عبد الرحيم الرماح يفتح سؤال الانتخابات من زاوية أخرى: هل نريد فقط انتخابات نزيهة… أم مجتمعاً يثق في مؤسساته؟

0
57

في ورقته المعنونة «تعبئة وطنية من أجل نزاهة الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات»، يضع الأستاذ عبد الرحيم الرماح الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 خارج إطارها التقني الضيق، ويدفع بها إلى منطقة أكثر عمقاً: منطقة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين جودة الاختيار وجودة المؤسسات، وبين نزاهة الصندوق ومستقبل الديمقراطية المغربية.

الرماح لا يتحدث، في جوهر طرحه، عن يوم انتخابي ينتهي بإغلاق مكاتب التصويت وإعلان النتائج. إنه يتحدث عن شيء أكبر: عن الثقة.

وهنا تكمن أهمية ورقته.

فالفكرة المركزية التي ينطلق منها الأستاذ الرماح واضحة: الانتخابات ليست مجرد آلية دورية لتجديد البرلمان، وإنما امتحان لنضج المجتمع ولمصداقية المؤسسات ولقدرة الدولة على حماية الإرادة الحرة للمواطن. وهو يربط ذلك بتاريخ التجربة البرلمانية المغربية الممتدة منذ 1963، وبالمسار الإصلاحي الذي تعزز دستورياً ومؤسساتياً، خصوصاً بعد دستور 2011. لكنه، في الوقت نفسه، يرفض أن تتحول التراكمات المؤسساتية إلى ذريعة للاكتفاء بما تحقق.

بمعنى آخر، يقول الرماح إن السؤال لم يعد فقط: هل لدينا مؤسسات؟

بل أصبح: هل يثق المواطن في هذه المؤسسات؟ وهل يشعر أن صوته قادر فعلاً على التأثير في تشكيلها؟

وهذا انتقال مهم في زاوية النظر.

من نزاهة الصندوق إلى أزمة الثقة

أقوى ما في طرح عبد الرحيم الرماح أنه لا يحصر نزاهة الانتخابات في الإدارة أو القضاء أو الأحزاب. فهو ينقل المسؤولية من كونها مسؤولية مؤسساتية إلى كونها مسؤولية وطنية مشتركة، تشمل الدولة والأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والجامعة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمواطن نفسه.

وهذه الفكرة تحمل في داخلها سؤالاً سياسياً واجتماعياً بالغ الأهمية:

إذا كانت الانتخابات ملكاً للمجتمع كله، فلماذا نحمّل الدولة وحدها مسؤولية نزاهتها؟

الرماح يجيب عملياً بأن الديمقراطية لا تُصنع بالقانون وحده. القانون يوفر الإطار، لكن المجتمع هو الذي يعطي لهذا الإطار مضمونه.

فإذا كان المواطن يقبل بيع صوته، وإذا كان المرشح مستعداً لاستعمال المال لشراء الأصوات، وإذا كان الحزب يضع الاعتبارات الانتخابية فوق جودة مرشحيه، وإذا كان الإعلام يكتفي بالإثارة بدل التفسير، وإذا بقي المجتمع المدني بعيداً عن دوره التوعوي، فإن النص القانوني، مهما كان متقدماً، لن يستطيع وحده بناء ديمقراطية راسخة.

وهنا تصبح نزاهة الانتخابات مرآة لنزاهة المجتمع السياسي كله.

الرماح لا يسأل فقط: من سيفوز؟ بل يسأل: كيف سنصل إلى الفائز؟

في جزء من ورقته، يتوقف عبد الرحيم الرماح عند الانشغال المبكر بنتائج الانتخابات، وبالحزب الذي سيتصدر، ومن سيقود الحكومة المقبلة.

وهو لا ينكر مشروعية هذا النقاش، لكنه يرى أن الانغماس فيه قد يحجب السؤال الأهم: هل ستكون الطريق إلى هذه النتائج نزيهة؟

وهنا يقدم الرماح تصحيحاً مهماً لأولويات النقاش العام.

فالانتخابات ليست سباقاً رياضياً يكون فيه المهم معرفة صاحب المركز الأول فقط. إنها عملية سياسية يكون فيها مسار الوصول إلى النتيجة جزءاً من شرعية النتيجة نفسها.

قد يفوز حزب بأكبر عدد من المقاعد، لكن السؤال الذي سيبقى قائماً هو: كيف وصل إلى تلك المقاعد؟ وبأي نوع من المنافسة؟ وبأي مستوى من البرامج؟ وبأي نوع من المرشحين؟ وبأي درجة من احترام الإرادة الحرة للناخب؟

لهذا يقول الرماح، في جوهر طرحه، إن جودة المؤسسات تبدأ من جودة الاختيار.

وهذه ربما تكون إحدى أكثر الأفكار حساسية في الورقة كلها.

لأنها تعيد المسؤولية إلى المواطن نفسه.

المواطن ليس مجرد رقم في نسبة المشاركة

عادة ما يتم التعامل مع نسبة المشاركة باعتبارها رقماً انتخابياً.

لكن عبد الرحيم الرماح يمنحها معنى سياسياً واجتماعياً أوسع.

المشاركة، بالنسبة إليه، ليست مجرد عدد الأشخاص الذين وضعوا أوراقهم في صناديق الاقتراع. إنها مؤشر على درجة إحساس المواطن بأن المؤسسة تعنيه، وأن صوته له قيمة، وأن مشاركته يمكن أن تؤثر في القرار العمومي.

وهنا تبرز مفارقة تحتاج إلى نقاش عميق:

هل العزوف عن الانتخابات نتيجة لضعف الوعي السياسي فقط، أم أنه في بعض الحالات تعبير عن أزمة ثقة؟

طرح الرماح لا يعطي إجابة مباشرة بهذا الشكل، لكنه يقود إليها.

فحين يشعر المواطن بأن اختياره لا يغير شيئاً، يصبح الابتعاد عن السياسة نتيجة محتملة. وحين يشعر بأن المؤسسات لا تعكس اهتماماته، يتراجع حافزه للمشاركة. وحين يصبح المال أو النفوذ أقوى من البرنامج والكفاءة، يفقد المواطن الإيمان بأن العملية الانتخابية تمنحه فعلاً فرصة متساوية للاختيار.

لذلك، فإن رفع المشاركة لا يمكن أن يكون حملة ظرفية تبدأ قبل الانتخابات بأسابيع.

إنه يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة.

إلى الأحزاب: المشكلة ليست فقط في البرامج

يوجه الرماح رسالة واضحة إلى الأحزاب السياسية.

فالحزب، في تصوره، ليس مجرد آلة انتخابية تبحث عن المقاعد. إنه مؤسسة تؤطر المواطنين، وتنتج النخب، وتقدم البرامج، وتشارك في صناعة السياسات العمومية.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للحزب يبدأ قبل الحملة الانتخابية.

هل لديه برنامج يحمل هوية سياسية واضحة؟

هل يعكس البرنامج مرجعيته؟

هل يختار مرشحين قادرين فعلاً على الدفاع عن ذلك البرنامج؟

وهل يستطيع المرشح الذي يصل إلى البرلمان أن يتحول من مجرد اسم على لائحة انتخابية إلى نائب يمارس التشريع والرقابة ويتحمل مسؤولية التمثيل؟

هذه الأسئلة تجعل من اختيار المرشحين قضية لا تقل أهمية عن البرنامج نفسه.

وهنا يضع الرماح إصبعه على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الحياة السياسية: لا يمكن أن نطالب المواطن باختيار جيد إذا كانت الخيارات المعروضة أمامه لا تعكس دائماً المستوى الذي يحتاجه البرلمان.

فالبرلمان القوي لا يبدأ داخل قاعة البرلمان.

إنه يبدأ داخل الأحزاب، يوم تُعد اللوائح وتُختار الأسماء.

إلى المسؤول: النزاهة ليست فقط ضبطاً إدارياً

ومن بين الرسائل التي يمكن استخلاصها من ورقة الرماح تلك الموجهة إلى المسؤول والمؤسسة.

فإذا كانت الدولة مطالبة بتنظيم انتخابات نزيهة، فإن مسؤوليتها لا تنتهي عند توفير الصناديق واللوائح والموظفين والآليات القانونية.

هناك مسؤولية أكبر: حماية الثقة في العملية نفسها.

وهذا يعني أن المواطن يجب ألا يشعر بأن القانون موجود على الورق فقط، بل يجب أن يشعر بأن قواعد المنافسة تطبق على الجميع، وأن المخالفات لا تتحول إلى جزء طبيعي من اللعبة، وأن الشكايات تجد طريقها إلى المؤسسات المختصة، وأن الإرادة الانتخابية محمية فعلياً.

المسؤول، وفق القراءة التي يفتحها طرح الرماح، لا يُقاس فقط بقدرته على تدبير العملية الانتخابية، وإنما بقدرته على حماية المعنى السياسي والأخلاقي للانتخابات.

فالفرق كبير بين انتخابات منظمة جيداً وانتخابات يثق المواطن في نزاهتها.

والمرأة المغربية؟ الرماح يمنحها دوراً يتجاوز الصندوق

في حديثه عن النساء والشباب والتلاميذ والطلبة، يمنح الأستاذ عبد الرحيم الرماح للمرأة المغربية موقعاً يتجاوز كونها ناخبة أو مرشحة.

إنه يراها فاعلاً في إنتاج الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع.

وهذه زاوية تستحق التوقف.

فالمرأة، في تصور الرماح، تستطيع أن تكون عاملاً في تشكيل الوعي داخل الأسرة، وفي النقاش اليومي حول الاختيار السياسي، وفي رفض شراء الأصوات، وفي بناء قناعة لدى الأجيال الجديدة بأن الانتخابات ليست سوقاً للمصالح الآنية.

وهنا تصبح المرأة طرفاً في معركة أوسع من الانتخابات.

إنها معركة إعادة تعريف المواطنة داخل الأسرة والمجتمع.

فإذا كان الأب أو الأم يشرحان للابن معنى الاختيار الحر، وإذا كانت الأسرة ترفض المال الانتخابي، وإذا أصبح معيار اختيار المرشح هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الصالح العام، فإن الديمقراطية تكون قد بدأت قبل الوصول إلى مركز التصويت.

وهذه رسالة مهمة في ورقة الرماح: الديمقراطية لا تبدأ في صندوق الاقتراع، بل تبدأ في البيت.

الشباب: من كتلة انتخابية إلى قوة لتجديد النخب

أما الشباب، فيضعهم الرماح في موقع مختلف أيضاً.

هو لا يتعامل معهم فقط ككتلة انتخابية يمكن استمالتها، وإنما كقوة يمكنها أن تعيد تشكيل الحياة السياسية.

والفارق جوهري.

فالشباب الذين يعيشون التحولات الرقمية والاجتماعية والاقتصادية بسرعة، هم أيضاً أكثر قدرة على إنتاج خطاب سياسي جديد، ومراقبة المعلومة، ومواجهة الأخبار الزائفة، والتفاعل مع النقاش العمومي.

لكن السؤال الذي يخرج من هذا الطرح هو:

هل السياسة المغربية مستعدة فعلاً لاستقبال الشباب كشركاء في صناعة القرار، وليس فقط كجمهور انتخابي؟

إنها مسألة تتجاوز انتخابات 2026.

إنها تتعلق بتجديد النخب، وبقدرة المؤسسات الحزبية والسياسية على إنتاج جيل جديد من القيادات.

التنمية تبدأ أيضاً من صندوق الاقتراع

هنا يصل طرح عبد الرحيم الرماح إلى سياقه الأوسع.

فالانتخابات ليست منفصلة عن التنمية.

البرلمان الذي سينتخب في 23 شتنبر 2026 سيكون جزءاً من منظومة ستتعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية كبرى. وبالتالي، فإن جودة الاختيار الانتخابي ستنعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على جودة التشريع والرقابة وصناعة السياسات العمومية.

وهنا يمكن أن نفهم لماذا يربط الرماح بين الانتخابات وبين التحولات الاقتصادية والاجتماعية والأوراش التنموية الكبرى.

فالتنمية ليست طرقاً ومشاريع واستثمارات فقط.

التنمية تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على التشريع والمراقبة والمساءلة.

ومن هنا تصبح جودة النائب قضية تنموية، لا قضية حزبية فقط.

والسؤال الاستراتيجي الذي تطرحه ورقة الرماح هنا هو:

هل نختار من سيمثلنا بناء على قدرته على الفوز، أم بناء على قدرته على ممارسة المسؤولية بعد الفوز؟

المال الانتخابي: حين يتحول الفقر إلى أداة سياسية

ربما أكثر أجزاء الورقة اتصالاً بالواقع الاجتماعي هو حديث الرماح عن المال الانتخابي واستغلال الهشاشة الاجتماعية.

فهو لا يتعامل مع شراء الأصوات باعتباره مجرد مخالفة انتخابية، بل يراه خطراً يضرب أساس العلاقة بين المواطن والمؤسسة.

لأن المال حين يشتري الصوت، لا يشتري ورقة الاقتراع فقط.

إنه يشتري جزءاً من القرار العمومي.

وإذا وصل المرشح إلى المؤسسة عبر الإنفاق غير المشروع، فقد يصبح السؤال بعد ذلك: كيف سيستعيد ما أنفقه؟

وهنا ينتقل الرماح من الانتخابات إلى الحكامة.

ومن شراء الصوت إلى احتمال الفساد.

ومن الحملة الانتخابية إلى طريقة تدبير الشأن العام.

وهذه السلسلة هي التي تجعل محاربة المال الانتخابي قضية تنموية وأخلاقية ومؤسساتية في الوقت نفسه.

كما أن الرماح يتعامل بحذر مع ظاهرة «الزرود» والممارسات المرتبطة ببعض المناطق القروية، فلا يحولها إلى حكم على العالم القروي كله، وإنما يركز على السلوك الذي يمس حرية الناخب أينما وجد.

وهذه نقطة مهمة، لأن المشكلة ليست في القرية أو المدينة.

المشكلة في تحويل الحاجة الاجتماعية إلى أداة للتأثير في القرار السياسي.

الإعلام أمام امتحان مختلف

من موقعه، يمنح الرماح الإعلام والنخب الفكرية مسؤولية تتجاوز نقل الأخبار.

الإعلام، في تصوره، مطالب بأن يفسر، ويحقق، ويقارن، ويشرح للناخب ماذا يعني التصويت لهذا البرنامج أو ذاك، وما هي اختصاصات البرلمان، وما الذي يستطيع النائب فعله وما الذي لا يستطيع فعله.

وهنا تبرز أهمية الإعلام التفسيري في الانتخابات المقبلة.

فالناخب الذي لا يعرف اختصاصات المؤسسة التي ينتخبها، قد يصوت بناء على وعود لا تدخل أصلاً ضمن اختصاص النائب.

والناخب الذي لا يقرأ البرامج، قد يصوت للصورة أو للشعار أو للعلاقة الشخصية.

أما الإعلام الذي يشرح ويدقق ويقارن، فيساعد المواطن على الانتقال من التصويت العاطفي إلى التصويت الواعي.

وفي زمن المنصات الرقمية والأخبار الزائفة، تصبح هذه المسؤولية أكبر.

الجالية المغربية: الديمقراطية لا تتوقف عند الحدود

حتى مغاربة العالم يجدون مكاناً في تصور الرماح.

وهو لا يقدمهم فقط باعتبارهم رصيداً اقتصادياً أو اجتماعياً، وإنما باعتبارهم امتداداً للمجتمع المغربي يحمل تجارب مختلفة في مجالات الحكامة والمؤسسات والممارسة الديمقراطية.

وهنا يفتح طرحه سؤالاً أكبر:

كيف يمكن للمغرب أن يحول خبرة مغاربة العالم إلى رصيد مؤسساتي ومعرفي لفائدة النقاش الوطني؟

فالجالية لا ينبغي أن تكون فقط موضوعاً للاستدعاء في المناسبات الوطنية، بل يمكن أن تكون جسراً للخبرة والمقارنة والتجربة.

وبذلك يصبح انخراطها جزءاً من مفهوم أوسع للمواطنة، لا تحده الجغرافيا.

من «انتخابات نزيهة» إلى «مجتمع نزيه انتخابياً»

في النهاية، تقودنا ورقة عبد الرحيم الرماح إلى فكرة ربما تتجاوز حتى عنوانها.

فهو يتحدث عن نزاهة الانتخابات، لكنه في العمق يتحدث عن نزاهة الثقافة السياسية التي تحيط بالانتخابات.

فلا يمكن أن نطلب من الدولة وحدها حماية الصندوق، بينما يقبل المجتمع شراء الصوت.

ولا يمكن أن نطالب الأحزاب بجودة المرشحين، بينما يقيس بعض الناخبين المرشح بقدرته على تقديم منفعة مباشرة.

ولا يمكن أن نطالب الإعلام بمحاربة التضليل، بينما يصبح الخبر الكاذب أكثر انتشاراً من المعلومة الموثوقة.

ولا يمكن أن نطلب من الشباب المشاركة، بينما لا يشعرون بأن المؤسسات السياسية تستمع إليهم.

ولا يمكن أن نتحدث عن التنمية دون أن نتحدث عن جودة المؤسسات التي ستصنع وتراقب السياسات العمومية.

لهذا فإن الرهان الذي يطرحه الرماح ليس فقط: كيف نضمن انتخابات نزيهة؟

بل:

كيف نبني مجتمعاً يجعل النزاهة الانتخابية قيمة اجتماعية لا مجرد التزام قانوني؟

السؤال الذي يتركه الرماح مفتوحاً

الأستاذ عبد الرحيم الرماح يقترح في نهاية ورقته فكرة «ميثاق وطني لنزاهة الانتخابات»، وينطلق من قناعة مفادها أن الديمقراطية لا تحمى يوم الاقتراع وحده، وإنما تُبنى يومياً داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنقابة والجمعية والإعلام وكل فضاء يمارس فيه المواطن مسؤوليته.

وهنا تحديداً تتجاوز الورقة حدود الانتخابات.

إنها تقترح، في جوهرها، إعادة تعريف المسؤولية الديمقراطية.

فالدولة مسؤولة.

والحزب مسؤول.

والإعلام مسؤول.

والمجتمع المدني مسؤول.

والمرأة مسؤولة.

والشباب مسؤولون.

والفاعل الاقتصادي والاجتماعي مسؤول.

والمواطن نفسه مسؤول.

لكن هذا يقود إلى السؤال الأصعب:

هل نستطيع أن نحول هذه المسؤوليات المتفرقة إلى عقد وطني جديد حول الثقة؟

وهل يمكن أن تصبح انتخابات 23 شتنبر 2026 أكثر من مجرد موعد دستوري؟

هل يمكن أن تكون مناسبة لقياس شيء أعمق من نسبة المشاركة وعدد المقاعد؟

أن نقيس مثلاً مستوى ثقة المواطن في صوته.

مستوى ثقة المواطن في المرشح.

مستوى ثقة المواطن في الحزب.

ومستوى ثقة المواطن في المؤسسة التي ستولد من الصندوق.

ذلك أن الدولة القوية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات قائمة، وإنما تحتاج إلى مؤسسات يثق المواطن في شرعيتها وفعاليتها وقدرتها على تمثيله.

وهذه هي، في النهاية، القيمة الحقيقية لما يطرحه الأستاذ عبد الرحيم الرماح.

فالرجل لا يقدم مجرد قائمة اقتراحات تقنية لتنظيم الانتخابات، ولا يكتفي بالدعوة إلى المشاركة.

إنه يضع أمام المجتمع المغربي سؤالاً أكبر:

إذا كانت الانتخابات هي لحظة اختيار من سيدير جزءاً من مستقبل البلاد، فمن المسؤول عن حماية هذا الاختيار؟

جواب الرماح واضح: الجميع.

لكن قيمة السؤال تكمن في شيء آخر:

أن «الجميع» لا تعني أن المسؤولية موزعة حتى تضيع، وإنما تعني أن كل طرف مطالب بأن يعرف موقعه ودوره وحدود مسؤوليته.

ومن هنا، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026، وفق القراءة التي يفتحها الأستاذ عبد الرحيم الرماح، لا ينبغي أن تكون فقط معركة أحزاب على المقاعد، بل فرصة للمجتمع المغربي كي يختبر قدرته على حماية صوته، وعلى اختيار نخبته، وعلى بناء علاقة أكثر ثقة مع مؤسساته.

فالانتخابات النزيهة لا تبدأ حين تُفتح صناديق الاقتراع… وإنما تبدأ حين يقتنع المواطن بأن صوته يستحق أن يُحمى، وأن المؤسسة التي سيمنحها صوته تستحق أن يثق بها.

وهنا بالضبط تتحول الانتخابات من استحقاق دستوري إلى مشروع مجتمعي.

وهو جوهر الفكرة التي وضعها الأستاذ عبد الرحيم الرماح على الطاولة.