من سبتة المحتلة إلى البيت الأبيض… ترامب يستثمر أزمة الهجرة لافتتاح معركة الانتخابات الأمريكية

0
84

في خضم أزمة الهجرة التي تعيشهامدينتي سبة ومليلية المحتلتين، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتعليق على ما يجري، بل حوّل المشهد الإسباني إلى مادة سياسية أمريكية بامتياز. فبالنسبة إليه، لم تعد سبتة أو الحدود الجنوبية لإسبانيا مجرد أزمة أوروبية، وإنما أصبحت نموذجًا استباقيًا لما قد تواجهه الولايات المتحدة إذا استمرت، وفق رؤيته، سياسات الهجرة المتساهلة. وهكذا، انتقل الحدث من كونه أزمة حدود إلى ورقة انتخابية تُستثمر في الداخل الأمريكي، في توقيت يتقاطع مع الاستعدادات للانتخابات المقبلة.

لم يكن لافتًا في حديث ترامب حديثه عن المهاجرين بقدر ما كان لافتًا اختياره لإسبانيا كمثال. فهو أكد أنه كان ينوي إثارة هذا الملف خلال اجتماعات كامب ديفيد، لأنه يرى أن ما وقع هناك سيصبح أحد أبرز محاور النقاش السياسي في الانتخابات المقبلة. هذه العبارة تكشف أن الخطاب لم يكن موجّهًا إلى مدريد بقدر ما كان موجّهًا إلى الناخب الأمريكي. فترامب لا يناقش السياسة الإسبانية، بل يستخدمها كمرآة يعكس عليها جدله الداخلي حول أمن الحدود والهجرة، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن ما يحدث خارج الولايات المتحدة اليوم قد يتكرر داخلها غدًا إذا لم يتغير النهج السياسي.

ومن الناحية الخطابية، اعتمد ترامب على آلية سياسية معروفة تقوم على تحويل حدث خارجي إلى “إنذار مبكر”. فبدل أن يقدّم الأزمة باعتبارها حالة أوروبية خاصة، صاغها باعتبارها نموذجًا عالميًا يثبت، بحسب رأيه، أن التراخي في تطبيق قوانين الهجرة يقود حتمًا إلى تدفقات بشرية واسعة يصعب احتواؤها. وهنا يتحول المثال الإسباني إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب التقليدي الذي يربط بين أمن الدولة وصرامة الحدود.

وفي توصيفه لما جرى، استخدم ترامب مفردات ذات حمولة سياسية قوية مثل “الاجتياح” و”ضعف القانون” و”سوء الإدارة”. وهذه المفردات لا تؤدي وظيفة وصفية بقدر ما تؤدي وظيفة تعبئة سياسية، إذ تعيد تأطير الهجرة باعتبارها قضية أمن قومي أكثر من كونها قضية إنسانية أو اقتصادية. وبهذا ينتقل النقاش من سؤال: “كيف تُدار الهجرة؟” إلى سؤال آخر أكثر تأثيرًا في الحملات الانتخابية: “من يحمي الحدود؟”.

ويضيف ترامب بعدًا آخر إلى خطابه حين يقول إن المهاجرين يراقبون ما يحدث في مختلف الدول ويقرؤون سياساتها، ثم يبنون قراراتهم على ذلك. هذه الفكرة تحمل رسالة ضمنية مفادها أن سياسات الدول لا تؤثر فقط في مواطنيها، بل تُرسل أيضًا إشارات إلى الراغبين في الهجرة. ومن هذا المنظور، يصبح القانون ذاته عامل جذب أو ردع، وليس مجرد أداة لتنظيم الدخول والإقامة.

غير أن ما لم يقله ترامب صراحة لا يقل أهمية عما قاله. فهو لم يتناول العوامل التي تدفع عشرات الآلاف إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر، ولا الأسباب الاقتصادية والاجتماعية أو الجيوسياسية التي تصنع موجات الهجرة. لقد اختار أن يركّز على “نتائج” الأزمة أكثر من “أسبابها”، لأن هذا الإطار يخدم الرسالة السياسية التي يريد إيصالها إلى جمهوره الانتخابي.

ثم يصل الخطاب إلى ذروته عندما يقارن بين إسبانيا والولايات المتحدة. فبعد أن وصف المشهد الإسباني بأنه غير مسبوق، اعتبر أن ما قد تواجهه أمريكا سيكون أكبر إذا استمرت السياسات الحالية. هنا لا يعود المثال الإسباني غاية في ذاته، بل يصبح أداة لتضخيم المخاوف المستقبلية، وهي تقنية خطابية تهدف إلى إقناع الناخب بأن التحرك يجب أن يسبق وقوع الأزمة، لا أن ينتظرها.

وفي خاتمة حديثه، أعاد ترامب توجيه السهام إلى الرئيس السابق جو بايدن، معتبرًا أن أكبر أخطائه كان السماح، وفق تقديره، بدخول نحو 25 مليون شخص إلى الولايات المتحدة. ويظل هذا الرقم جزءًا من الخطاب السياسي لترامب، وهو محل نقاش واختلاف في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، إلا أن أهميته هنا لا تكمن في قيمته الإحصائية بقدر ما تكمن في وظيفته الخطابية، إذ يستخدمه لترسيخ صورة مفادها أن الإدارة السابقة فقدت السيطرة على الحدود، وأن استعادة هذه السيطرة يجب أن تكون محور الانتخابات المقبلة.

لكن بعيدًا عن الجدل الأمريكي، تكشف الأزمة الإسبانية نفسها عن تحولات أوسع في النقاش الغربي حول الهجرة. فقد دفعت التدفقات الكبيرة نحو سبتة إلى ردود فعل أمنية وسياسية داخل أوروبا، شملت تشديد الإجراءات الحدودية وفتح نقاش جديد حول إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بينما وصفت الحكومة الإسبانية ما جرى بأنه أزمة سيادية وأمنية غير مسبوقة.

وهكذا، فإن خطاب ترامب لا يُقرأ باعتباره تعليقًا على إسبانيا فقط، بل باعتباره جزءًا من معركة سياسية أمريكية تستخدم حدثًا دوليًا لإعادة صياغة أولويات الداخل. فبينما ترى مدريد في ما جرى أزمة حدود تستدعي استجابة أمنية ودبلوماسية، يراه ترامب دليلًا انتخابيًا على صحة أطروحته بشأن الهجرة. ومن هنا يتحول الحدث نفسه إلى روايتين مختلفتين: الأولى تتحدث عن إدارة أزمة، والثانية توظف الأزمة لإعادة تشكيل المزاج الانتخابي. وفي هذا التقاطع بين السياسة الداخلية والحدث الدولي، تتجلى إحدى أبرز سمات الخطاب السياسي المعاصر: لم تعد الأزمات تُدار داخل حدودها الجغرافية، بل أصبحت تُعاد صياغتها وتوظيفها في ساحات سياسية تبعد عنها آلاف الكيلومترات.