بحر الخليج لا يكذب.. الصراع الأمريكي – الإيراني حكاية قديمة تتكرر بأسماء مختلفة

0
31
تحليل سياسي عميق بأسلوب أدبي يرصد كيف تحولت إيران من دولة إلى مشروع إقليمي، ولماذا أصبح الصراع مع الولايات المتحدة يتجاوز الملف النووي ليشمل النفوذ، ومضيق هرمز، ومستقبل الشرق الأوسط.
سفينة في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم بعُمان يوم 26 يوليوز (يوليو/ تموز) 2026 - مصدر الصورة: رويترز

في آخر الليل، عندما يهدأ ضجيج المدن وتنام الموانئ على أصوات الأمواج، يبقى رجل واحد مستيقظاً. يقف على حافة الخليج، لا ينتظر سفينة، ولا يراقب نجمة، بل ينصت إلى البحر. يقول إن البحر لا يكذب، وإنه كلما اقتربت الحرب تغيّر صوته. لم يكن الرجل عسكرياً، ولا سياسياً، ولا خبيراً في الخرائط. كان مجرد صياد ورث عن أبيه عادة الإصغاء إلى الماء. وفي تلك الليلة، بدا له أن البحر يحمل ثقلاً لم يعرفه من قبل، كأنه يخفي في أعماقه قصة أكبر من السفن، وأقدم من الحدود، وأخطر من المدافع.

في الصباح، كانت نشرات الأخبار تتحدث عن مضيق هرمز، وعن حاملات الطائرات، وعن الصواريخ والعقوبات والمفاوضات. لكن الصياد لم يفاجأ. كان قد سمع الحكاية قبل الجميع، في ارتجافة الموج. فالشرق، منذ زمن بعيد، لا يعلن حروبه بالبيانات الرسمية، بل يهمس بها أولاً في مياهه، ثم يكتبها الناس لاحقاً في كتب التاريخ.

وهكذا، يبدو الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أكبر من خلاف على برنامج نووي، أو نزاع على مضيق بحري، أو مواجهة عسكرية عابرة. إنه فصل جديد من حكاية قديمة تتكرر بأسماء مختلفة، حيث تتصارع الدول على النفوذ، وتتنافس المشاريع على البقاء، وتدفع الشعوب، في كل مرة، كلفة الأحلام الكبرى التي يكتبها الساسة على الخرائط، بينما يقرؤها البسطاء على وجوه أبنائهم.

منذ نهاية الحرب الباردة، بدا أن الولايات المتحدة أصبحت القوة الوحيدة القادرة على رسم قواعد اللعبة الدولية. غير أن صعود الصين، وعودة روسيا إلى الساحة الدولية، ثم توسع نفوذ القوى الإقليمية، أدخل العالم في مرحلة أكثر تعقيداً. وفي هذا المشهد، لم تكن إيران لاعباً عادياً، بل مشروعاً سياسياً تشكل منذ عام 1979 على فكرة أن الثورة لا تكتمل داخل الحدود، وإنما تستمر خارجها.

هذا التصور منح السياسة الخارجية الإيرانية طابعاً مختلفاً عن معظم دول المنطقة. فبينما انشغلت دول كثيرة ببناء الاقتصاد أو تحديث المؤسسات، رأت طهران أن أمنها يبدأ من خارج حدودها، وأن بناء شبكات النفوذ في الإقليم يمثل خط الدفاع الأول عن النظام. وقد انعكس ذلك في حضورها السياسي والعسكري في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي دعمها لفصائل فلسطينية، وهي سياسة أثارت جدلاً واسعاً، وعدّتها الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية مصدراً دائماً لعدم الاستقرار.

وتشير دراسات صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية وتشاتام هاوس إلى أن النفوذ الإقليمي الإيراني وفر لطهران أوراق ضغط مهمة، لكنه في الوقت نفسه رفع كلفة المواجهة مع خصومها، وأدخل الاقتصاد الإيراني في دائرة متواصلة من العقوبات والضغوط.

الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من تدخل أمريكي، كشفت جانباً آخر من المعادلة. فالصراع لم يعد يدور فقط حول البرنامج النووي، بل أصبح يدور حول شكل الشرق الأوسط المقبل: هل يكون فضاءً مفتوحاً لتحالفات متنافسة، أم ساحة نفوذ لقوى إقليمية متصارعة؟

البرنامج النووي نفسه بقي محوراً أساسياً في الأزمة. فبحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يزال المجتمع الدولي يتابع مستويات تخصيب اليورانيوم والأنشطة النووية الإيرانية وسط خلافات سياسية عميقة بشأن مستقبل الاتفاقات النووية وآليات الرقابة. وفي المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها ذو أهداف سلمية، بينما ترى واشنطن وحلفاؤها أن تقليص زمن الوصول إلى القدرة النووية العسكرية يمثل خطراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.

لكن المفارقة أن السلاح الأكثر تأثيراً ربما لم يكن نووياً. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ظل ورقة ضغط استراتيجية. وتؤكد تقارير صادرة عن وكالة الطاقة الدولية أن أي اضطراب طويل في الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل أمنه قضية دولية لا تخص الخليج وحده.

غير أن التجربة أثبتت أيضاً أن استخدام أوراق الضغط الكبرى يحمل مخاطر موازية. فكلما ارتفعت حدة التهديدات، ارتفعت احتمالات بناء تحالفات مضادة، وتشديد العقوبات، وزيادة الوجود العسكري الدولي في المنطقة. وهكذا تتحول أوراق القوة تدريجياً إلى مصادر ضغط على صاحبها.

في الداخل الإيراني، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. فالاقتصاد يواجه تحديات مزمنة بفعل العقوبات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وضغوط التضخم، بينما يتواصل النقاش داخل النخبة السياسية حول كيفية الموازنة بين متطلبات الأمن الإقليمي وأولويات التنمية الداخلية. وترى تحليلات صادرة عن مؤسسة كارنيغي أن السنوات المقبلة قد تشهد إعادة تقييم لبعض أدوات السياسة الخارجية الإيرانية إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، حتى وإن بقيت المبادئ العامة للنظام دون تغيير.

أما الولايات المتحدة، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. فمنذ سنوات، تحاول تقليل انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على حرية الملاحة، ومنع الانتشار النووي، وحماية حلفائها. ولهذا تبدو سياستها مزيجاً من العقوبات، والردع العسكري، والدبلوماسية، مع استعداد دائم للانتقال من التفاوض إلى التصعيد إذا رأت أن مصالحها الأساسية مهددة.

وهكذا يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق جديد. فالمواجهة لم تعد بين جيشين فقط، بل بين رؤيتين لمستقبل الإقليم: رؤية تقوم على موازين القوة التقليدية، وأخرى تعتمد على شبكات النفوذ والفاعلين غير الحكوميين وأدوات الضغط الاقتصادية والجيوسياسية.

وفي نهاية المطاف، يعود المشهد إلى الرجل العجوز الجالس أمام الميناء. تمر السفن من جديد، لكن البحر لم يعد كما كان. فالمضائق أصبحت مفاتيح للاقتصاد العالمي، والحدود تحولت إلى خطوط تماس بين مشاريع سياسية متنافسة، والقوة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ وحدها، بل بقدرة الدول على تحويل النفوذ إلى استقرار، والردع إلى سلام، والطموح إلى مشروع قابل للحياة.

وربما يكون الدرس الأهم أن الدول تستطيع أن تبني نفوذاً خارج حدودها لسنوات، لكنها لا تستطيع الاحتفاظ به إلى الأبد إذا لم يرافقه اقتصاد قادر، ومؤسسات مستقرة، وعلاقات متوازنة مع الجوار. فالتاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات لا تتراجع دائماً لأنها هُزمت عسكرياً، بل لأنها حملت على أكتافها أعباءً أكبر من قدرتها على الاحتمال.