شباط يدخل من باب أوزين إلى فاس.. والسنبلة تراهن على اسم العمدة السابق لما بعد 23 شتنبر

0
57

في فاس، لا تحتاج بعض الأسماء إلى كثير من الشرح. يكفي أن يظهر حميد شباط في تجمع انتخابي إلى جانب محمد أوزين، وأن تعلن الحركة الشعبية التحاقه بالحزب رفقة أفراد من عائلته، حتى يعود اسم العمدة السابق إلى واجهة المشهد السياسي للمدينة، ولكن هذه المرة من بوابة «السنبلة» وليس «الميزان».

المشهد الذي احتضنته جماعة أولاد الطيب لم يكن مجرد محطة لتقديم مرشحي الحركة الشعبية للانتخابات التشريعية المقبلة. فقد كان حضور شباط لافتاً منذ البداية، قبل أن يعلن أوزين تزكية ابنته ريم شباط وكيلة للائحة الحزب بدائرة فاس الشمالية، بالتوازي مع تقديم خالد العجلي وكيلاً للائحة الحركة بدائرة فاس الجنوبية. وخلال اللقاء، تكررت الهتافات باسم شباط وابنته، وتقاطعت التصفيقات مع كلمة أوزين أكثر من مرة، في مشهد أعاد الرجل الذي غاب عن البرلمان منذ 2021 إلى قلب الحديث الانتخابي في فاس.

لكن أهمية الخطوة لا تأتي من الحضور الاحتفالي وحده. حميد شباط ليس اسماً انتخابياً عابراً في فاس حتى يكون انتقاله من حزب إلى آخر مجرد تغيير للانتماء السياسي. الرجل ترأس جماعة فاس بين 2003 و2015، وبقي نائباً برلمانياً عن المدينة منذ 1997 إلى 2021، قبل أن يصل إلى الأمانة العامة لحزب الاستقلال سنة 2012 ويقود الحزب إلى واحدة من أكثر مراحله صخباً في الصراع السياسي المغربي.

بعد خروجه من الاستقلال، انتقل شباط إلى جبهة القوى الديمقراطية، وظلت ابنته ريم حاضرة في البرلمان من بوابة هذا الحزب. والآن تنتقل العائلة إلى الحركة الشعبية، في لحظة مختلفة تماماً عن تلك التي غادر فيها شباط واجهة المشهد الحزبي الفاسي. لذلك فإن ما يحدث في فاس لا يتعلق فقط بمن سيقود لائحة «السنبلة» في دائرة انتخابية، وإنما بإعادة ترتيب موقع عائلة كانت، لسنوات طويلة، جزءاً من المعادلة السياسية للمدينة.

ريم شباط هي في الحقيقة النقطة التي سيتعين عندها قياس هذه العودة. فهي التي ستخوض المعركة باسم الحركة الشعبية، وهي التي راكمت حضوراً انتخابياً وسياسياً في فاس خلال السنوات الماضية. وتقديمها وكيلة للائحة فاس الشمالية يعني أن أوزين لم يكتف باستقطاب اسم شباط إلى صفوفه، بل وضع هذا الاسم مباشرة في مواجهة الصندوق. الحركة الشعبية كانت قد حسمت في وقت سابق اختيار ريم لقيادة لائحتها في الدائرة الشمالية، قبل الإعلان الرسمي عن التحاق والدها وعائلتها بالحزب.

وهنا يصبح السؤال السياسي الحقيقي أكثر تعقيداً من مجرد الفوز بمقعد برلماني.

فالنتيجة التي ستحصل عليها ريم شباط في فاس الشمالية ستقول شيئاً عن قدرتها الشخصية، لكنها ستقول أيضاً شيئاً عن الوزن الذي ما زال اسم شباط يحتفظ به داخل المدينة. الانتخابات لا تقيس الأسماء وحدها، لكنها تكشف في النهاية مقدار ما تستطيع الأسماء أن تحوله إلى أصوات. وإذا استطاعت ريم أن تحقق نتيجة وازنة، فإن أوزين سيكون قد كسب أكثر من مقعد محتمل في البرلمان: سيكون قد كسب مدخلاً إلى شبكة سياسية وانتخابية يعرفها شباط جيداً، فيما ستكون عائلة شباط قد وجدت إطاراً حزبياً جديداً لمواصلة حضورها في فاس.

وهذا تحديداً ما يجعل اختيار أوزين لمدينة فاس مفهوماً في سياق مشروعه السياسي. فالحركة الشعبية تريد أن تنتقل من حزب حاضر في الخريطة الوطنية إلى قوة أكثر تأثيراً في توزيع التوازنات، وأوزين تحدث في أكثر من مناسبة عن طموح حزبه إلى التقدم داخل ترتيب القوى السياسية. الوصول إلى هذه المكانة لا يتحقق فقط عبر بناء لوائح وطنية، وإنما عبر استعادة مواقع انتخابية في المدن التي فقد فيها الحزب جزءاً كبيراً من حضوره.

وفاس، بالنسبة إلى «السنبلة»، ليست مجرد دائرة انتخابية إضافية. المدينة كانت لسنوات من أقوى معاقل الحركة السياسية التي بناها شباط، ولذلك فإن استقطاب الرجل وعائلته يمكن قراءته أيضاً كمحاولة من أوزين لاستعادة موطئ قدم داخل مدينة ظل الحزب بعيداً فيها عن المواقع التي تمكنه من لعب دور كبير في المجالس المنتخبة. وتكشف المعطيات المتداولة حول الاستعدادات الانتخابية للحركة الشعبية أن الحزب يعمل على تعزيز حضوره في الدائرتين الشمالية والجنوبية، مع تقديم أسماء قادرة على المنافسة محلياً.

غير أن المفارقة الأكثر إثارة في هذه القصة أن حميد شباط نفسه لن يكون مرشحاً للانتخابات التشريعية الحالية.

غيابه عن ورقة الاقتراع، في الوقت الذي تعود فيه عائلته إلى المنافسة تحت اسم حزبي جديد، يفتح الباب أمام قراءة مختلفة. فالرجل الذي ظل لسنوات يتحرك من البرلمان إلى الجماعة ثم إلى قيادة حزب الاستقلال، يختار هذه المرة أن يكون خارج السباق النيابي المباشر، فيما تتقدم ابنته إلى الواجهة. وهذا لا يثبت وحده أن شباط يحضر لمعركة جماعية مقبلة، لكنه يجعل الاستحقاقات المحلية المقبلة حاضرة في قراءة هذا التموضع، خصوصاً أن انتخابات 2027 ستكون مختلفة تماماً في طبيعتها وحجم رهاناتها عن انتخابات مجلس النواب.

ولذلك فإن التعامل مع خطوة أوزين وشباط باعتبارها صفقة انتخابية تنتهي مساء 23 شتنبر سيكون قراءة ناقصة. الانتخابات التشريعية هي المحطة المباشرة، نعم، لكنها قد تكون أيضاً لحظة لقياس حجم النفوذ الذي يستطيع كل طرف أن يحمله معه إلى المرحلة التالية.

بالنسبة إلى أوزين، هناك فائدة واضحة إذا نجحت التجربة: الحركة الشعبية تثبت أنها قادرة على استقطاب شخصيات لها جذور انتخابية محلية، وليس فقط وجوهاً جديدة تبحث عن تزكية. وبالنسبة إلى شباط، فإن انتقاله إلى «السنبلة» يوفر له ولعائلته إطاراً سياسياً جديداً بعد سنوات من الابتعاد عن مركز القرار الحزبي في الاستقلال.

أما فاس، فهي التي ستحدد في النهاية مقدار ما بقي من القوة السياسية التي راكمها شباط طوال عقود.

منذ أن بدأ مساره الانتخابي في المدينة، ثم وصل إلى رئاسة مجلسها الجماعي، ظل اسم الرجل مرتبطاً بالسياسة الفاسية أكثر من ارتباطه بأي منصب وطني. حتى عندما أصبح أميناً عاماً لحزب الاستقلال، بقيت فاس هي القاعدة التي انطلق منها. وعندما خسر رئاسة الجماعة سنة 2015، لم تختفِ آثار ذلك الحضور من المشهد دفعة واحدة.

اليوم يعود الاسم نفسه، لكن من موقع مختلف: شباط ليس مرشحاً، وابنته هي التي تحمل اللائحة، والحزب ليس حزب الاستقلال وإنما الحركة الشعبية، ومحمد أوزين هو الذي يفتح الباب أمام هذه العودة.

لهذا، فإن نتيجة ريم في فاس الشمالية ستكتسب أهمية تتجاوز ترتيب الفائزين والخاسرين في ليلة الانتخابات. فإذا جاءت النتيجة قوية، سيكون من الصعب التعامل مع حضور شباط في «السنبلة» باعتباره مجرد انتقال حزبي فرضته ظروف الاستحقاق التشريعي. وسيجد أوزين أمامه رصيداً انتخابياً يمكن البناء عليه في معارك المجالس المقبلة، بينما سيجد شباط ما يثبت أن سنوات الابتعاد عن مركز المشهد لم تمحُ بالضرورة قدرته على التأثير.

وعندها فقط يمكن أن يصبح الحديث عن 2027 أكثر جدية: عن مجالس فاس، وعن جهة فاس-مكناس، وعن المواقع التي يمكن أن يعاد فتحها أمام شباط أو أمام العائلة السياسية التي بناها طوال سنوات.

أما الآن، فالمعادلة أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أوزين فتح الباب، وشباط دخل منه، وريم هي التي ستضع هذا التحالف أمام الامتحان الحقيقي في صناديق فاس. وما سيأتي بعد ذلك لن تصنعه الهتافات التي رافقت ظهور الأب وابنته في أولاد الطيب، بل ما ستقوله أصوات الناخبين في فاس الشمالية.