

ويتجاوز هذا الاعتراض الجانب الإجرائي إلى بعد اجتماعي أكثر حساسية. فربط الهجرة والعنف بالأسر ذات الولي الواحد لا يظل مجرد تحليل أكاديمي، بل قد يتحول، في السياق الثقافي المغربي، إلى وصم اجتماعي لفئة واسعة من الأسر والأبناء. فاللغة، حين تخرج من فضاء البحث إلى الفضاء العمومي، لا تنتج معرفة فقط، وإنما تصنع أيضاً صوراً ذهنية قد تترتب عليها أحكام مسبقة يصعب تفكيكها لاحقاً.

ومن الزاوية نفسها، رأت زهور الشرقاني أن قوة المقال لا تعفيه من ضرورة تقديم السند الذي بُنيت عليه هذه الخلاصة. فهي لم تختلف مع أوريد في تشخيصه لاختلالات الواقع المغربي، لكنها اعتبرت أن الانتقال من أزمة اجتماعية معقدة إلى تحميل بنية الأسرة جزءاً من المسؤولية يقتضي دراسات ميدانية تستمع إلى الشباب أنفسهم، وتفهم كيف ينظرون إلى المستقبل، وإلى السياسة، وإلى الدولة، وإلى الهجرة، بدلاً من افتراض دوافعهم من الخارج.

ولذلك أعادت توجيه النقاش نحو سؤال آخر: ماذا لو كانت الأزمة، قبل أن تكون أزمة أسرة، هي أزمة مشاركة سياسية وثقة في المؤسسات؟ فبالنسبة إليها، قد يكون المدخل الأكثر إلحاحاً هو تجديد الحياة الحزبية، ومحاربة الفساد، وإفساح المجال أمام نخب شابة قادرة على مخاطبة جيلها، لأن الشباب الذين اندفعوا نحو سبتة لم يكونوا، في نظرها، يحتجون على أوضاعهم الأسرية بقدر ما كانوا يصوتون بأقدامهم ضد انسداد الأفق داخل الوطن.

ولم يتوقف الجدل عند تعليقات المتابعين، بل انتقل إلى قراءة أكثر منهجية قدمتها منصة MigraPress المتخصصة في قضايا الهجرة، والتي لم تناقش النتائج بقدر ما ناقشت طريقة إنتاجها. فالمنصة رأت أن أضعف حلقات المقال تكمن في السلسلة السببية التي بناها بين إصلاح الأسرة، وتراجع السلطة الأبوية، ثم العنف، وأخيراً الهجرة الجماعية، معتبرة أن هذه الروابط لم تُدعَّم بما يكفي من الأدلة التي تثبت وجود علاقة سببية بينها.

وبحسب هذه القراءة، فإن المقال يطرح فرضية فكرية قابلة للنقاش، لكنه لا يقدم ما يحولها إلى خلاصة علمية. فالهجرة، كما تؤكد الأدبيات المتخصصة، ليست نتاج متغير واحد، وإنما حصيلة تفاعل شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والنفسية، يضاف إليها تأثير شبكات التهريب، وسياسات الحدود الأوروبية، وقرارات القضاء الإسباني، ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في صناعة الأمل، ونشر الإشاعات، وتنسيق التحركات الجماعية.

ولعل الملاحظة الأكثر عمقاً التي أثارتها MigraPress لا تتعلق بالاستنتاجات، وإنما باللغة نفسها. فقد لاحظت أن أوريد استخدم معجماً من قبيل “الجحافل”، و”الطوفان البشري”، و”الاقتحام”، و”الهروب الكبير”، وهي مفردات تمنح النص قوة تصويرية واضحة، لكنها في المقابل تنقل الشباب من كونهم أفراداً لكل واحد منهم حكايته ودوافعه، إلى كتلة بشرية واحدة تتحرك بصورة متجانسة. وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فالمقال الذي ينتقد المقاربة الأمنية للهجرة، يستعير، من حيث لا يقصد ربما، جزءاً من المعجم الذي تستخدمه بعض الخطابات الأمنية الأوروبية عند الحديث عن المهاجرين.

ومن الملاحظ أيضاً أن المقال تحدث كثيراً عن الشباب، لكنه لم يتحدث مع الشباب. فالنص يقدم تحليلات واسعة لأوضاعهم، لكنه لا ينقل شهاداتهم، ولا يروي قصصهم، ولا يكشف كيف يفكرون، أو لماذا اختاروا المغامرة، أو كيف يتصورون الحياة على الضفة الأخرى. وبهذا المعنى، ظل الشباب موضوعاً للتحليل أكثر من كونهم أصحاب رواية تُروى بأصواتهم.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن حسن أوريد نفسه كان جزءاً من مرحلة الدولة التي شهدت ولادة مدونة الأسرة، بحكم مسؤوليته السابقة ناطقاً رسمياً باسم القصر الملكي خلال الفترة التي أُطلقت فيها الإصلاحات الكبرى التي أفضت إلى اعتمادها. وهذا لا يسقط حقه في مراجعة تلك المرحلة أو إعادة تقييم آثارها، لكنه يجعل القارئ يتساءل: هل يقدم الكاتب اليوم مراجعة فكرية لمسار إصلاحي عاش تفاصيله من الداخل؟ أم أنه يقرأ نتائج لم تكن مرئية قبل عقدين؟ المقال يترك هذا السؤال معلقاً، من دون أن يحسم فيه.

وفي المحصلة، فإن حسن أوريد نجح في إعادة توجيه النقاش من حدود سبتة إلى عمق الأزمة المغربية، وأصاب حين اعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد حادث حدودي، بل مرآة لتراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية ظلت تتسع سنوات طويلة. لكنه، في المقابل، فقد جزءاً من قوة أطروحته عندما انتقل من التشخيص الذي يجد له سنداً في مؤشرات معروفة، إلى تفسير يحمّل تحولات الأسرة جانباً من المسؤولية، دون أن يقدم البرهان العلمي الكافي الذي يجعل هذا الانتقال مقنعاً بالقدر نفسه.

وهكذا، لم يكن الجدل الحقيقي حول مدونة الأسرة، بقدر ما كان حول حدود التفسير ذاته. فحين يتعلق الأمر بظاهرة معقدة مثل الهجرة الجماعية، يصبح السؤال المنهجي أكثر أهمية من الجواب نفسه: هل تكفي فرضية واحدة لتفسير حدث شاركت في صناعته عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية ومؤسساتية ونفسية متشابكة؟ أم أن قوة التحليل تكمن في قدرته على جمع هذه الخيوط جميعاً، لا في اختزالها في سبب واحد، مهما بدا جذاباً من الناحية الفكرية؟