لقجع يكشف التعاقد السياسي لـ«البام» مع المغاربة بالأرقام والآجال

0
62

لم يكتفِ فوزي لقجع بتقديم برنامج الأصالة والمعاصرة للانتخابات المقررة في 23 شتنبر باعتباره مجموعة من الوعود الانتخابية. في حديثه ضمن بودكاست «بوضوح مع فوزي لقجع»، اختار لغة أكثر صرامة: مشاكل محددة، إجراءات محددة، كلفة مالية، وآجال تمتد من 2026 إلى 2031.

بهذا المعنى، فإن الاختبار الذي يقدمه «البام» لنفسه لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يبدأ من اليوم الذي يعلن فيه هذه الالتزامات. فإذا تصدر الحزب الانتخابات ودخل الحكومة، تصبح الوثيقة التي يتحدث عنها لقجع مرجعاً يمكن العودة إليه، ليس فقط لمعرفة ما أنجز، وإنما أيضاً ما لم يُنجز ولماذا.

هذه النقطة تبدو أساسية في حديث المسؤول الحكومي. فهو لا يقدم البرنامج باعتباره تصوراً عاماً لمغرب السنوات المقبلة، وإنما باعتباره تعاقداً سياسياً قابلاً للمحاسبة.

لكن قبل الوصول إلى الوعود، كان على لقجع أن يمر من الحصيلة.

تحدث عن البنيات التحتية والطرق والموانئ والمطارات والصناعة ومجالات اقتصادية أخرى، وربط ذلك برؤية استراتيجية امتدت لأكثر من عشرين سنة. وفي المقابل، لم يحاول تقديم المرحلة الحكومية السابقة باعتبارها مكتملة؛ فقد أقر بوجود نقائص، خصوصاً في الخدمات الاجتماعية، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تعطي الأولوية لما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وهنا تنتقل رواية «البام» من المغرب الذي شُيدت فيه البنيات إلى المغرب الذي يريد الحزب أن يحسن فيه الخدمات.

لقجع يستند، في تقديمه للبرنامج، إلى تجربة الحزب داخل الحكومة وإلى مشاورات يقول إنها شملت المواطنين في مختلف مناطق المملكة. لكن القيمة السياسية لهذه المشاورات لا يمكن قياسها بعدد اللقاءات وحده. ما سيحسم الأمر هو ما إذا كانت المقترحات التي خرجت بها ستجد طريقها فعلاً إلى السياسات العمومية، وبأي كلفة، ومن سيدفعها.

القدرة الشرائية جاءت في مقدمة الأولويات.

الأرقام التي عرضها لقجع تكشف حجم المشكلة من وجهة نظر الحزب. فقد تحدث عن نحو 208 مليارات درهم ضختها الدولة، بحسب عرضه، في الأجور والمساعدات المباشرة والسكن وإجراءات اجتماعية أخرى. ومع ذلك، ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية واللحوم والخضر قادراً على تقليص الأثر الذي كان يفترض أن يشعر به المواطن.

المعادلة التي يقدمها «البام» إذن ليست أن الدولة لم تنفق، وإنما أن الإنفاق الاجتماعي لم يتحول بالقدر الكافي إلى شعور بتحسن مستوى العيش.

ومن هنا جاءت بعض المقترحات الأكثر تحديداً.

بالنسبة إلى المتقاعدين، يقترح الحزب رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، مع آلية تمويل تمتد على خمس سنوات. لقجع استحضر في هذا السياق واقع معاشات قال إن بعضها يتراوح بين 800 و1200 درهم. والفارق بين هذه المستويات والحد المقترح ليس تفصيلاً محاسبياً؛ إنه بالضبط الجزء الذي يحتاج إلى تمويل مستمر حتى يتحول الرقم المعلن إلى دخل فعلي.

أما الأجراء، فيقترح الحزب مراجعة مستويات الضريبة على الدخل وتوسيع دائرة المستفيدين منها، بهدف ترك مبالغ إضافية في أجور الموظفين والأجراء في القطاعين العام والخاص.

ثم يصل البرنامج إلى فاتورة الكهرباء، حيث طرح لقجع فكرة إعفاء الأسر التي يقل استهلاكها عن 100 درهم، على أن تمول الكلفة من خلال زيادة بنسبة 12 في المائة على شرائح الاستهلاك الأعلى.

هذه ليست مجرد مسألة تقنية مرتبطة بالتعرفة. إنها محاولة لبناء إعادة توزيع داخل فاتورة واحدة: تخفيف العبء عن الاستهلاك المنخفض، وتحميل جزء أكبر من الكلفة للاستهلاك المرتفع.

وفي الغذاء، اختار «البام» أن يذهب إلى أصل مختلف للمشكلة. لقجع تحدث عن تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، واقترح إنشاء مؤسسات جهوية للتوزيع بهدف تقليص هذه الحلقات.

الفكرة تبدو مباشرة: إذا كان الفلاح يبيع بسعر، والمستهلك يشتري بسعر أعلى بكثير، فإن جزءاً من الفارق يذهب إلى مسار التوزيع والوساطة. إنشاء مؤسسات جهوية يمكن أن يغير هذا المسار، بحسب تصور الحزب، ويقرب السعر النهائي من كلفة الإنتاج، مع حماية المنتج في الوقت نفسه.

لكن هذا النوع من الوعود هو تحديداً ما يجعل الحديث عن «العقد» مهماً. فرفع المعاشات له كلفة. وتخفيض الضريبة له أثر على المداخيل الجبائية. وإعفاء شريحة من فاتورة الكهرباء يتطلب تمويلاً مقابلاً. وإنشاء مؤسسات جهوية للتوزيع يحتاج إلى بنية قانونية ومالية وإدارية، فضلاً عن معرفة ما إذا كان سيؤدي فعلاً إلى خفض الأسعار.

لذلك فإن البرنامج، كما قدمه لقجع، يضع «البام» أمام معادلة مزدوجة: أن يقنع الناخب بأن الإجراءات ممكنة، وأن يقنعه في الوقت نفسه بأن تمويلها ممكن ومستدام.

وهنا تظهر أهمية كون الرجل الذي يقدم هذه الالتزامات ليس فقط قيادياً حزبياً. لقجع عضو في المكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، وفي الوقت نفسه وزير منتدب مكلف بالميزانية. ولذلك فإن حديثه عن الكلفة وآليات التمويل لا يأتي من موقع سياسي صرف، بل من موقع حكومي مرتبط مباشرة بمالية الدولة.

وهذا يمنح الأرقام وزناً أكبر، لكنه يرفع أيضاً سقف التدقيق فيها.

فحين يقول الحزب إن برنامجه سيحدد الكلفة والآجال، لن يكون من الصعب بعد ذلك العودة إلى كل رقم ومقارنته بما تحقق. المتقاعد الذي يفترض أن يصل معاشه إلى 3000 درهم يمكن قياس ذلك. والتغيير في الضريبة على الدخل يمكن حساب أثره. وفاتورة الكهرباء يمكن مقارنة شرائحها قبل وبعد. ومؤسسات التوزيع الجهوية يمكن معرفة ما إذا كانت قد خرجت من الورق إلى السوق.

حتى الآن، ما لدينا هو برنامج انتخابي كما عرضه أحد أبرز وجوه «البام»، وليس حصيلة تنفيذ. ولا توجد بعد معطيات تسمح بالحكم على ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في تحقيق الأهداف المعلنة.

لكن شيئاً واحداً تغير في طريقة تقديم الوعد.

لم يعد الأمر يتعلق فقط بعبارات من نوع تحسين القدرة الشرائية أو دعم الطبقة المتوسطة أو تعزيز الدولة الاجتماعية. جرى وضع أرقام وآجال أمام هذه العناوين.

ومن هنا تبدأ المحاسبة التي يتحدث عنها لقجع نفسه.

فإذا أصبح البرنامج مرجعاً في حال تصدر «البام» الانتخابات، فإن السنوات الخمس المقبلة لن تختبر قدرة الحزب على إطلاق المبادرات فقط، وإنما قدرته على الوفاء بالتفاصيل التي اختار أن يعلنها الآن. وفي السياسة، قد يكون الإعلان عن الرقم أكثر سهولة من الوصول إليه.

أما بالنسبة إلى الناخب، فسيكون لديه هذه المرة ما هو أكثر وضوحاً من الوعد العام: 3000 درهم للمعاش، مراجعة للضريبة، كهرباء مجانية تحت سقف محدد، ومؤسسات جهوية للتوزيع، إلى جانب كلفة وآجال يفترض أن ترافق هذه الالتزامات.




وهذه بالضبط هي النقطة التي تجعل البرنامج قابلاً للقياس بعد 23 شتنبر، أياً كانت نتيجة الاقتراع.