في إطار تتبعنا للمحتوى السياسي–الإعلامي الذي يُنشر على المنصات الرقمية، رصدنا مقطع فيديو بثّه موقع إلكتروني ضمن برنامج جدلي، قدّم رواية موسّعة حول ملفات التعمير والعقار، مستنداً إلى وثائق يُقال إنها عقود توثيقية مرتبطة بعملية بيع عقار في مدينة مراكش، ومُدرجاً اسم عبد الوافي لفتيت في قلب هذه السردية.
الفيديو لم يتوقف عند حدود عرض الوثيقة، بل انتقل إلى بناء خطاب تأويلي واسع، يربط بين مسار عقاري محدد وبين شبهات تتعلق بتدبير المجال الترابي، واستعمال النفوذ، وإعادة تشكيل المجال الحضري. وهو انتقال يُظهر بوضوح طبيعة هذا النوع من المحتوى الرقمي الذي لا يكتفي بنقل المعطى، بل يعيد تركيبه داخل قصة سياسية–اجتماعية ذات حمولة نقدية قوية.
غير أن القراءة التحليلية لهذا النوع من المواد تفرض التمييز بين مستويين: الأول يتعلق بالوثيقة كما هي، باعتبارها عقداً توثيقياً يخضع لإجراءات قانونية (إيداع، تسجيل، رسوم، توقيع موثق)، وهي عناصر شكلية تعطيها صفة الرسمية لكنها لا تحمل في ذاتها حكماً على مضمون الصفقة. أما الثاني فيتعلق بالسردية الإعلامية التي تُبنى حول الوثيقة، والتي قد تنتقل من المعطى التقني إلى الاستنتاج السياسي دون المرور دائماً عبر آليات التحقق الكاملة.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط حول مضمون الفيديو، بل حول طريقة تفاعل الأنظمة السياسية مع مثل هذه الملفات، وهنا تبرز المقارنة مع ما يُعرف بالنموذج الغربي.
في دول مثل فرنسا أو إسبانيا، لا يُنظر إلى تسريب وثيقة أو نشر فيديو يتضمن شبهات حول مسؤول عمومي باعتباره نهاية القصة، بل بداية لمسار مؤسساتي متكامل. فعادة ما تتحرك ثلاث دوائر بشكل متزامن:
أولاً، الإعلام المهني يدخل مباشرة في مرحلة التحقق المضاعف، عبر مقارنة الوثائق، واستنطاق الأطراف، والاستعانة بخبراء قانونيين وعقاريين.
ثانياً، الفاعلون السياسيون، خاصة المعارضة، يرفعون مستوى الضغط عبر طلب توضيحات رسمية أو فتح لجان تحقيق برلمانية.
ثالثاً، المؤسسات القضائية أو الرقابية قد تفتح مساراً أولياً للتحقق، دون أن يعني ذلك إدانة مسبقة، بل فقط إخضاع الملف للمراجعة.
وفي بعض الحالات، حتى دون صدور حكم قضائي، يلجأ بعض المسؤولين إلى تقديم استقالة مؤقتة أو تجميد مهامهم، ليس كإقرار بالذنب، بل كآلية سياسية لحماية المؤسسات من الشك إلى حين انتهاء التحقيق.
هذا النموذج لا يعني غياب الفساد أو خلوّ الأنظمة من الاختلالات، لكنه يعكس حساسية أعلى تجاه الشبهة العمومية، وسرعة أكبر في تفعيل آليات المساءلة.
في المقابل، يثير السياق الذي يقدمه الفيديو المتداول سؤالاً مختلفاً: لماذا لا يحدث التفاعل نفسه بالسرعة نفسها في حالات مماثلة داخل السياق المغربي؟ وهل يعود ذلك إلى غياب الآليات، أم إلى اختلاف في منطق تدبير العلاقة بين الإعلام والمؤسسات؟
هنا لا يمكن اختزال الأمر في ثنائية “فوضى” أو “نظام”، لأن الواقع أكثر تعقيداً. فغياب التفاعل السريع قد يرتبط بعوامل متعددة:
-
الحاجة إلى التحقق المؤسساتي قبل الرد
-
الحذر من الدخول في سجالات مبنية على وثائق غير مكتملة
-
أو ضعف القنوات الوسيطة بين الإعلام الرقمي والهيئات الرسمية


