مغربي يصف وزيراً بـ”تياكل مع الذيب وتيبكي مع السارح”… اتهام سياسي يكشف ازدواجية الخطاب ومسؤولية السلطة

0
119

في لحظة سياسية مشحونة بتنامي منسوب الشك في جدوى الخطاب العمومي، فجّرت تدوينة للكاتب أحمد بعيز بسلا نقاشاً يتجاوز حدود التفاعل الافتراضي، ليلامس جوهر العلاقة الملتبسة بين المسؤولية السياسية والخطاب الاعترافي.

تدوينة اختارت أن تختزل موقفاً كاملاً في مثل شعبي مغربي حاد: “تياكل مع الذيب وتيبكي مع السارح”، موجّهة بشكل مباشر إلى نزار بركة، في سياق تصريحاته الأخيرة أمام نواب حزبه.

من البلاغة الشعبية إلى الاتهام السياسي

لم يكن استدعاء هذا المثل مجرد اختيار لغوي عابر، بل جاء كأداة اتهام مركّبة، تنقل الخطاب من مستوى النقد السياسي التقليدي إلى مستوى التشكيك في انسجام الفاعل السياسي مع مواقفه. فالمثل، في عمقه الثقافي، لا يصف فقط النفاق، بل يشير إلى حالة أكثر تعقيداً: التواطؤ مع المشكلة، ثم ادّعاء التضرر منها.

بهذا المعنى، تُفهم التدوينة على أنها لا تنتقد مضمون تصريحات بركة فقط، بل تعيد تأطيرها كـ”اعترافات مزدوجة”: اعتراف بوجود اختلالات بنيوية في السوق والقدرة الشرائية، يقابله – في نظر الكاتب – غياب لتحمّل المسؤولية السياسية الكاملة عن تلك الاختلالات.

حين يتحوّل الاعتراف إلى عبء سياسي

تصريحات نزار بركة، التي أقر فيها بصعوبة مواجهة المضاربين وبتأثيرهم القوي على السوق، فتحت باباً واسعاً للتأويل. ففي حين يمكن قراءتها كمحاولة للوضوح أو التشخيص الصريح، اعتبرها منتقدون دليلاً على عجز الجهاز التنفيذي عن تفعيل صلاحياته القانونية والدستورية.

هنا تبرز المفارقة التي التقطتها التدوينة: كيف يمكن لمسؤول حكومي أن يقرّ بقوة “المضاربين” و”السماسرة”، دون أن يقترن ذلك بإجراءات ملموسة أو محاسبة واضحة؟
وهل يتحول الاعتراف، في هذه الحالة، إلى تبرير ضمني للعجز بدل أن يكون مدخلاً للإصلاح؟

البرلمان بين التصفيق ووظيفة المساءلة

لم تتوقف التدوينة عند حدود الوزير، بل امتدت لتشمل المؤسسة التشريعية، حيث وُجّه نقد ضمني إلى نواب حزب الاستقلال الذين اكتفوا – بحسب صاحبها – بالتفاعل الإيجابي مع التصريحات، دون تفعيل دورهم الرقابي.

هذا المعطى يعيد طرح سؤال كلاسيكي في الحياة السياسية المغربية: إلى أي حد تستطيع الأغلبية البرلمانية أن توازن بين واجب الدعم السياسي وضرورة المساءلة الدستورية؟

في هذا السياق، يبدو أن التدوينة تعكس إحساساً متزايداً لدى جزء من الرأي العام بأن الرقابة البرلمانية قد تتحول أحياناً إلى ممارسة شكلية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بانتقاد ذاتي داخل مكونات الأغلبية.

من نقد السياسات إلى مساءلة المصداقية

الأهم في هذا الجدل هو انتقال الخطاب من نقد السياسات العمومية إلى مساءلة مصداقية الفاعل السياسي نفسه. فبدل الاكتفاء بمساءلة الحكومة حول نتائجها، أصبح النقاش يتمحور حول مدى انسجام الخطاب السياسي مع موقع المتحدث داخل منظومة القرار.

بمعنى آخر، لم يعد السؤال: هل هناك فشل في بعض الملفات؟

بل أصبح: هل من يعترف بالفشل مستعد لتحمّل تبعات هذا الاعتراف؟

سؤال الثقة… من جديد

في عمق التدوينة، يطفو سؤال الثقة السياسية كخيط ناظم: كيف يمكن للأحزاب أن تعود إلى الناخبين بخطاب جديد، وهي تعترف – بشكل مباشر أو غير مباشر – بإخفاقات في ملفات حساسة كالبطالة وغلاء المعيشة؟

هذا السؤال لا يخص حزباً بعينه، بل يعكس تحدياً أوسع يواجه الفاعلين السياسيين في المغرب: إعادة بناء الثقة في ظل وعي مجتمعي متزايد وتدفق مستمر للمعلومات والتصريحات.

بين الخطاب والمحاسبة

في النهاية، تكشف هذه الواقعة عن إشكال أعمق من مجرد تصريح أو تدوينة:
إشكال العلاقة بين القول السياسي والفعل المؤسساتي.

فالاعتراف بالأعطاب قد يُحسب كخطوة إيجابية في اتجاه الشفافية، لكنه يفقد قيمته عندما لا يُترجم إلى قرارات، أو عندما يُفهم كتنصل من المسؤولية. وبين هذا وذاك، يظل المبدأ الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة” معلقاً بين النص والتفعيل.

هكذا، لم تكن عبارة “تياكل مع الذيب وتيبكي مع السارح” مجرد مثل شعبي عابر، بل تحوّلت إلى عدسة مكبّرة تكشف توتراً قائماً في صميم الممارسة السياسية:
توتّر بين من يعترف بالأزمة… ومن يُطالَب بأن يكون جزءاً من حلّها، لا مجرد شاهد عليها.